عُثر في كهف قفزة الذي كان له ثقله وأهميته، على عظامٍ حيوانيةٍ كثيرةٍ في جميع مستويات الكهف التي تُؤرَّخ بالعصر الحجري القديم الأعلى، وكانت مختلطةً في أكثرها ببقايا عظام آدمية (1).
وتكرَّر ذلك الخلط ما بين البقايا العظمية الآدمية والحيوانية في مختلف الكهوف والمآوى الأخرى (2). وبالدراسة تبيَّن أنَّ تلك البقايا الآدمية ما هي إلا جزء من دفناتٍ آدميةٍ، وإذا ما كان قد عُثر على بقايا عظام حيوانية، فهي إما بقايا ما قُدِّم للمتوفَّى من أجزاء حيوانية، أو بقايا لتلك الحيوانات التي اتخذت من الكهوف مأوًى لها، أما البقايا العظمية الحيوانية التي جاء عليها آثار احتراق، أو وُجِدت بالقرب من مواقد، فهي تعبِّر عن بقايا طعام آدمي (3)، ولا أدلَّ على ذلك مما جاء بكهف الدوارا (4)، ⋆ الذي عُثر فيه على بقايا عظمية مختلفة، ما بين بقايا طعام وبقايا دفنات، ومخلفات لم يُستطَع بدراستها التوصُّل إلى أنواعها الحيوانية، التي تنوَّعت ما بين حيوانات ضخمة وأخرى صغيرة، وكانت الغلبة لتلك الأنواع الحيوانية الصغيرة، التي يُعتقَد لكثرتها النسبية بمستويات الكهف، أنها عبَّرت عن نوعٍ من القربان الحيواني الذي تقدَّم به ساكنو الكهف كنوعٍ من القربان للمتوفَّى (5).
وفي كهف كبارا الذي امتدَّت جذوره إلى العصر الحجري القديم، واستمر استخدامه طَوال العصر النطوفي وما تلاه، عُثر على بقايا عظميةٍ لحيواناتٍ عدةٍ، مختلطة بعظام آدمية قد تكون دفنةً جماعية لرجال ونساء زُوِّدت ببعض القرابين الحيوانية، وقد تكون دفنةً آدمية حدَث معها خلطٌ بتلك البقايا العظمية الحيوانية، وكان خلطًا غيرَ مقصودٍ، فلا ندري بعدُ أكان مصادفةً أم عن قصد (6).
وكذلك عُثر في يبرود (7)، ⋆ التي تُعَد الموقعَ الأمثل للعصر النطوفي، على مثل هذا المزج ما بين العظام الحيوانية والآدمية (8). ففي المقبرة رقم 4 بالجبَّانة، عُثر على دفنة آدمية-حيوانية مختلطة، لم يُوضح بعدُ كيفية دفنهما ولا أسباب ذلك الخلط بينهما (9).
وفي العصر الحجري النحاسي، ازداد اعتماد الإنسان اقتصاديًّا على استئناس الحيوان، وقد اكتشف في تُليلات الغسول العديدُ من الدفنات الآدمية التي اختلطت بعظام حيوانية، ولكن لم يوضح بعدُ ما إذا كانت تلك العظام الحيوانية التي عُثر عليها، تشير إلى دفناتٍ حيوانيةٍ أم بقايا قرابين وأضاحٍ، أم إنَّ هذا الخلط كان بمحض الصدفة، كل ذلك لم يوضح بعدُ حتى الآن (10).
هذا، وقد عُثر في تُليلات الغسول على بقايا مبنًى، تبيَّن بدراسته أنه كان ذا ارتباط ومغزًى ديني؛ إذ أظهر إلى حدٍّ بعيدٍ الدورَ العقائدي المرتبط بالحيوان في ذلك العصر؛ فهو معبد كبير يُؤرَّخ بالعصر الحجري النحاسي، عُثر فيه على مذبح في مواجهة المدخل، وبه عُثر على الكثير من العظام الحيوانية والشَّقف الفخارية، ولربما أشارت تلك البقايا العظمية الحيوانية، إلى عادةٍ كانت سائدة في ذلك العصر، تمثَّلت في الالتزام بتقديم أنواع من الأضحيات الحيوانية، للتقرُّب من الآلهة، وطلبًا للخصوبة واستمرارًا لضمان الرزق (11).
واستمرَّ العثور على الكثير من البقايا العظمية الحيوانية، في دفناتٍ آدميةٍ، لم يكن بها تركيزٌ على دفن حيوان معيَّن دون سواه، وإنما عُثر على عظامٍ حيوانية مختلطة، ما بين برية ومستأنَسة لحمير، وخنازير، وكلاب، ووعول جبلية، وسلاحف، ولربما كانت تلك البقايا الحيوانية تشير إلى نوع من القرابين الحيوانية التي قُدِّمت للمتوفَّى (12).
وفي العصر البرونزي المبكِّر الأول والثاني، تأكَّد الدور الطقسي للحيوان — دون تحديد نوع الحيوان — ففي مجدو، عُثر على مبنًى ذي ارتباط ديني، وعُثر فيه على هيكل دائري الشكل ربما كان معبدًا، وبه عُثر على عظام الكثير من الأضحيات الحيوانية، ربما قدَّمها ساكنو هذا الموقع كقربانٍ، أو أضحياتٍ حيوانيةٍ تقربًا بها للآلهة (13).
وفي عين الأساوير (14) عُثر على الكثير من تراكمات العظام الحيوانية، في كلٍّ من أماكن السكنى والمقابر على السواء (15). ⋆
وفي هارتوف (16) ⋆ تكرَّر العثور على مثل تلك التراكمات العظمية لحيوانات مختلفة (17)، ربما كانت مقدَّمة كأضحيات للآلهة.
وفي مواقعَ عدةٍ بفلسطين تكرَّر العثور على حُفَر ضحلة مليئة بالقرون والعظام الحيوانية المحترقة، كانت تتوسط عددًا من الدفنات الآدمية، ولم يُحدَّد بعدُ ما دور تلك القرون الحيوانية بين هذه الدفنات الآدمية، ولماذا كانت محترقةً، وما هو المغزى الطقسي وراءها، لا سيما وأنَّه تكرَّر العثور على مثل تلك الحفرة في العديد من دفنات الموقع (18). (تذكِّرنا بحُفَر النار التي عُثر عليها في مواقعَ عدة بالعراق.)
الطيور
كان هناك قدْرٌ من الأهمية لأنواع من الطيور لدى النطوفيين، تمثَّلت تلك الأهمية فيما عُثر عليه من بقايا عظام لطيور، ومعها سوار مصنوع من أجزاء عظمية، كأنها خرزات وصل عددها إلى 45 قطعةً عظميةً، وذلك في المستوى B من كهف هايونيم (19)، وتكرَّر ذلك في عين الملاحة، وعرق الأحمر، مما يوحي بشيوع تلك العادة في ذلك العصر، ووجود صلات معينة تربط بين كل هذه المجتمعات النطوفية (20).
هذا، ويُعتقد أن تكون عظام الطيور التي تم العثور عليها في بعض الدفنات، واحدةً من الرموز المرتبطة بتيسير بعث المتوفَّى، باعتبارها واحدةً من دلائل الخصوبة في قبره (21)، هذا بخلاف ارتباط الطيور بالأرواح، أرواح الموتى من ناحيةٍ، وأرواح الآلهة من ناحيةٍ أخرى، فهي وسيلةُ الربط بينهما (22). (وهي هنا تذكِّرنا ﺑ «البا» في الفكر المصري القديم).
........................................
(1) Stekelis, M., Op. Cit., p. 961.
(2) Payne, S., Op. Cit., p. 149.
(3) Ibid., p. 150.
(4) ⋆ يقع كهف الدوارا على بُعد 15كم شمال شرق بالميرا، بوسط سوريا.
(5) Ibid., pp. 150, 161.
(6) Stekelis, M., Kebara cave “in: Avi-yonah, M., Encyclopedia of archaeology” excavations in the Holy-land, Vol. III, London, 1977, p. 699.
(7) ⋆ يبرود: موقع نطوفي بشمال فلسطين.
(8) Anati, E., 1963, p. 146.
(9) Ali Abou Assaf, M. A., “Der friedhof von Yabrud” in: AAAS, vol. 17, 1967, p. 61.
(10) Duncan, T. G., “Excavation of Teleilat Ghassul” in: A. E., part, III, 1931, pp. 65–76; Lee, J. R., “Tuleilat El-Ghassul” in: Avi-Yonah, M., Encyclopedia of archaeology excavations in the Holy-land, Vol. 4, Oxford, 1978, pp. 1205–1213.
(11) رشيد الناضوري، «مصر وسوريا ولبنان»، بيروت، 1968م، ص 174. أحمد أمين سليم، «في تاريخ الشرق الأدنى القديم، مصر وسورية القديمة»، ص265. رشيد الناضوري، «المدخل في التحليل الموضوعي المقارن للتاريخ الحضاري والسياسي في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا»، بيروت، 1976م، ص 42.
(12) Smith, P., and Horwitz, L. M., “Human and remains from the Burial cave animal Shacar Ephraim central” in Tel-Aviv, Vol. 25, 1988, pp. 110–114.
(13) Richard, S., “The early Bronze age, the rise and collapse of urbanism” in: B. A., Vol. 50, 1987, p. 31.
(14) ⋆ تقع عين الأساوير إلى الجنوب الغربي من مجدو بحوالي 20كم، بفلسطين.
(15) Yannai, E., “The northern Sharon in the Chalcolithic period and the Beginning of the early Bronze Age in light of the excavation at En Assawir, in: Van Den Brink, 2002, p. 73.
(16) ⋆ هارتوف: موقع من مواقع العصر البرونزي المبكِّر الأول بفلسطين، يقع شمال بيت شماس.
(17) Mazar, A., and De Miroschedji, P. “Hartuv, an aspect of the early Bronze culture of southern Israel” in: BASOR, 302, 1996, pp. 1–9.
(18) Kaplan, J., “Tel Aviv” in: Avi-Yonah, M., 1978, pp. 159–161.
(19) Pichon, J., “Praures Natoufiennes En OSde perdrix” in: Paléorient, vol. 9/1, 1983, p. 91.
(20) Ibid., pp. 95–97.
(21) James, E. O., The three of life, Leiden, 1966, p. 201.
(22) Cooper, J. C., Op. Cit., p. 20.