"قلل من طعامك، وتناول عشاء خفيفا. فصحة جسمك بأكمله تكمن في المعدة" ميجيل دي سرفانتس
هل تعلم أن عقلك يستهلك 25% من الطعام الذي تدخله إلى جسمك؟ قد يبدو هذا مفاجئًا، لكن المادة الرمادية (الجزء الخاص بالتفكير في دماغك) هي المسئولة عن استهلاك قرابة ربع الطاقة التي يستقبلها جسمك. سواء كنت تفك شفرات أسرار الكون، أو تخطط لميزانية أسرتك، أو تنتقد جارك، فإن احتياج دماغك إلى الطاقة لا يتوقف. في الواقع، بالطاقة التي تنتجها في قشرتك الدماغية، يمكنك إبقاء المصباح الكهربائي مضاء باستمرار، بل وأكثر من هذا، تعد التغذية جزءًا أساسيا من العناية بالدماغ.
في الوقت الحاضر، هناك العديد من الدراسات التي تربط بين استهلاك بعض الأطعمة وتأثيرها الوقائي ضد بعض الأمراض مثل مرض الزهايمر، باركنسون، القلق، أو الاكتئاب، فالتفاعلات بين التغذية والدماغ ثرية جدا ومعقدة بما يكفي لكتابة كتاب آخر. فهذا الموضوع، على الأقل بالنسبة لشخص غير متخصص مثلي مثير للاهتمام؛ لذا أود أن أقدم لك بعض اللمحات حول الدور الذي تؤديه العناصر الغذائية المختلفة في حماية دماغك على هيئة وصفات لتحسين صحتك الدماغية.
لقد عرفنا منذ فترة أن النظام الغذائي المتوسطي يتمتع بخصائص استثنائية للصحة، لكن ما لا نعرفه هو أنه يوجد حاليا اهتمام كبير بدراسة التأثير المحتمل لهذا النظام الغذائي في مكافحة مرض الزهايمر. إذا تحتم علينا تلخيص هذا في توصية واحدة، فستكون ببساطة: "اتبع النظام الغذائي المتوسطي، ولا تأكل أي طعام لم تقم جدتك بتناوله عندما كانت في نفس سنك". سنقوم الآن بتحليل العناصر الأساسية لتغذية الصحة الدماغية. متمنيا أن تساعدك في فهم وتذكر تلك الأطعمة التي يمكن أن تحمي عقلك وتأخير شيخوخة الدماغ.
إدخال الدهون الصحية
يتكون دماغك من 60% من المواد الدهنية. قد يدهشك هذا، لكن إذا أمسكت برأسك فستلاحظ، بعيدًا عن أنه يشبه الجوز، أو قالب الصلصال، أو همبورجر عملاقاً، فإن قوامه يشبه كتلة من الزبدة الباردة؛ لهذا فإن الدهون (أو الليبيدات) عنصر ضروري من أجل أداء جيد لدماغك وعقلك، تبدأ الفتيات اللاتي يعانين فقدان الشهية بتقليل الأطعمة الغنية بالدهون، مما يسبب في البداية صعوبات في التركيز والذاكرة من الممكن أن تتطور إلى تأثيرات مدمرة على الصحة مثل فقدان التحكم والهذيان.
تلعب الدهون دورًا أساسيًا في أداء الدماغ، تتكون المادة البيضاء من الألياف العصبية التي تنقل المعلومات بين خلية عصبية وأخرى، مما يسمح لك بأن تتواصل وتفكر معا، تُغلف هذه الألياف أو المحاور العصبية بمادة تُسمى الميلين، التي تتكون أساسا من الدهون (هذا هو سبب اللون الأبيض)، تشبه وظائف هذا الغطاء الجيلاتيني في الخلايا العصبية، البلاستيك الذي يغلف السلك الكهربائي؛ حيث يعزل الإشارات العصبية حتى تصل بسرعة أكبر وبدون تشويش، هكذا تعمل المادة الدهنية التي توجد في دماغك كمسرع للإشارات العصبية، وتسمح بأن تفكر بشكل أفضل وأسرع. بناءً على ما سبق، سيكون من السهل عليك فهم ما يحتاجه دماغك من مدخل جيد من الدهون أو الليبيدات كل يوم. بالرغم من ذلك، من الضروري أن تفهم أن بعض أنواع الدهون مفيدة لدماغك، بينما البعض الآخر له تأثير شديد السوء عليه.
تعد الدهون المشبعة، والدهون المهدرجة دهونا ضارة للدماغ. للدهون المشبعة تأثير سلبي على نظام القلب والأوعية الدموية؛ لأنها من بين أمور أخرى تعزز تراكم الكوليسترول في الشرايين، تعتبر اللحوم عالية الدهون، مثل لحم العجل، السجق، جلود الطيور، إلى جانب اللبن ومشتقاته، المصادر الأساسية للدهون المشبعة في النظام الغذائي، لا ينبغي حذف هذه الأطعمة تمامًا؛ لأنها مصدر للبروتين، وعناصر غذائية أخرى مفيدة للدماغ، لكن يجب أن يتم تناولها بشكل مقنن بسبب احتوائها على الدهون المشبعة. بمعنى من المناسب اختيار لحوم خالية من الدهون مثل الدواجن، وبخاصة الديك الرومي، والقطع قليلة الدسم مثل لحم البقر، لحم المتن، لحم العجل، أو الفخذ، وساق الضأن، وصدور الطيور.
كذلك يجب التحكم في تناول نوع آخر من الدهون، وهي الدهون المهدرجة أو الدهون المتحولة؛ حيث يتم تصنيع تلك الدهون (غالبا من الزيوت النباتية منخفضة الجودة مثل زيت النخيل) لزيادة مدة صلاحية المنتجات الغذائية تستخدم الدهون المتحولة في محلات الوجبات السريعة والمطاعم التي تعتمد على هذه الزيوت (لانخفاض تكلفتها)، وفي جميع أنواع المعجنات المصنعة. فقوامها اللزج يمنح المخبوزات، مثل الكعك وحتى الخبز الملمس الناعم، ويساعد على التخمر بدلا من فشل العجين أو تفتته، هذا النوع من الدهون هو الأكثر ضررا للدماغ؛ حيث يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وتراكم الكوليسترول الضار وانخفاض الكوليسترول الجيد، مساهما بإفراط في انسداد الشرايين واحتمالية الإصابة بأمراض الدماغ. وكذلك، ربطت الدراسات الحديثة بين ارتفاع معدل استهلاك الدهون المتحولة، وزيادة معدل خطر الإصابة بالاكتئاب وبلا شك، يعتبر هذا النوع من الدهون هو الغذاء الأول الذي يجب تجنبه في نظام غذائي صحي للدماغ.
في حين أن الدهون المشبعة تزيد من احتمالية الإصابة بالسكتات الدماغية، وتسرع الشيخوخة، وترتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر. فإن الدهون المفيدة توفر درجة إضافية من الحماية، وتسهل الوظائف العقلية، ومن بينها الحفاظ على المادة البيضاء في دماغك، التي تساعد في تسريع نقل الإشارات العصبية بسرعة وبدون تداخلات للدهون المفيدة للدماغ مثل (الأحماض الدهنية الأحادية أو المتعددة غير المشبعة) مظهر زيتي أو سائل يسهل عبور الكوليسترول. بالإضافة إلى إنتاج أنواع أخرى من التأثيرات المفيدة على نظام القلب والأوعية الدموية. المصادر الرئيسية لهذه الدهون المفيدة في النظام الغذائي هي زيت الزيتون، الزيتون، الأفوكادو، الذرة، فول الصويا، اليقطين، المكسرات والأسماك الزيتية من بين هذه المصادر، تم الاهتمام بدراسة تأثير الأوميجا3 بعناية. ربما لا نعرف حتى الآن على وجه اليقين الدور الذي يمكن أن تؤديه في منع مرض الزهايمر، أو الأزمات القلبية، لكن تم إثبات تأثيرها المفيد على الشرايين، والقلب، الأوعية الدموية والصحة العامة. علاوة على هذا قامت الدراسات الحديثة بربط استهلاكها بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب، وهو ما يمكن اعتباره من زوايا مختلفة حليفا ذا أهمية في مواجهة شيخوخة الدماغ.
تجنب الأكسدة الدماغية
تعتبر أكسدة الخلايا أحد الميكانيزمات الرئيسية للشيخوخة. إذا فكرت في تفاحة تم تقشيرها حديثاً، وكيف تصبح قشرتها داكنة اللون بسرعة عند تعرضها للهواء، فيمكنك أن تفهم بشكل أفضل ما أحدثك عنه. رغم أنها عملية شديدة البطء، إلا أنه يمكن أن يكون لأكسدة الدماغ عواقب مريعة، بالفعل، كما رأينا، على عكس خلايا أخرى في الجسم، لا تتمتع الخلايا العصبية بميزة تجديد نفسها بشكل دوري.
أظهرت سلسلة من الدراسات تأثير بعض المواد الموجودة في بعض الأطعمة كمضاد للأكسدة. وقد أثار هذا الاكتشاف، خلال العقد الماضي، اهتماما كبيرا من جانب فريق من العلماء وأصحاب مصانع المنتجات الغذائية، ممن استغلوا هذا المفهوم كفرصة لزيادة مبيعاتهم، كانت كلمة "مضاد للأكسدة" حاضرة جدًّا في أذهان الباحثين، وكذلك على ملصقات المنتجات في المحال التجارية. رغم ذلك، بعد عدة سنوات، اتفق العديد من العلماء المشاركين في تلك الدراسات على أن تأثير تلك الأطعمة المضادة للأكسدة محدودا. ببساطة، يبدو أن استهلاك مضادات الأكسدة غير قادر على تقليل أكسدة الخلايا بشكل كبير.
لحُسن الحظ، هناك بديل في مكافحة أكسدة الخلايا. في الوقت الحاضر تم تحويل التركيز من التشجيع على استهلاك الأطعمة التي يمكنها إبطاء هذه العملية إلى منع استهلاك الأطعمة التي تعززها أو تسرعها. ولإجراء تشبيه مع عالم التجميل، إذا لم يكن أداء 20 تمرينا للبطن يوميا قادرًا على التصدي لتأثير تناول البيتزا، الهمبورجر، والآيس كريم بشكل عشوائي مفرط. فإن الشيء الأكثر منطقية هو البدء في التفكير في اتباع نظام غذائي من شأنه تقييد استهلاكك للدهون. وفي مجال الوقاية من الشيخوخة، يستهدف الباحثون الجذور الحرة، وهي الجزيئات التي تسهم بعض الأطعمة المختلفة في زيادتها والتي تجعل الخلايا، وخصوصًا الخلايا العصبية، أكثر عرضة للأكسدة.
من بين الأطعمة التي تسهم في زيادة مستويات الجذور الحرة في الجسم، اللحوم المصنعة، خاصة الموجودة في النقانق، اللحوم المعلبة، الأطعمة المقلية، مثل البطاطس المقلية، والزيوت المهدرجة التي تستخدم في الأغذية المصنعة. وكذلك التعرض لعوامل خارجية مثل المبيدات الحشرية والتدخين، تحويل هذه المعلومات إلى تطبيقات عملية للعناية بالدماغ هو أمر بسيط نسبيا، يعتمد على عادات بسيطة مثل غسل الفاكهة والخضراوات جيدا لإزالة آثار المبيدات الحشرية، أو تجنب الأطعمة المقلية خارج المنزل، والوجبات الخفيفة المعبأة (سواء الحلوة أو المالحة، مما يساعد في الوقاية من أمراض الدماغ مثل مرض الزهايمر أو الباركنسون.
تشمل الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة الفواكه والخضراوات، ومناقشة دورها سواء أكان فعالًا أم لا في منع الأكسدة، أمر مهم من الناحية العلمية، لكنه لا ينبغي أن يشغلك، ففعليًا بغض النظر عن ذلك، فإن تناولها مهم جدا لصحة الدماغ. فالفواكه والخضراوات، بكل ألوانها ونكهاتها، هي المصدر الرئيسي للفيتامينات والمعادن، وهي ضرورية لامتصاص العناصر الغذائية، وإنتاج الغالبية العظمى من الناقلات العصبية التي تسمح لك بالتفكير بسرعة ومرونة وتغذي حالتك النفسية بشكل جيد؛ لذا لا بد وأن يحتوي النظام الغذائي للصحة الدماغية على كمية كبيرة من الفواكه، الخضراوات، والمنتجات الزراعية التي تضمن كميات من هذه العناصر الغذائية.
ترطيب الدماغ ومكافحة الالتهاب
تعتبر مكافحة التهاب الدماغ استراتيجية غذائية جيدة من أجل تأخير شيخوخة الدماغ والوقاية أو تخفيف بعض من أمراضه. ومن الاكتشافات المثيرة للاهتمام في مجال مرض الزهايمر، ما أظهره بعض الأشخاص ممن تم علاجهم بمضادات الالتهاب (مثل الإيبوبروفين) من قدر قليل على مقاومة هذا المرض، مما دفع الباحثين إلى تتبع كيفية تأثير العمليات الالتهابية على الدماغ. وفقا لما نعرفه حتى الآن، فإن أمراضًا مثل الزهايمر أو حالات صحية مزمنة مثل الإجهاد المزمن، تُنشط في الجسم استجابة مناعية تشمل الالتهاب كأحد أسلحتها؛ حيث يعد التهاب منطقة نتيجة إصابة استراتيجية ذكية تسمح بإصلاح الأضرار في وقت أقل. ورغم ذلك، عندما يستمر هذا الالتهاب لفترة طويلة، فيمكن أن يسبب ضررا بالغا على الدماغ، بقدر الحالة الصحية التي أدت إلى ظهوره على أي حال، هناك المزيد من الأدلة على وجود عمليات التهابية في الدماغ، أو على الأقل تفاقم حالات تؤدي دورا في تطور الزهايمر أو مرض مثل الاكتئاب المزمن؛ لذا يسعى الباحثون إلى التحقق من أن تقليل الالتهاب الدماغي قد يكون استراتيجية مفيدة لتخفيف تقدم هذه الأمراض.
لمكافحة الالتهاب، فإن الخطوة الأولى الجيدة هي ترطيب الجسم. بمعنى ليس هناك أفضل من الماء كمصدر للترطيب وللصحة الدماغية.
سواء أكان ماء معدنيًا أم من الصنبور فتزويد الجسم بالسوائل يمكن أن يساعد على منع الالتهاب وتقليل أكسدة الدماغ، وتحسين التواصل بين الخلايا العصبية، مما يجعل تركيزك، انتباهك، وذاكرتك في أفضل حالاتهم. وقد تؤدي قلة الترطيب إلى حدوث نوبات من الإحباط النفسي، الصداع، والشقيقة؛ لذلك فالنهج الجيد لمكافحة ذلك هو شرب كميات كبيرة من جميع السوائل (قرابة لترين أو ثلاثة من الماء يوميا). أذكر الماء دائما فلا تملك السوائل الأخرى ترطيب الجسم بنفس الطريقة، وليس لديها نفس فوائد الماء. وعليك تجنب المشروبات الغنية بالسكر، أو التي تحتوي على ألوان صناعية، مثل المشروبات الغازية؛ لأنها تساعد على زيادة الالتهاب، بدلا من الترطيب.
على مستوى التغذية، فالخبر السار هو أن مكافحة الالتهاب الدماغي تتوافق تماما مع النصائح الغذائية. إن نظاما غذائيا غني بالأوميجا 3، منخفض الدهون الحيوانية، غني بالحبوب الكاملة، مع الفواكه البرية والخضراوات (خاصة الجزر، الفلفل، البروكلي، السبانخ، وغيرها من الخضراوات الورقية)، هو أيضًا نظام غذائي مضاد للالتهابات، يمكن أن نضيف أيضًا الكركم، وهو بهار يُستخدم في صنع الكاري، وقد يكون تأثيره المضاد للالتهاب، والمضاد للأكسدة فعالا مكافحة مرض الزهايمر.
بالإضافة إلى هذه العناصر الغذائية هناك توصيات أخرى محددة لتقليل الالتهاب. عليك بتجنب تناول الأطعمة المسببة للحساسية حتى ولو لم تسبب لك ردود أفعال خطيرة. فقد تُسبب بعض أنواع المأكولات البحرية، أو المكسرات ردود أفعال شديدة وأخرى ضعيفة جدا، تجنبها قدر المستطاع، كذلك تجنب الإفراط في تناول الملح عن طريق تقليل الكمية التي تضيفها إلى الطعام، وعدم تناول الأطعمة المعلبة أو المحفوظة، التي عادة ما تحتوي على نسبة مرتفعة من الملح الذي يساعد في حفظها.
اختيار مصادر الطاقة الذكية
تعد السكريات أو الكربوهيدرات المصدر الرئيسي لإمداد الجسم بالطاقة، بما في ذلك الدماغ، تحتوي معظم الأطعمة على الكربوهيدرات، رغم الاختلاف الكبير في تركيزها وتكوينها، وحسب سرعة هضم وامتصاص الكربوهيدرات من الأطعمة المختلفة، يتحتم على البنكرياس إنتاج كمية أكثر أو أقل من الأنسولين لزيادة امتصاص هذه السكريات، تكمن أهمية هذه المتغيرات في العناية بالدماغ بشكل أساسي في أن الارتفاع المفاجئ في نسبة الجلوكوز يعزز ظهور مرض السكري، وهو أحد العوامل الرئيسية المسببة لخطر الإصابة بالسكتة الدماغية.
من بين الأطعمة ذات المؤشرات الجلايسيمية العالية (التي تحتاج إلى إفراز كميات أكبر من الأنسولين من البنكرياس) الأطعمة الحلوة (مثل العسل، السكر، وجميع أنواع الحلويات)، وتلك المصنعة من الحبوب المكررة (بما في ذلك المصنعة من الدقيق الأبيض مثل الخبز أو المكرونة). في مواجهة الآثار السلبية لاستهلاك السكريات سريعة الامتصاص، فإن أفضل نهج هو التحول إلى نظام غذائي غني بالكربوهيدرات المعقدة، أو بطيئة الامتصاص، التي نجدها بشكل أساسي في الحبوب الكاملة ومشتقاتها (الخبز الكامل، المكرونة الكاملة)، وفي البقوليات، والمكسرات؛ حيث ترفع هذه النوعية من الأطعمة مستويات السكر في الدم بطريقة تدريجية، وتحافظ عليها مستقرة لفترة أطول؛ لذا تُسمى أيضًا بالكربوهيدرات الذكية. من الحقائق التي يجب أخذها في الاعتبار عند اختيار الأطعمة ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض، هي أن هذا المؤشر يمكن أن يتغير حسب طريقة تحضيرها. وعليه فإن الجزر النبئ يحتوي على مؤشر جلايسيمي يبلغ 45، في حين يحتوي الجزر المطبوخ المحلى على ،90 وبنفس الكيفية، فالمكرونة المطهية تحتوي على قرابة 45، بينما إذا تركتها لثلاث دقائق إضافية في الوعاء يصل المؤشر الجلايسيمي إلى 55.
كذلك يمكن للنظام الغذائي الغني بأطعمة ذات مؤشر جلايسيمي مرتفع أن يؤثر سلبيًا على الإدراك والحالة المزاجية. عندما نتناول منتجات تحتوي على كمية كبيرة من الجلوكوز، نشعر بقدر كبير من الطاقة تُمكننا من ممارسة نشاط بدني مكثف. وعليه يعتمد غالبية الرياضيين على هذه الزيادة من الطاقة السريعة كنهج لتدريباتهم ومنافساتهم، يتناول (مايكل فيليبس)، الرياضي الأكثر تتويجا في تاريخ الألعاب الأوليمبية، إفطارًا ضخما ملينا بالكربوهيدرات التي تمكنه من التدريب بمستويات طاقة مرتفعة جدا. ورغم ذلك، بالنسبة للشخص الذي لا يتنافس في المسابقات الرياضية، يُفضل أن تكون كميات الطاقة لديه أقل للحفاظ عليها بشكل مستمر طوال اليوم. في هذه الحالة يمكن الحفاظ على مستويات السكر في الدم تحت السيطرة، من خلال تناول كربوهيدرات ذكية، الحفاظ على مستويات جيدة من التركيز، وتسهيل عمليات التعلم والذاكرة طوال اليوم، يبدو أيضًا أن لهذا النوع من الكربوهيدرات تأثيرات مفيدة على حالتك المزاجية؛ حيث يعزز إنتاج السيروتونين هرمون السعادة بشكل مستقر، ويمنع بدوره التقلبات العاطفية.
إدراج المكملات الغذائية لصحة الأعصاب
بالإضافة إلى المبادئ الأساسية للتغذية الصحية للأعصاب (تجنب مخاطر القلب والأوعية الدموية، منع الأكسدة والالتهابات) هناك مكملات أخرى في هذا النظام الغذائي، يمكن أن تساعدك في سعيك لتحسين صحة دماغك.
تناول الطعام مع العائلة
هذا بدون شك، المكمل الأول لنظام غذائي صحي للدماغ، يدافع أحد الطهاة المشاهير في التلفاز دائما عن أهمية تناول الطعام مع العائلة، ولا يسعني إلا الاتفاق تماما مع هذا الكلام؛ حيث يمنح تناول الطعام مع العائلة مجموعة من الفوائد لنظام غذائي صحي للدماغ. هناك العديد من الدراسات التي تؤكد أننا عند تناول الطعام في المنزل نختار الأطعمة الصحية أكثر، ونحضرها بطريقة صحية، عن تناول الطعام خارج المنزل، يساعد تناول الطعام في المنزل على خلق نظام غذائي أكثر توازنا (وبخاصة عندما يكون لدينا أطفال)؛ حيث نتجنب تناول الألوان الصناعية، المواد المحفوظة، والزيوت المعاد تدويرها الموجودة بكثرة في الطعام الذي نتناوله خارج المنزل. بالإضافة إلى ذلك، يعزز تناول الطعام مع العائلة التواصل الاجتماعي ويقوي الروابط الأسرية، مما يعني، أنه قد يكون مكملا آخر للعناية بالدماغ، لا عجب أن قامت اليونسكو بإدراج النظام الغذائي المتوسطي ضمن التراث الإنساني، لمزاياه الجسدية والنفسية، وقد قامت بتعريفه، ليس باعتباره مجموعة من الأطعمة التي يتم تحضيرها بطريقة معينة فقط، بل على أنه "طريقة التغذية التي تعزز التفاعل الاجتماعي" أيضًا.
الفيتامينات مكملات غذائية
يوجد في النظام الغذائي لمعظم الأشخاص، حتى من يتناول طعامًا صحيا، نقص في الفيتامينات والمعادن؛ لهذا تتضمن جميع أنظمة التغذية في الوقت الحالي مكملات غذائية من الفيتامينات؛ وعليه إذا كنت تشعر بالإرهاق، أو تعاني مشكلة في التركيز، أو ببساطة ترغب في الاعتناء بدماغك بشكل جدي، استشر أخصائي التغذية الخاص بك لمعرفة أي من المكملات الغذائية يمكن أن يفيدك في تلبية احتياجاتك الغذائية.
الحد من السعرات الحرارية
الحد من تناول الطعام يمكن أن يكون منهجا ذكيا لمكافحة شيخوخة الدماغ، يتناول سكان بعض الجزر المعمرين كميات قليلة من الطعام. وقد أظهرت العديد من الدراسات المختلفة أن بعض الحيوانات، مثل الديدان أو الفئران، يمكن أن يتضاعف تقريباً عمرها إذا تم تقليل كمية الطعام التي تتناولها بنسبة تتراوح ما بين 20 و 40%. لم يتم تكرار هذه النتائج في البشر. في الواقع، انتهت العام الماضي فقط، أول دراسة لتحديد السعرات الحرارية على مجموعة من البشر ظلوا لعدة عقود يحدون من كمية الطعام التي يستهلكونها دون أن يتمكنوا من زيادة متوسط أعمارهم. ورغم عدم تحقيقهم للنتائج المرجوة، في مجال إطالة العمر، إلا أن تحديد السعرات الحرارية يقدم فوائد أخرى في مجالات صحية مختلفة، بما في ذلك زيادة المقاومة للفيروسات والعدوى، وكذلك تحسين الحالة المزاجية. ورغم ذلك، هذه مجرد دراسة أولى على البشر، ويبدو أنه لا يزال الوقت مبكرًا لاستخلاص نتائج سواء أكانت لصالح هذه الدراسة أم ضدها. إلا أن نتائج الدراسات التي أجريت على الحيوانات لا تزال تثير اهتمام العلماء، ويبدو أن تقليل كمية السعرات الحرارية التي نستهلكها، في نظر العديد من العلماء، نهج مهم لتحسين الصحة التي تستحق المزيد من الاهتمام والدراسة.
الشوكولاتة والقهوة
هناك الكثير من الالتباس حول فوائد الشيكولاتة والقهوة من عدمها بالنسبة للدماغ. والحقيقة أن هذا الالتباس مبرر تماما. فكلاهما يحتوي على عناصر غذائية مفيدة وأخرى ضارة، لكن بصفة عامة، يمكن القول بأن كليهما مفيد إذا تم استهلاكها باعتدال شدید. فكل منهما يحتوي على مضادات الأكسدة، يمكن أن تساعد، ولكنها ليست فعالة للغاية في منع الأكسدة الدماغية، كلاهما ينتج استجابة محفزة للجهاز العصبي المركزي مما يساعد في زيادة مستويات الانتباه والتركيز خلال نصف ساعة بعد تناولها، لكن قد يتلاشى هذا التأثير، وقد يسبب تأثيرًا عكسيا إذا تم تناولهما بكثرة، مما يخل بأنماط الراحة الطبيعية الضرورية لعقل يقظ بالنسبة للشوكولاتة فإنها تعزز إنتاج وتخليق الدوبامين والسيروتونين، وهما ناقلان عصبيان يعززان الاسترخاء والشعور بالراحة. في الحقيقة يصعب عزل التأثير المفيد لكلتا المادتين؛ حيث يتم تحضيرهما مع مواد أخرى ضارة مثل السكر، والدهون الموجودة في الحليب، مما يؤثر سلبًا على نظام القلب والأوعية الدموية؛ لذا أنصح بتحديد ما يتم تناوله يوميًا على ألا يتعدى قطعة من الشوكولاتة الداكنة، أو كوب واحد من القهوة في اليوم (مع صعوبة تنفيذ ذلك أحيانًا، لاحتواء المادتين على مكونات شديدة الإدمان).
التريبتوفان
وهو حمض أميني ضروري حتى تتمكن دماغنا من "صنع " السيروتونين (الناقل العصبي المسئول عن إنتاج الإحساس بالسعادة). مثل جميع الأحماض الأمينية الأساسية، لا يمكن لجسمنا إنتاجه بنفسه، ولهذا يجب الحصول عليه من الأطعمة التي نتناولها. من الأطعمة الغنية بالتريبتوفان الطيور مثل الديك الرومي والدجاج البيض فول الصويا، التوفو، بذور السمسم، بذور القرع، الفول السوداني أو الجوز، ولا تنسَ في بحثك عن هذه الأطعمة أن تبتسم، وتتعرض للشمس، وتمارس الرياضة؛ حيث ثبت أن هذه الأنشطة تسهل تحويل التريبتوفان الذي تدخله إلى جسمك إلى سيروتونين. كما ثبت أن الأنظمة الغذائية، والعادات التي تعزز إنتاج السيروتونين فعالة في التغلب على الاضطرابات المزاجية، ودعم الدواء العلاجي للاكتئاب أو تقلل الشعور بالكآبة، والتوتر المرتبطين بالإجهاد أو القلق.
الشاي الأخضر
الشاي عموما، والشاي الأخضر على وجه التحديد، يعتبر أكثر تفضيلا من القهوة للعناية بالدماغ؛ حيث يتميز بتحضيره مختلطا بكمية كبيرة من الماء، مما يسهم في إحداث ترطيب عال. ورغم احتواء القهوة على مضادات الأكسدة أكثر من الشاي، إلا أن مفعولها يستمر لمدة ثلاثة أيام في الجسم؛ لذا وعلى الرغم من أن الشاي أقل كثافة، إلا أن فوائده للدماغ أكثر استمرارية وديمومة. فقد يوفر تناول فنجان أو اثنين من الشاي الأخضر يوميا جرعة جيدة من الترطيب ومضادات الأكسدة في نظامك الغذائي.
من خلال الجمع بين المبادئ التي ذكرتها للتو، والهرم الغذائي الجديد الخاص بجامعة هارفارد. فقد قمت منذ بضع سنوات بإنشاء هرم غذائي خاص بي لصحة الدماغ. بهدف مساعدتك على تذكر وتنفيذ نظام صحي للدماغ.
باستخدام هذا الهرم والنصائح التي قدمتها لك، سيسهل عليك نسبيا تحديد الأطعمة المناسبة لنظام غذائي يعزز صحة الدماغ. على الرغم من أن وتيرة الحياة وقلة الثقافة الصحية في حياتنا اليومية الآن، قد تجعل من الصعب عليك اتباع هذه النصائح. وعليه فإن النهج الجيد لتحقيق ذلك هو التخطيط مسبقا لما تريد تناوله في الوجبات الرئيسية، وكذلك الوجبات الخفيفة التي تتناولها في منتصف الصباح، أو منتصف الظهيرة. أضف بعض التفاح، أو الحبوب إلى قائمة مشترياتك لتناولها في العمل، مما يوفر لك عدم تناول المعجنات والمنتجات الأخرى غير الصحية التي نجدها في معظم المحال.