التطور التاريخي لتسعير الزيت الخام
لمعرفة التطور التاريخي لأسعار الزيت الخام، فإن الأمر يتطلب معرفة تطور نقاط الأساس التي عندها كانت تتحدد أسعار الزيت الخام تاريخياً، ومن ثم معرفة الدور التاريخي والدور الراهن لمنظمة الأوبك كممثلة للدول المنتجة الداخلة في هذه المنظمة.
نقاط الأساس وأسعار الزيت الخام
كانت نقطة الأساس الوحيدة لتحديد أسعار النفط هي نقطة خليج المكسيك. ومما ساعد على ظهور تلك النقطة هو أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت، حتى الحرب العالمية الثانية، أكبر منتج ومستهلك للنفط. وقد تحددت نقطة الأساس تلك بما يتفق ومصالح أمريكا في عام 1936 م ، حيث حدد سعر الخام الأمريكي بمبلغ 1,09 دولار للبرميل الواحد. وهذا يعني أن سعر الزيت الخام في مختلف موانئ العالم، ومراكز التصدير، يتحدد بالسعر المعلن في خليج المكسيك، مضافاً إليه تكاليف النقل من نقطة الأساس إلى مكان التسليم. أي أن على المستورد دفع سعر الزيت في خليج المكسيك، بالإضافة إلى تكاليف النقل من خليج المكسيك فوب إلى ميناء المستورد، بغض النظر عن الجهة أو الميناء المصدر لذلك النفط، سواء كان قريباً أم بعيداً عن خليج المكسيك.
وهذه السياسة السعرية جلبت أرباحاً هائلة للشركات النفطية في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة وأن تكاليف الزيت المستورد من الخليج العربي وفنزويلا يقل بكثير عن دولار للبرميل الواحد.
وهكذا يتضح إن زيت خام الشرق الأوسط ارتبط سعره بالزيت الأمريكي الخام في خليج المكسيك، نظراً لسيطرة الشركات النفطية الكبرى على الإنتاج والتسويق والنقل، وهو ما أدى إلى حصول الدول المنتجة على مبالغ ضئيلة جداً. وخلال الحرب العالمية الثانية، قدمت أمريكا وبريطانيا احتجاجاً على تلك السياسة المتمثلة في نظام الأسعار الأحادية، لكون تلك الدولتين كانتا أثناء الحرب تحصلان على النفط من ميناء عبادان وتحتسب الأسعار وفقاً لنظام نقطة الأساس الأحادية في خليج المكسيك، مضافاً إليهــا تكاليف النقل والتموين، في حين أن النفط الأمريكي لم يعد يصل إلى قوات تلك الدولتين.
ولهذا وافقت الشركات النفطية الكبرى في 1945م على تثبيت نقطة أساس ثانية في منطقه الخليج العربي، لتسعير النفط الخام على نطاق عالمي، خاصة بعد اكتشاف كميات كبيرة من النفط في الوطن العربي، وذلك بما يتفق وانخفاض تكلفة نفط الشرق الأوسط. وكانت الأسعار قريبة من تلك التي تحدد في خليج المكسيك. وبالتالي فقــــد أصبحت الأسعار تحدد على أساس نظام نقطتي الأساس في الخليج العربي وخليج المكسيك. وبهذا ظهر في 1945م سعر النفط الخام العربي الخفيف في ميناء رأس تنورة السعودي بالخليج العربي فوب بملغ 1,05 دولار للبرميل الواحد ذي الكثافة 34 درجة بمقياس معهد النفط الأمريكي API.
ثم ظهرت نقطة أساس أخرى لتحقيق التعادل بين سعر النفط في الخليجين المكسيكي والعربي، وذلك في ميناء نابولي بإيطاليا. ثم ثبتت الشركات الكبرى سعر النفط العربي الخفيف مضافاً إليه تكاليف النقل من خليج المكسيك بنسبه إلى الأسعار المعلنة في لندن، وهذا أدى إلى انتقال نقطة التعادل من نابولي إلى لندن.
الأسعار المعلنة:
اتضح من الفقرة السابقة بأن هذه الأسعار كان يتم تحديدها من قبل مشتري النفط وليس للمنتجين دور في ذلك. وقد كان أول ظهور لهذا النوع من الأسعار في أمريكا عام 1880م، وهو ما يعكس أسعار سوق النفط في ذلك التاريخ، حيث كانت شركة ستاندرد أويل الشركة المسيطرة على نقل وتكرير النفط، هي التي تحدد الأسعار دون مشاركة المنتجين محدودي العدد في ذلك التاريخ، إلى أن كسرت أمريكا احتكار هذه الشركة.
وبعد فترة ظهرت الشركات المنافسة لشركة ستاندرد أويل واتحد المنافسون في تنظيم واحد متكامل لمختلف جوانب النفط. وبالتالي فقد ظل سوق النفط، ولثلاثة أرباع القرن وذلك حتى أوائل السبعينات من القرن السابق عندما حددت الأوبك أسعار النفط كما يتضح لاحقاً، ظل سوقاً للمشتري يتحكم فيه كارتل النفط العالمي في تحديد الأسعار ومعدلات الإنتاج. وقد كان الكارتل النفطي مكوناً من سبع شركات عملاقة تسيطر على معظم سوق النفط الحرة، هي: Shell, Texsaco, Mobil oil, PB, Exxon .Standard Oil, Gulf.
وتجدر الإشارة إلى أنه بدأ استخدام تلك الأسعار المعلنة في الشرق الأوسط، عند ظهور عقود مناصفة الأرباح. وعموماً فإن الأسعار المعلنة لم تكن تعبر عن الأسعار الحقيقية، وإنما وضعت هذه الأسعار، سواء بفرضها على الدول المنتجة من قبل الشركات النفطية في أوقات معينة أو عن طريق التفاوض بينهما، وضعت لأغراض الضرائب وتحديد حصص الدول المضيفة في الأرباح من جهة، ولعدم ثقة الدول المنتجة في الأسعار التي فعلاً تبيع بها الشركات النفطية الزيت الخام من جهة أخرى.
وهكذا يتضح بسبب الاحتكار لم تظهر سوق حرة للزيت الخام تتحدد فيها الأسعار وفقاً للعرض والطلب، لوجود شركات كبيرة كانت تسيطر على الجزء الأكبر من مراحل صناعة النفط، وتمكنت من التنسيق فيما بينها وفرض وضع احتكاري للصناعة، مكنها من التحكم في أسعار النفط لفترة طويلة من الزمن، مما ألحق بالدول المنتجة أضراراً بالغة، وهو ما أدى إلى جعلها تنشئ منظمة الأوبك.