على النقيض من ذلك، يبدو أن الأمور في جزيرة كريت سارت على نحوٍ أفضل في أعقاب الأزمة مباشرةً، حتى وإن لم يعُد من الممكن العثور على مظاهر محدَّدة للمجتمع المينوي. تشير أبحاث حديثة إلى أنه كانت لا تزال هناك علاماتٌ على الحياة في العاصمة كنوسوس، على سبيل المثال. إضافةً إلى ذلك، رغم مرور قرونٍ منذ أن أصبح المينويون بارزين بما يكفي في التجارة الدولية — لدرجة أنَّ مجتمعات أخرى ذكرَتهم، كما هو الحال في ألواح ماري في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أو صُوِّروا في رسوماتِ المقابر المصرية خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد — فيبدو أن التفاعُلات مع الشرق الأدنى قد استُؤنفَت، وإن كان على مستوًى أقلَّ من ذي قبل، تمامًا كما وثقَت سارة موراي للبر الرئيسي لليونان خلال الفترة نفسها.
وقد لاحظت سارو والاس، الباحثة البارزة في مؤسسة جيردا هِنكِل في ألمانيا، مؤخرًا أن سكان جزيرة كريت لم يكونوا أقلَّ تأثرًا بأزمة الانهيار من أي شخصٍ آخَر، بل يبدو أنهم نجحوا على نحوٍ أفضل في اجتياز عملية الانتقال إلى العصر الحديدي من خلال إجراءاتٍ متعمَّدة وتعديلاتٍ ثقافية واسعة النطاق قلَّلَت من الفوضى. وتقول والاس إن ردَّ فِعلهم كان بمنزلة استجابةٍ «مُبكِّرة ومتماسِكة ومبدعة» ﻟ «ظروف ازدياد انعدام الأمن والفُرَص الجديدة المُتزايدة»، والتي أسفرَت عمَّا تُسمِّيه «انهيارًا إيجابيًّا» (1). يبدو أنهم تأقلموا، وربما حتى تبدَّلوا إلى حدٍّ ما، بدلًا من مجرد التكيُّف.
وعلى المنوال نفسه، أظهرَت عمليات المسح الأثري التي أجراها عالِم الآثار البولندي كريستوف نوفتسكي على جزيرة كريت — والتي تسلَّق خلالها، بجرأة، الكثير من أعلى قِمم الجبال من أجل البحث عن بقايا أثرية — أنَّ هناك العديد من المستوطنات الصغيرة التي أُنشئَت في مواقع دفاعيةٍ عالية في الجبال وبعيدًا عن الساحل في أعقاب الانهيار مباشرةً، ربما لتجنُّب القرصنة (2).
ومع ذلك، هناك أيضًا أدلَّة على أن الحياة في العديد من المواقع الكريتية الكبرى، مثل فايستوس وخانيا، إضافةً إلى كنوسوس، استمرَّت دون انقطاع، رغم أن القصور كانت حينئذٍ خَرِبة. كان هناك، على ما يبدو، قدْرٌ كبير من الاستمرارية من ناحية الاستيطان الحضري والاستقرار الاقتصادي والطوائف الدينية والأماكن المُقدسة، وممارسات الدفن، وقد شكَّلَت جميعها أساسَ استراتيجية الكريتيين الناجحة للبقاء، كما وثَّقَتها والاس وآخَرون (3).
خلاصة القول، ربما تكون أيامُ مجدِ الحضارة المينوية خلال منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد؛ قد اختفَت إلى الأبد، لكنَّ كريت نفْسَها وسكَّانها الناجين استمروا خلال العصر الحديدي، وتأقلموا على الوضع الجديد. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يزعُم أن هذا كانت له تكلفته؛ حيث فقَدَ السكَّان هُويتهم الثقافية باعتبارهم «مينويين»؛ أيْ «شعب كِفتيو» كما كانوا معروفين لدى المِصريين، و«الكَفتوريين» كما كان يُطلِق عليهم التجَّار في ماري وأوغاريت خلال أواخر العصر البرونزي. ومع ذلك، ولكي نكون واضِحين تمامًا، ربما كانوا بالفعل قد بدءُوا في فقدان تلك الهوية الجماعية قبل أن يحتلَّهم الميسينيون حوالي عام 1350 قبل الميلاد؛ وقد اقترحَت ميتاكسيا تسيبوبولو، المُتخصِّصة في العصر البرونزي والعصر الحديدي في منطقة بحر إيجه ومديرة عمليات التنقيب في موقع بتراس في جزيرة كريت، مصطلحَ «الميسينيين» لوصف السكان الذين عاشوا في جزيرة كريت خلال المرحلة الأخيرة من أواخر العصر البرونزي، أي من أواخر القرن الرابع عشر فصاعدًا (4).
..............................................
(1) See, in particular, Wallace 2006 (esp. 620, 641, 644), 2010 (esp. 51–104), 2017 (esp. 68, 71, 78), 2018 (esp. 325); 2020 (esp. 248); see now also comments in Pollard 2021. Imports to the island did drop, however; see Hoffman 1997 and the catalog by Jones 2000; also comments by Murray 2017: 6, 75-76, 85-86, 91, 100-101, 117; Wallace 2018: 395.
(2) On the results of his archaeological surveys, see primarily Nowicki 2000, now cited by numerous scholars including, e.g., Deger-Jalkotzy 2008: 397-98; Lemos 2014: 174–77; Kourou 2016: 352; Haggis 2020: 1073; as well as Wallace 2006: 623-24, 628, 2010: 58-59; Murray 2017: 6; and others. See now also Pollard 2022. On piracy, see e.g., Samaras 2015; Hitchcock and Maeir 2019.
(3) See again Wallace 2006, 2010, 2017, 2020; also Coldstream 2006: 581-82; D’Agata 2006: 400; Prent 2014: 651, 654; Hatzaki and Kotsonas 2020: 1036; Pollard 2021; Watrous 2021: 197-98.
(4) Tsipopoulou 2005; see also the other papers in that conference volume. I thank Louise Hitchcock for reminding me of this fact; see also previously the brief mention in Cline 2021: 48 and previously Cline 1994: xvii-xviii, 9–11, 35, 106.