وتكثر الإشارة في أدب الجماعة إلى شخصين لهما علاقة وثيقة فيما يظهر بتأسيس الجماعة، فهنالك معلم الصدق أو معلم «الوَحدة» أي: الجماعة. وهنالك الكاهن الراسع أي: الفاسد، ويُدعى أحيانًا الكاهن الكاذب. وقد تسرَّع بعضهم وتترعوا فرأوا في مخلفات قمران إشارة إلى عذاب أليم أُنزل بمعلم الصدق كآلام يسوع. وبين النصوص التي يستشهد بها هؤلاء لتأييد استنتاجاتهم هذه تعليق قمراني على قول حبقوق: «ويلٌ لمن يسقي صاحبه»، هذا نصه: «هذا يُشير إلى الكاهن الكاذب الذي تعقَّب مفسر الناموس الصادق حتى مكان عزلته ليشوِّش عليه أموره بالتظاهر بالغضب الشديد الذي عاد فظهر بينهم، لمناسبة يوم الكَفَّارة، بأُبَّهة كاملة ليختلط عليهم أمرهم، ويسقطوا في زِلة يوم الصوم يوم الراحة السابع» (1). وليس في هذا كله أي تعذيب حل بمعلم الصدق على غرار صلب السيد المسيح، وإن هي إلا إشارة إلى زيارة رسمية قام بها كاهن أوروشليم الأعظم إلى قمران مقر معلم الصدق؛ ليُحرج بها المعلم وتلاميذه وجماعته (2). وفي الأناجيل من أخبار الفريسيين والصدوقيين وأحاديثهم مع يوحنا السابق، ومع السيد نفسه ما يدل دلالة واضحة على لجوء أولئك إلى مثل هذه المناورات.
وليس في النصوص الأخرى التي يتذرَّع بها القائلون بالتشابه بين معلم الصدق القمراني، وبين السيد المُخلِّص ما يزيد ما يذهبون إليه؛ فالتعليق القمراني على الآية: «ألا يقوم بغتةً من يعضونك» (حبقوق 2: 7) هو ما يلي بالضبط: «إن معنى هذه الكلمات يُشير إلى الكاهن الذي عصى وخالف تعاليم الله، فسلَّمه الله إلى أيادي أعدائه، وأذلَّه هؤلاء، وأذاقوه عذابًا مرًّا لما اقترف من طغيان ونفاق، وأنزلوا به عناءً مخيفًا منتقمين منه بجسده» (3). ولما كان القسم الأول من هذا الكلام يشير بصورة واضحة إلى الكاهن الكاذب، فإنه لم يبقَ أي مجال للقول بأن ما يتبع يشير إلى معلم الصدق، ولا سيما وأن عددًا من النصوص الأخرى تنطق بغضب الله على هذا الكاهن الفاسد.33 وأن معلم الصدق بموجب التعليقات القمرانية هو الوارد ذكره في المزمور السابع والثلاثين الذي: «لا يتركه الرب في يده ولا يُؤثمه في قضائه». والواقع أنه ليس هنالك أي نص قمراني يثبت قتل معلم الصدق قتلًا أو صلبه صلبًا، وفي مخطوط دمشق ما يُشير إلى وفاته وفاةً طبيعية، فإنه «ينضم إلى قومه» (4) انضمامًا كما انضم إبراهيم من قبله وإسحاق وغيرهما من البطاركة (5).
ولا تزال أخبار معلم الصدق غامضة ضئيلة، وجُلُّ ما يمكننا أن نقوله اليوم هو أنه كان كاهنًا ومؤسسًا لمنظمة قمران (6). وأن هذه المنظمة تفرعت عن الحسيديين «ذوي البأس في إسرائيل» الذين خرجوا مع يهوذا المكابي، وأنزلوا نقمتهم بالقوم الذين خذلوهم الذين أيدوا ألكيموس صديق أنطيوخوس أبيفانس (8). وإذا صحَّ الافتراض أن كتاب الترانيم «المزامير» الذي وُجد في كهوف قمران (9) هو من مُخلَّفات معلم الصدق تمكَّنَّا من القول: إن الله خصَّ هذا المعلم منذ نعومة أظفاره بنعمه، وحلَّ محل والديه (10). وأن المعلم لبَّى هذه الدعوة فأصبح مُعلمًا لمن حوله (11). وأن الله أنار سبيله فأبصر السر الإلهي (12). ووهب غيره مما أخذ رغم ما حلَّ به من اضطهاد دل على نقيض هذه المقدرة:
لقد أنرتَ بواسطتي كثيرين، وأظهرتَ قوتكَ التي لا قياس لها، وهيَّأتَ لي أن أعرف أسراركَ الغامضة، وأن تتمجد بي إتمامًا لتدبير لا يُدرك (13).
وأُبعد المعلم ولكن الله أسكن العاصفة وخلَّص نفسه (14). فعاد بخبرته أبًا للأتقياء (15).
ويُستدَل مما جاء في عهود البطاركة الاثني عشر، ومما جاء في عهد لاوي في نصه اليوناني (16). ومن التعليق على نبوة حبقوق (17). أن السبب الذي أدَّى إلى انفصال جماعة قمران كان خروج الكهنة على الناموس والتقليد بالجشع والتنعم ومماشاة المتهلِّنين، وأن معلم الصدق هدف إلى إنشاء شعب إسرائيلي جديد يسلك سبيل الخلاص الذي أعده الله وأعلنه بواسطة الأنبياء، وأنه أوجب على من اختاره الله؛ ليكون في عِداد الشعب الجديد العودة، إلى طُرُق الآباء الذين قضوا في الصحراء أربعين عامًا قبل دخولهم أرض الميعاد، كما أوجب الابتعاد عن العالم والتعاون معًا في عيشة مشتركة مقدسة تقوِّي النفوس في مقاومة الشر، وتجعلها تتذوق الحياة الملائكية منذ انقضاء الدهر، وأنذر أن لا بد من دخول قوى النور في حرب طاحنة ضد قوى الظلام (18).
...................................................
(1) Gaster, Th., Op. Cit., 240-241.
(2) Talmon, M. S., Biblica, 1951, 549–563.
(3) Milik, J. T., Dix Ans, 49; Gaster, Th., Op. Cit., 239.
(4) Gaster, Th., Op. Cit., 238–241.
(5) C D 8, 21; 19, 35; 20, 14.
(6) تكوين 25: 8; 35: 29.
(7) I Q P. Hab, II, 55.
(8) 1 مكابيين 3: 42، 7: 13 وما يليه.
(9) I Q H.
(10) I Q H III, 29–32, 34–36.
(11) I Q H, XIV, 17–19.
(12) I Q H, IV, 53.
(13) I Q H, IV, 27 f.
(14) I Q H, V, 16–18.
(15) I Q H, VII, 19–23, 25.
(16) T L, XIV,.
(17) I Q P Hab, IX, 4 f.
(18) Milik, J. J., Dix Ans, 54-55.