1. (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا[1]).
وتفيد هذه الاية أن الثبات على الطريق المستقيم يكون سببت في التمتع بالمياه الوفيرة التي تروي المزارع والغابات والحيوانات والناس العطاشى.
وهذه الاية دليل حي على معقولية صلاة الاستسقاء لأن الصلاة عمود الدين والأمر بصلاة الاستسقاء هو أمر خاص فيكون الامتثال له مصداقا بارزا للاستقامة في الصراط المستقيم.
و(الماء الغدق) ليس هو ماء المطر فقط بل إن امتلاء العيون والقنوات والآبار من مصاديقه أيضا.
اذن فالله سبحانه جعل في أعمال الخير ما من شأنه أن يجعل شعبا كاملا يرفل البركات والنعم المادية مثلما يمكن أن يوجب الكثير من الذنوب صدور الامر الالهي بهبوط مستوى المياه لا تعد أيدي الحفارين والصناعيين قادرة على الوصول اليه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ[2])، و(الماء المعين) هو ذلك الماء الذي تراه العين ويمكن الحصول عليه: تناله الدلاء وتراه العيون[3].
2. (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم[4]).
فمثلما يكون للإيمان والتقوى والعفو عن الخطايا صلة بدخول الجنة. فكذلك الايمان والعمل بتعاليم التوراة والإنجيل والقرآن مرتبطان بنيل النعم السماوية والارضية والذي (مِن فَوْقِهِمْ) هي النعم السماوية التي تظهر بشكل نزول البرد والأمطار أو شروق الشمس و (وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) هي النعم الارضية من خصوبة التربة وانفجار المياه الجوفية (العيون والقنوات).
3. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[5]).
وبناء على هذه الاية يكون ايمان أهالي المدن والقرى[6] وتقواهم سببا في فتح أبواب البركات السماوية والارضية عليهم وقد بينت هذه الاية بوضوح ارتباط أعمال الانسان بحوادث العالم.
ويمكن تفسير (بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) على عدة احتمالات منها:
أ. إن بركات السماء هي نزول البرد والمطر وشروق الشمس أما بركان الارض فهي استعداد التربة وانفجار العيون والقنوات ونمو الاشجار والأثمار.
ب. إن البركات السماوية هي العلوم والمعارف والبركات الارضية هي النعم المادية.
ج. ان البركات السماوية هي علوم الكشف والشهود والبركات الارضية هي العلوم الحصولية[7].
لكن معنى الاية لا ينحصر في هذه الاحتمالات الثلاث بل يمكن أن يكون لها مصاديق أخرى وهذه الاحتمالات الثلاث ترد حول الاية السابقة أيضا.
وعلى أي حال وسواء كان المقصود في الاية هو المسائل العلمية أم العملية وكان المراد من المسائل العلمية هو العلم الحصولي أم الحضوري أيضا فكلها من مصاديق الامور الخارجية ويفهم منها وجود علاقة بين أعمال الانسان الحسنة (الايمان والتقوى) مع حوادث العالم السعيدة.
4. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[8]).
وهذه الاية تبين الصلة بين التقوى واكتشاف الطرق الداخلية أو الحركات الخارجية. كما أن آية (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[9]) هي الاخرى تكلفت ببيان رابطة التقوى والصبر مع نيل الاجر والوصول الى الهدف.
وهاتان الايتان تبينان بصورة عامة علاقة العمل الحسن لكل إنسان مع ثماره الحسنة في هذه الدنيا.
ومعنى آية (أَن تَتَّقُوا الله...) هو أن التقوى توجب الفرقان الذي يستطيع الانسان بواسطته تمييز الحق عن الباطل والجيد عن الرديء والطريق المستقيم عن الطريق المنحرف لأن الهوى والهوس عندما يسيطران على الانسان لا يدعانه يرى الحقائق الداخلية والخارجية كما هي.
وعلى الاجمال تقول الاية: إنكم لو اتقيتم الله لهيأ لكم فرقانا ومعنى ذلك أن الانسان المتقي هو المبدأ القابلي والافاضة الالهية هي المبدأ الفاعلي وتلك الافاضة تكون خارج دائرة الوجود الانسان وحدود قدرته أولا وثانيا هي موجودة عينية من أعيان عالم الخارج والله سبحانه هو الماسك بزمامها وثالثا أن إيجادها يرتبط ارتباطا مباشرا بعمل الخير الذي يقوم به الانسان وهذا هو القول بارتباط عمل البشر مع عالم الخلق.
وما نريد قوله هو أن هذه الاية لا تعني أنك سوف ترى الحقائق لو كنت متقيا بل معناها هو أن الله سيجعل لك فرقانا ترى الحقائق بواسطته.
[2] سورة الملك، الآية 30.
[3] مجمع البيان، ج9 - 10، ص495. والعالم الديني هو ماء معين؛ لأنه يوصل المعارف بلسانه و قلمه إلى مواضع جديدة. و(العلم) كوثر عذب يسيل من الصدر إلى مسامع المخاطب، ولما كانت كل العلوم ببركة بيت العصمة والطهارة كان (الماء المعين) هو أحد الألقاب النورانية لإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. (تفسير نور الثقلين، ج5، ص 386 - 387)؛ لأنه في الحقيقة ماء الحياة للبشرية.
[4] سورة المائدة، الآية 66 .
[5] سورة الاعراف الاية 96
[6] لأن الالف واللام في (أهل القُرَى) ليست للعهد بل هي للجنس فتكون شاملة لكل منطقة
[7] راجع: مجمع البيان ج3-4 ص697-698 روح المعاني مج6 ج9 ص16-17.
[8] سورة الانفال الاية 29