1. حاجة الناس الملحة الى الوحي والنبوة: أثبت الله سبحانه حاجة الانسان الملحة الى الوحي والنبوة من طريقي (المبدأ الفاعلي) و(المبدأ الغائي).
فمرة يضع النظام الفاعلي والربوبية في الحد الاوسط ويقول: لما كان هناك اله وهو الذي يربي جميع الاشياء كما يربي الانسان أيضا وكانت تربية الفرد والمجتمع عن طريق (الوحي والنبوة).
فالإنسان يحتاج الى الدين (الوحي والنبوة) ومرة يضع النظام الغائي وضرورة المعاد في الحد الاوسط ويقول: لما كان الانسان له هدف وأمامه مقصد يسعى اليه وكل مقصد يحتاج الى طريق ودليل، فالإنسان يحتاج إلى الطريق والدليل، وما الطريق إلا الوحي والدين الإلهي المسمّى (الصراط المستقيم)، وما الدليل إلا أنبياء الله أيضاً.
والدليل الأخير من أقوى الأدلة على ضرورة الدين (الوحي والنبوة)؛ لأنّ حقيقة الإنسان لا يمكن فناءها، بل هو مسافر من الحياة الاجتماعية القصيرة في الدنيا إلى الحياة الانفرادية والأبدية في الآخرة، وعليه تهيئة متاع هذا السفر في الدنيا، هذا أولاً.
وأما ثانياً فلا يوجد إنسان يعلم عن آخرته شيئاً، بل حتى الفطرة الآدمية مع كثرة تفكرها في المبدأ ليس لها علم بالمعاد، وإن كان المعاد هو العودة إلى نفس المبدأ. إذن، فاللازم ورود الوحي وأنبياء الله كي يوقظوا الفطرة البشرية النائمة كي يلتفت الناس إلى مبدئهم ومعادهم.
وقد بين الحكماء[1] والمتكلمون السابقون من الفارابي إلى صدر المتألهين رحمه الله مسألة ضرورة الوحي والرسالة، ودوّنها الخواجة نصير الدين الطوسي رحمه الله في أربع قواعد مهمة، خلاصتها ما يلي:
1. إن الناس ليسوا مستقلين في حياتهم، بل هم محتاجون إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لرفع حاجاتهم.
2. لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية والتعاون العام في المجتمع إلا في ظل الوحي والشريعة والأشخاص العادلين.
3. إن الله سبحانه بمقتضى حكمته لا بد من أن يضع قوانين عادلة تتناسب مع العقل والفطرة.
4. إن الله يحاسب الناس في القيامة طبقاً للوحي والعقل، فيثيب المحسنين ويعاقب المسيئين[2].
أما العلامة الطباطبائي رحمه الله فيذكر ضرورة الوحي والنبوة من زاويتي البرهان والقرآن في كلام جامع ومفهوم فيقول:
توضيح ذلك: أن هذه الصور للنفس الانسنانية الواقعة في طريق الاستكمال والانسان نوع حقيقي بمعنى أنه موجود حقيقي مبدأ لآثار وجودية عينية.
والعلل الفياضية للموجودات أعطتها قابلية النيل الى كمالها الاخير في وجودها بشهادة التجربة والبرهان.
والواجب تعالى تام الافاضة فيجب أن يكون هناك افاضة لكل نفس مستعدة بما يلائم استعدادها من الكمال ويتبدل به قوتها الى الفعلية من الكمال الذي يسمى سعادة (وجنة) إن كانت ذات صفات حسنة (وأخلاق) وملكات فاضلة معتدلة ومن الذي يسمى شقاوة (وجحيم) ان كانت ذات رذائل (وأخلاق) وهيئات ردية.
وإذ كانت هذه الملكات والصور حاصلة لها من طريق الافعال الاختيارية المنبعثة عن اعتقاد الصلاح والفساد والخوف والرجاء والرغبة (والميل) الى المنافع والرهبة من المضار وجب أن تكون هذه الافاضة أيضا متعلقة بالدعوة الدينية بالتبشير والانذار والتخويف (من الشقاء) والتطميع (بالسعادة) لتكون به في شقاوتهم والدعوة تحتاج الى داع يقوم بها وهو النبي المبعوث من عنده تعالى[3].
ومن هنا تكون مسألة (حاجة الناس الضرورية إلى الوحي والنبوة) مسألة حقيقية، والدليل القرآني لإثباتها حجّة برهانية.
وعلى أي حال، فالوحي والنبوّة اللذان يكون الدين الإلهي أهم ثمراتهما، لهما السهم الوافر في إيصال الناس إلى السعادة والكمال؛ حيث يعملان على التخفيف من غلواء قواهم النفسانية حين طغيانها، وفي ذلك إصلاح لحياتهم الفردية والاجتماعية من بدء الخلق إلى وقت الوفاة، وبيان لارتباط الناس بخالق الكون والعالم بعد الموت.
توضيح ذلك أن الوحي والنبوّة ينظمان منظومات الحياة الفردية والاجتماعية، والدنيوية والأخروية، والمادية والمعنوية، وذلك لأسباب:
1. إن الإنسان ذو طبيعة وفطرة.
2. مقتضی طبعه هو طلب المنافع والاستخدام، رغم أن مقتضى فطرته هو التوحيد وحب الخير.
3. يلزم من ترقيه واستكماله الاختلافات العلمية، ويلزم من استخدامه واحتكاره (الاختلافات العملية).
4. رفع هذه الاختلافات العلمية والعملية من الضروريات، وتحقق هذا الرفع يحتاج إلى قانون، وإلا اختل نظام الحياة بالفوضى.
5. الناس لا يستطيعون إنهاء هذه الاختلافات بوضع القوانين؛ لأنّ حصول الاختلاف كان بسبب نفعيّتهم واحتكارهم هم أنفسهم، والعقل والفطرة وإن كانا لازمين، لكنها غير كافيين؛ لأنّ هذه النفعية ستؤثر عليهم عند تدوين القانون. وهكذا يكون المجتمع عاجزاً عن رفع الاختلافات بمفرده، بل يحتاج إلى ازدهار العقل والفطرة وبلوغهما.
والقرآن الكريم والعقل القطعي يفتيان استناداً إلى القضايا البديهية أن تحقق الوحي والنبوّة ضروريان وحتميان للقضاء على الاختلافات وحفظ وحدة المجتمع. وبيان هذا الاستدلال وإثبات هذا المطلب يحتاجان إلى بيان ست مقدمات، نشير إليها في ما يلي:
أ. ظهور الإنسان: يعد النسل الحالي من البشر نوعاً مستقلا لم ينشأ من نوع آخر، بل خلقه الله خلقاً مباشراً من التراب: (كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ[4]). ويقع على رأس هذه السلسلة للنسل الموجود شخصان من النوع الإنساني باسم آدم وحواء عليهما السلام تولد الأشخاص الآخرون بالتدريج منهما: (الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً[5])، (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ[6]).
وعلى هذا فما قاله العلماء الطبيعيون حول تحول الانواع وتطورها من أن ظهور الانسان ثم نتيجة تحول وتكامل القرد أو السمكة[7] – بصرف النظر عن انتقادات العلماء البارزين في العلوم التجربية ليس أكثر من فرضية ولا يمكن الاستناد اليها في الاستدلال.
كما أن القول بأن منشأ الناس الفعليين هو أربعة أزواج مستقلة لأن الناس من ناحية لون البشرة على أربعة أنواع أبيض وأسود وأصفر وأحمر إذن فلا بد من أن يعود كل واحدة من هذه المجموعات الاربع الى الاب والأم المشابهين له في لون البشرة هو أيضا فرضية واهية اذ لا يقتصر الامر على عدم اقامتهم البرهان العقلي والنقل القطعي عليها بل إن ظاهر القرآن الكريم يدل على خلاف ذلك كما مر سابقا.
ب. حقيقة الإنسان: ادراك حقيقة الانسان يمهد لمعرفة ضرورة الوحي والنبوة فإذا لم نعرف الانسان لم نعرف احتياجه المبرم الى الوحي والنبوة.
خلق الله سبحانه الانسان مركبا من جسم وروح أولهما مادي والثاني مجرد: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ[8]). وهذان العنصران متلازمان دوما في الحياة الدنيوية لا ينفصلان إلا عند الموت حيث تنفصل الروح عن الجسد فتعود الى بارئها إلا أن اسناد جسم الانسان الى الطين وإسناد روحه الى الله يفيدان عدم تكافؤهما بل روح الانسان هي الاصل والبدن فرعها.
وقد ذكر القرآن الكريم قصة خلق الانسان من بدايتها الى آخرها على الشكل التالي: إن الخلقة الطبيعية للإنسان هي من التراب أي من الطين... ثم من نطفة مرت بمراحل مادية حتى حصل لها الاستعداد التام وهنا أعطاها الله الروح فخلقها خلقا آخر ولم يكمن هذا الخلق سببا في أمتياز الانسان عن بقية المخلوقات فقط بل امتياز روحه عن جسمه أيضا ومن هنا كان خالقه (أحسن الخالقين): (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[9])، وإلا فإن الانسان من الناحية الجسمية لا يختلف عن بقية الحيوانات بل إن بعضها مخلوق بصورة أجمل وأقوى كالطاووس والفيل.
وإذا تمكن الانسان رغم امتلاكه البعد المادي أن يزيل موانع تحليقه ويصل الى قمة المعنويات فهو أفضل مخلوق بالعالم مثلما كان خالقه أفضل الخالقين. وإلا فإن مجرد امتلاك الروح لا ينقل الانسان الى هذا المقام السامي ولم يعبر الله عند حديثه عن الملائكة بعبارة (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) مع أنها كانت تمتلك الروح والعلم الكافي.
وعلى هذا وكما يفيد ظاهر القرآن فلا يمكن اختصار الانسان في بدنه المادي ولا جسمه يكافئ روحه بل الانسان مركب من الروح والبدن والروح هي التي تشكل حقيقته والدليل على أصالة الروح لدى الانسان هو عدم فنائها بعد الموت أبدا ولا نقصان شيء منها بل تتوفى أي إن ملائكة الله تقبض الروح وتتوفى حقيقتها كاملة كمن يخرج طائرا من قفص كان محبوسا فيه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ[10]).
ج. إدراكات الانسان وعلاقته التسخيرية مع العالم: خلق الله الانسان بشكل جعله قادرا على التواصل مع كل الكون وجهزه بقوى ادراكية وتحريكية وحواس ظاهرية (البصر والسمع والذوق و...) وباطنية (التخيل والحفظ والفكر) كي يتمكن من معرفة الحوادث الماضية وحاضر عالم الطبيعة ومستقبله وإقامة الصلات معه وفي مقابل ذلك خلق عالم الطبيعة أيضا بشكل جعله مسخرا وفي متناول الانسان.
وقد تحدث القرآن الكريم عن الاصل الاول – أي تجهيز الانسان بالقوى الفكرية والحركية فقال: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[11])، وهكذا جعل المجهولات معلومة لكم: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[12])، كما جهزكم بالمجاري الحركية والقدرة البدنية كي تتمكنوا من التجول على سطح الارض وتستعينوا بها لكسب رزقكم: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ[13]).
أما عن الاصل الثاني - أي تسخير عالم الطبيعة لخدمة الانسان فقال: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ[14]).
وعند شرح وتفسير هذا الاصل في الايات 4 الى 14 من سورة النحل ابتدأ ببيان أصل خلق الانسان ثم تحدث عن قضايا تربية الحيوانات وما فيها من المنافع كالملابس والطعام والزينة والحمل والنقل ثم تحدث عن نزول المطر والزراعة وسقاية المزارع والحقول والاشجار واستثمار محاصيلها وأخيرا كان الحديث عن تسخير الليل والنهار والشمس والقمر ونجوم السماء والبحر وأسماكه وما فيه من اللؤلؤ الجميل: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ[15])، (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا[16]).
ومن مجموع هذه الايات يظهر أن الله سبحانه قد خلق في سابق الزمان العناصر الاولية للاحتياجات البشرية من أعماق البحر الى أوج السماوات وتاجها وجعلها تحت أمر الانسان كي يتمكن عبر المعرفة الكافية من الارتباط بها ويستفيد منها ما يلزمه من المنافع.
وهذا الارتباط التسخيري للناس مع عالم الطبيعة يتم من خلال صورتين: أحداها بالفكر والنظر وهو ما يعبر عنه بالعلوم النظرية والأخرى بالصلة العملية وهو ما يعبر عنه بالعلوم العملية.
وقد خلق الله الانسان مجهزا بلوازم التحقيق التي تؤهله لمعرفة ماهية العالم وجودا وعدما مثلما تؤهله لفهم واجباته أمرا ونهيا من هنا أمكن تلخيص الادراكات الانسانية في قسمين هما (الحكمة النظرية) و(الحكمة العملية).
في القسم الاول يكون الانسان كاشفا للحقائق لا خالقا لها. وربما كان البعض مبتكرا في كشفه وفهمه لكنه لا يقدر أن يخلق شيئا بأي حال من الاحوال فهو لا يتمكن إلا ادراك وجود مثل هذه الحقائق في العالم. ومن هنا كانت المعلومات التصورية والتصديقية وحقائق الكون موجودة في محلها الخاص بها سواء وجد الانسان أم لم يوجد وسواء فهم ذلك أم لم يفهم ولا فرق في ذلك بين أن يكون فهمه لها صحيحا أو خاطئا وإن كان تصور البشر وتصديقه شأنين خاصين به. والقرآن الكريم دعا الانسان مرات عديدة الى التعقل والسير في السماء والارض: (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا[17])، فحينا يري الانسان عالم الوجود بصورة (آيات آفاقية): (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[18])، وحينا آخر يتساءل عن سبب عدم تفكر الانسان في ملكوت السماوات والارض: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[19]).
ومما تشير اليه هذه الايات أن بعض حقائق العالم معلوم وبعضها الاخر مجهول وفي ظلال التطور العلمي صار العديد من مجهولات الماضي جزءا من المعلومات في الوقت الحاضر. إذن فهناك رابطة بين المعلوم والمجهول ويمكن الوصول الى المجهولات عن طريق المعلومات.
بين الله تعالى أن سر خلق الكون يكمن في أمرين: أولهما علم الناس ومعرفتهم بخالقهم حيث قال عن هذا الامر إن نظام الكون قد خلق كي يصير الناس موحدين في نظرهم الكونية ويدركوا قدرة الله وعلمه المطلق: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[20]).
والأمر الاخر هو عبادة الله وان كانت تقع في المرتبة الثانية بعد الامر الاول بمعنى أن الله لما قال عن خلق الجن والانس: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[21])، فقد علمنا من ذلك أن العبادة هي هدف متوسط ل هدف نهائي لان الانسان يصل بعبادته الى الرشد الشهودي والتوحيد الاصيل اذن فكلتا المعرفة والعبادة لازمتان طبقا لمضمون الايتين المذكورتين.
إن الانسان في نطاق الحكمة العملية هو واضع اعتبارات وليس كاشفا للحقائق اذ بناء على غرائزه الداخلية يحتاج الى بعض الامور كالغذاء والمسكن واللباس الزوج وأمثال ذلك ولما كانت هذه الحاجات مختلفة من جهة النفع والضرر والملائمة فهي تدفع الانسان الى الانجذاب نحو الشيء الذي يرفع حاجته فيعتبره حسنا والى التنافر من الشيء الذي يقف عائقا أمام تلبية حاجاته فيعده قبيحا.
إذن فعناوين الحسن والقبح والمحبة والعداوة وأمثالها هي عناوين اعتبارية لا مكان لها إلا في نطاق اعتبارات الانسان نفسه ولا حقيقة لها ولا واقع خارج الوجود الانساني وإن كانت مسبوقة بملاكات واقعية وملحوقة بالثواب أو العقاب الحقيقي كما وصف الله الحياة الدنيا بأنها مجردة لعب ولهو خيالي ووهمي كالجاه والمقام والرئاسة وجمع الثروات في حين تكون الحياة الحقيقية في النشأة الاخرى: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[22]).
وكما يحتاج تنظيم القوى الجسمانية (كالغاذية والهاضمة) الى الطب والطيب كي يرسم حدود استخدام هذه القوى وكيفيتها حتى لا يتضرر الانسان فإن الله أيضا أوجد (الوحي والنبوة) كي ينظمان القوى الجسمية والروحية حتى تعي البشرية أولا أن الانسان لا يمتلك القوى النفسية فقط بل إن الله قد أعطاه قوة (العقل) و(الفطرة) ووضعها في ضميره وسريرته، وثانيا كي يوقظ العقل والفطرة المبتليين بالسنة والنوم، وثالثاً لتأييد الأحكام والحكم التي يفهمها، ورابعاً لتنبيهه على جهله بكثير من المعارف، وخامساً لبيان ما كان مجهولاً له من خلال انفتاح داخله كي يتمكن من السيطرة على غرائزه النفسية بواسطة تعليم الكتاب والحكمة من جهة وتزكية النفوس من جهة أخرى فيعيش في صلح ووئام إلى جانب غيره من أبناء نوعه.
ويجب الالتفات إلى أنّ (الفطرة) هي أصل ثابت لدى جميع الناس: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[23])، وأمر نفسي هو المرجع الجميع الأمور الاعتبارية في الأخلاق. كما أن مسألة حقانية خلود الأخلاق من جانب وكونها مطلقة ونفسية من جانب آخر يبطلان توهم قابلية الفضائل الخلقية للتبدل، مثلما يبطلان ما يتخيله البعض من نسبيتها[24].
والله سبحانه يهدي كلّ شيء نحو كماله المنشود: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ[25]). وهذه الآية تتكفل بيان أصل جامع يتضمن النظام الفاعلي والغائي والداخلي للأشياء.
وقد أقسم القرآن الكريم عند حديثه عن خصوص الإنسان بنفس الإنسان والإله الذي خلقها مستوية الخلقة (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا[26])، مثلما خلق بدنه مستوياً أيضاً. واستواء الروح يقوم على إلهام النفس بالفجور والتقوى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[27])، بمعنى أنّ الإنسان ذا الفطرة السليمة يدرك ما هو الشيء الجيد وما هو السيء وهذا الفهم هو الثروة الابتدائية لكل إنسان وما يلزمه من ضروريات تكامله وهذا على العكس من تعلم المطالب النظرية المحضة التي لم يعط الله الى البشر سوى أدوات تعلمها كالعين والإذن والعقل لأنها لا تعد جزءا من رأس ماله غير أن استفادته من الفطرة الالهية تعتمد على شهود مبدأ الوجود من جهة والميل من نحوه من جهة أخرى.
د. التوحش الطبيعي والتمدن الفطري: إن الانسان بفطرته متمدن ومؤمن ويسعى الى العدالة الاجتماعية ومساعدة أبناء جنسه لكنه من جهة طبعه الاولي الذي يعود الى الطين والطبيعة البدنية مدفوع الى اتباع شهوته وغضبه فلا يفكر إلا باستخدام واستعباد واستثمار الاخرين لان طبيعة أقرب الى الحس والمادة وقد أمسكت بزمام أموره الفردية والاجتماعية وصارت حاكمة عليه.
ومن هنا وكما يستفيد من الجمادات والنباتات وأنواع الحيوانات لتلبية احتياجاته فكذلك هو يسعى الى استخدام الاخرين من طرف واحد فهو من جانب لا يستطيع العيش منفردا ومن جانب آخر يدرك توقعات أبناء جنسه المتقابلة وهكذا لا مفر أمامه من القبول بالخدمات المتقابلة مضافا الى مراعاة أفراد المجتمع لكنه متى ما توصل الى السلطة والحكم انتهك كافة القوانين ولالتزامات الوطنية والإقليمية والدولية وسخر كل القوى العلمية والعملية لاستخدامها أو تكبيلها بقيوده.
وعلى هذا: 1. إن التمدن يتضمن معنيين:
أ. معنى الحياة الاجتماعية حيث خلق الله البشر بشكل جعله مجبورا على التعامل مع الاخرين لرفع احتياجاته.
ب. معنى كون الحق محوراً واتصاف الإنسان بالعدالة الاجتماعية بمقتضى فطرته، لا بمقتضى طبيعته.
2. إن الإنسان بمقتضى طبيعته المادية (مدني بالطبع) بمعنى أن الحق ليس محوراً لتصرفاته، بل هو مستخدم أو وحشي بالطبع)، وأن (العقل والفطرة) من داخله و الوحي والنبوّة من خارجه فقط هما اللذان يمكنهما تلطيف خصاله المتمردة التي تدفعه إلى الاستخدام والاغتنام فتدفعه إلى قبول الخدمة المتبادلة والخضوع لأحكام القوانين والأنظمة[28].
وقد ذكروا وجوهاً لهذا المطلب التوحش الطبعي لدى الإنسان، بعضها مبادئ عقلية وبعضها الآخر وجدان تاريخي: 1. البرهان العقلي التجربي: لو كان التمدن - بمعنى حب الخير والسعي نحو العدالة من مقتضيات الطبع والذات الإنسانية، لوجب عدم انفكاكه عن الإنسان تحت أي ظرف من الظروف؛ لأن انفكاك مقتضى الذات عن المقتضي بالذات من المستحيلات، إلّا إذا كان بالقوة والإكراه اللذين يندر وقوعها في الأفراد، ولوجب عودته إلى أصله السابق عند ارتفاع الضغط. بينما واقع الحال يشير إلى بديهية وجود الانفكاك بين الناس وبين سعيهم للعدالة، وأن أكثر الناس مستغلون كما تثبت التجارب.
والتقريب الفنّي لهذا البرهان العقلي بصورة القياس الاستثنائي هو: لو كان طلب الحق (التمدن) أمراً ذاتياً للإنسان لاستحال انفكاكه عنه، لكن الغالب انفكاكه عنه؛ إذن فالإنسان بطبعه - أي بذاته - ليس متمدناً ولا ساعياً إلى الحق والعدل. ولما كان أكثر أفراد الإنسان طغاة في أغلب الموارد؛ أمكن إثبات التوحش الطبعي لا الفطري - بحدّ الاقتضاء - لا العلة التامة للإنسان من جهة طبعه.
2. الايات القرآنية: لم يرد الحديث عن الانسان في القرآن الكريم إلا وكان بجانبه حديث عن عدوانه وفحشه وانتهازيته واستغلاله وبخله عدا بعض الموارد القليلة التي يكون الحديث فيها عن فطرته وروحه الالهية.
فمرة يذكره بصفات الظلوم والجهول والكفار: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[29])، (إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[30])، ومرة بصفات الهلوع والجزوع والمنوع: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا[31])، ومرة بالطغيان والبخل: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ[32])، (وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا[33]).
وبناء على هذا يكون الانسان بمقتضى طبعه الاولي حريصا ومتجاوزا بالنسبة الى ما يفتقر اليه وبخيلا ومحتكرا لما عنده وذلك لافتقار طبيعته الى روح التوكل والاعتماد على الله أولا وسعيه الدائب لإبقاء الطرق سالكة أمام فسقه وفجوره ثانيا: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ[34]).
3. الدليل الروائي: خلال جواب الامام الصادق عليه السلام للزنديق الذي سأله عن الدليل العام للنبوة ذكر مطلبا يمكن بقليل من التأمل فيه استنباط المعارف التالية منه: لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه الى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم لأن الانسان لا يستطيع العيش منفردا بل هو مجبور على العيش مع الاخرين مما يؤدي الى حصول النزاعات في الحياة الاجتماعية فيفنى الناس بنيران الشهوة والغضب المستعرة في كل واحد منهم لأنهم مع امتلاكهم الطبيعة المتمردة يفتقرون الى الهادي والدليل ومن هنا كان اجتماعهم سببا في هلاكهم كمئات الاعشاب المشتعلة اذا جمعت بعضها الى البعض كان فناؤها وتحولها الى رماد أسرع وذلك على العكس من المجتمع الذي تسوده الوحدة ويسير على هدى الانبياء فمثله كمثل قطرات الغيث المتراحمة في ما بينها والتي تصنع بتجميعها بحر ترتوي منه الناس الظمأي[35].
4. الشواهد التاريخية: تحفل صفحات التاريخ البشري بالأمثلة على طغيان وظلم وعدوان الناس واذا وجدنا فيه حديثا عن العدالة الاجتماعية وعمل الخير والإنسانية والإيثار والبذل فهو ببركة هداية أبياء الله وإلا فمن دون تلك الهداية كان مبنى الحركة لدى جميع المسلطين هو: (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ[36])، لان الضعفاء لا يمكنهم النطق بمثل هذا الكلام وأنبياء الله وأولياؤه وتلامذتهم الذين تربوا في أحضان (الدين الالهي) هم الاخرون منطقهم هو: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ[37])، (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ[38])، (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا[39]).
إذن، فلا يدعي نجاح أهل الظلم وفلاحهم إلا من يستند إلى منطق الجبابرة، كما هو المنطق السائد في عالم اليوم.
وخلاصة الكلام أنّ المدنية والاجتماعية ليستا من مقتضيات طبيعة الإنسان، بل الضرورة هي التي دفعته إلى تبادل الخدمات مع الآخرين واتباع القوانين والأنظمة؛ وإلا فبمجرد حصوله على القدرة والقوة لا يحترم أي قانون[40].
هـ. الاختلاف الطبيعي بين الناس: لا شك في أنّ الناس يختلفون في ما بينهم من جهة خصوصيات خلقهم ومنطقة سكنهم وأخلاقهم وعاداتهم؛ فبعضهم قوي من الناحية المالية والبدنية والروحية، وبعضهم ضعيف.
ومن هنا، كان الاختلاف بين الأفراد ضروريّاً؛ كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك فقال: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ[41]) حيث يعتقد البعض أن الله خلق الناس للاختلاف.
وقال أيضاً: إنّ الناس الأوائل كانوا أُمة واحدة لبساطة تفكيرهم ومستوى معيشتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، ثم اختلفوا في ما بينهم نتيجة لتقدم العلم والصناعة من جهة، وكيفية الاستفادة من الثروات الطبيعية والمنافع التقليدية والصناعية: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا[42])، مثلما وردت الإشارة إلى هذا المطلب في الآية التي هي مورد البحث أيضاً.
والناس وإن كانت فطرتهم مشتركة، إلا أن كل شخص له شاكلته ونموذجه الخاص في حياته: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ[43])، والحديث المشهور الناس معادن كمعادن الذهب والفضة[44] – المراد به اختلاف الدرجات وتعدد مراتب الفهم والقابليات مأخوذ من هذه الاية.
وهذا الاختلاف في الآراء والنظريات من لوازم التكامل والتطور العلمي فلو كان الناس متشابهين من جهة تفكيرهم وتفسيراتهم العلمية لا ستحال تطور العلوم والصناعة ولم تكن المجتمعات لتصل الى كمالها العلمي لان تطور العلم وكمال الانسان انما يتمان في ظلال تلاقح الافكار واختلاف الآراء.
وحصيلة الكلام هي أن وقوع الاختلاف بين الناس هو من الامور الحتمية والضرورية وهو نتيجة من نتائج اختلاف خلقهم من الناحيتين العلمية والعملية.
و. ضرورة حل الاختلافات ووضع القوانين اذا بقيت الاختلافات الطبيعية ضمن حدودها المعقولة فيمكن لها أن تكون عاملة مهمة في التكامل لكن اقترانها بالطبيعة المتمردة والاستغلالية للبشر المنسجمة مع طبع الاستخدام يوجب الاخلال بتعادل المجتمع وتوازنه وانحرافه عن جادة العدالة.
فالأقوياء يريدون من الضعفاء أن يعلموا فوق طاقتهم وواجبهم والمرؤوسون يريدون ألا يؤدوا واجباتهم الاجتماعية ولا يشغلهم سوى التفكير والتخطيط للتسلط على الاقوياء والانتقام منهم ونتيجة كل ذلك هي تصاعد ألسنة لهب الاختلاف والأحقاد بين أفراد المجتمع وتهديد أمنهم وسعادتهم وهلاك الانسانية واختلال النظام ولا شك في أن حل الاختلافات العلمية والعملية هو من الأمور الحتمية والضرورية؛ وذلك لسبيين:
أولهما: أن الاختلاف المستمر دون حلول صحيحة يهدد أمن المجتمع وسعادته ويوجب الاضطراب واختلال النظام.
وثانيهما: أن الحكمة الإلهية تقتضي عدم ترك الناس غارقين في خلافاتهم وضلالهم، بل توجيههم نحو كمالهم المنشود ؛ لأنّ كلّ اختلاف لا بد في أن يكون أحد طرفيه باطلاً وضلالاً: (ما اختلفت دعوتان إلّا كانت إحداهما ضلالة[45])، وإن أمكن أن يكون الطرفان باطلين، كاختلاف اللصين عند تقسيم المال المسروق، لكن المستحيل هو أن يكون طرفا النزاع كلاهما حقاً. والاختلاف إذا كان بين نقيضين فأحدهما حق والآخر باطل، أما إذا كان بين ضدين فحينئذ يمكن أن يكون كلا الطرفين باطلاً. وحل الاختلافات يوجب وضع القوانين الكفيلة بإيصال حقوق الجميع إليهم، ويجب على أفراد المجتمع الالتزام بمراعاة تلك القوانين أيضاً.
ويرى أتباع العقيدة الإلهية أن الاختلافات لما كانت ذات جذور طبيعية، فيجب ظهور قانون وسلطة باسم (الوحي والنبوّة) من وراء الطبيعة تقضي على جميع الاختلافات.
أما أتباع العقائد المادية الذين ينطلقون في تفكيرهم من (أصالة الاقتصاد) أو الاشتراكية وتساوي الحقوق في الحياة، فيرون أن الجميع لما كانوا شركاء في الثروات والمنافع الطبيعية والاستفادة منها؛ وجب وضع القوانين المنظمة لكيفية الإنتاج والتوزيع والاستهلاك كي تقل فرص النزاع بين أفراد المجتمع، ويجب استخدام النظام الديكتاتوري لإجبار مَن لا يلتزم بتلك القوانين وردعه وقمعه، كما صرح بهذه الكلمة نص دستور النظام الاشتراكي الشرقي[46]!.
وهؤلاء يرون أن مسألة الثقافة والتربية هي من فروع النظام، في حين يرون التوحيد والمعاد والمعارف الدينية والأديان السماوية خرافة وأسطورة، كما يرون الأخلاق تابعاً من توابع التحوّلات المادية للمجتمع؛ بمعنى أن كل ما كان موافقاً لحال أفراد المجتمع في أي عصر ومصر فهو حَسَن ومقبول، وإلا فهو سيء ومذموم. ومن هنا أمكن أن تكون العفّة والحجاب في بعض الظروف مقبولة، بينما تكون الخلاعة والسفور هي المقبولة في ظروف أُخرى؛ وحيناً يكون الصدق حَسَناً، وحيناً آخر يكون الحسن هو الكذب.
وهذه الجماعة المادية عند سعيها إلى حلّ الاختلافات الاجتماعية وحفظ وحدة المجتمعات البشرية تتذرّع أحياناً بذريعة الديمقراطية وحقوق الإنسان لتحكم الناس دون أن تتخلّى عن السلاح والسجن، كالنظام الرأسمالي الغربي، بينما تفرض حكومتها في أحيان أخرى بالإكراه والسجون (الدكتاتورية) دون أن تتخلّى عن رفع شعارات الحرّية وحقوق الإنسان، كالنظام الحكومي الاشتراكي الشرقي. أما المدارس الالتقاطية الهجينة الأخرى فهي أيضاً تلجأ إلى الاستفادة من هاتين المدرستين لفرض قوانينها على أفراد المجتمع.
وكل واحدة من هاتين المدرستين أسوأ من أختها؛ لكن التفكير المادي والأساس المشترك لهما يجعلهما متحدين في بنية مشتركة.
ولما كان هذان النهجان قد وضعا أُسسهما على التفكير المادي والغفلة عن ما وراء الطبيعة، فلم يتوقف ضررهما على ما سبباه من المفاسد، بل صارا سبباً لفناء المجتمع وحقيقة إنسانيته؛ لأنّ الإنسان مخلوق الله، ووجوده مرتبط به، ومبدأه من الله ومرجعه ايضا اليه وسيحيا حياة خالدة بعد الموت وسوف يرى حصيلة ما عمله ومن هنا كانت سعادته وكماله يكمنان في معرفة الله والعبودية وكسب الفضائل الخلقية كما أن الانسان دون توحيد ووحي ونبوة كمن يسير بقدميه الى الفناء.
وقد ذكر العلامة الطباطبائي رحمه الله هذا التمثيل الجميل لتقريب المفهوم الى الذهن:
فمثل الناس في سلوك هذين الطريقين كمثل قافلة أخذت في سلوك الطريق الى بلد ناء معها ما يكفيها من الزاد ولوازم السير ثم نزلت في أحد المنازل في أثناء الطريق فلم يلبث هنيئة حتى اخذت في الاختلاف من قتل وضرب وهتك عرض وأخذ مال وغصب مكان وغير ذلك.
ثم اجتمعوا يتشاورون بينهم على اتخاذ طريقة يحفظونها لصون أنفسهم وأموالهم.
فقال قائل منهم: عليكم بالاشتراك في الانتفاع من هذه الاعراض والأمتعة والتمتع على حسب ما لكل من الوزن الاجتماعي فليس إلا هذا المنزل والمتخلف عن ذلك يؤخذ بالقوة والسياسة.
وقال قائل منهم: ينبغي أن تضعوا القانون المصلح لهذا الاختلاف على أساس الشخصيات الموجودة التي جئتم بها من بلدكم الذي خرجتم منه فيتأدب كل بما له من الشخصية الخلفية ويأخذ بالرحمة لرفقائه والعطوفة والشهامة والفضيلة ثم تشركوا مع ذلك في الانتفاع عن هذه الامتعة الموجودة فليست إلا لكم ولمنزلكم هذا.
وقد أخطأ القائلان جميعاً، وسهيا عن أن القافلة جميعاً على جناح سفر، ومن الواجب على المسافر أن يراعي في جميع أحواله حال وطنه وحال غاية سفره التي يريدها، فلو نسي شيئاً من ذلك لم يكن يستقبله إلا الضلال والغي والهلاك.
والقائل المصيب بينهم هو من يقول: تمتعوا من هذه الأمتعة على حسب ما يكفيكم لهذه الليلة، وخذوا من ذلك زاداً لما هو أمامكم من الطريق، وما أُريد منكم في وطنكم، وما تريدونه لمقصدكم[47].
إن الرافع للاختلاف المذكور في المجتمع البشري هو ذلك الشخص الحق حدوثاً وبقاء، والمصون من آفة الاختلاف، والناس ليسوا كذلك إذا تجردوا عن الوحي والنبوة. ومن هنا فالناس عاجزون عن حل اختلافاتهم الطبيعية، وذلك لأسباب:
الأول: عدم إمكانية العثور على شخص أو جماعة يكونون حقاً محضاً بحيث يتفق جميع الناس على قبولهم.
الثاني: أن منشأ ظهور الاختلاف هم الناس أنفسهم؛ فكيف يمكن أن يكونوا هم الرافعين له؟
ولهذا السبب لا تصح حكومة الفرد على المجتمع، ولا حكومة الناس على الناس، بل الصحيح الوحيد والموافق للعقل والنقل هو حكومة الله على الناس وهي الحكومة المقامة على يد أنبياء الله وأوليائه أو نوابهم الخاصين والعامين. وبعد تقديم هذه المقدمات الست اتضح لنا حاجة الناس الملحة إلى الوحي والنبوة. وحاصل هذه المقدّمات هو أن البشر لا يستطيعون الوصول إلى السعادة من دون (الوحي والنبوّة)، وهذا هو السبب الذي جعل القرآن الكريم يعتبر الوحي والنبوة من لوازم الإنسانية، بمعنى عدم إمكانية افتراق (الوحي والنبوة) عن البشرية: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ[48])؛ لأن الله سبحانه خلق الإنسان كي يربيه ويوصله إلى مقصده، والإنسان من دون الوحي والنبوة يسقط ولا يصل إلى مقصده[49].
والمراد من (البينة) في الآية المذكورة - بناءً على العطف البياني الوارد بعدها - هو الرسول الإلهي الذي يتلو للناس الصحف المطهرة التي فيها كتابات قيمة إلهيّة: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ[50]).
وفي الوقت الذي يذكر القرآن الكريم في آيات أُخرى[51] لزوم العقل والفطرة لهداية الناس ورفع اختلافاتهم، إلّا أنه لم يعتبرها كافية للقيام بذلك الواجب، بينما اعتبر (الوحي والنبوة) - باعتبارهما (حجّة الله) لازمين وضروريين وكافيين: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا[52]).
كما بين القرآن الكريم أصل الادعاء باستحالة وصول فرد أو مجتمع إلى مقصده دون الوحي والنبوة ضمن بيانه الحكمة إرسال الرسل، فقال: (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ[53]). فجميع أنبياء الله وخصوصاً خاتم الأنبياء ﷺ - إنما بعثوا ليعلموا المجتمعات البشرية شيئاً يستحيل على الإنسان تعلمه دون وساطتهم. بمعنى أنّ الأنبياء لم يأتوا لمجرد تعليم مجموعة من العلوم والمعارف أو صناعة الدروع[54] وصناعة السفن[55] وتقسيم الارث[56]، أو تيسير سبيل التعليم والتربية كي يقال بإمكانية تعلم هذه الامور دون الحاجة الى أنبياء الله أيضا أو أن سلوك طريق الكمال أمر صعب لكنه مستحيلا دون وجود هؤلاء الانبياء.
لقد جاء أنبياء الله لكي يعلموا المجتمعات البشرية شيئا لا أن تلك المجتمعات لا نعلمه ولا تدري فقط بل إنها عاجزة عن فهمه دون الوحي هذا أولا.
أما ثانيا فإن ذلك العلم هو من الضروريات الحيوية للحياة والبشر أموات اذا لم يتعلموه: (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[57]). وكلام القرآن هذا لا يزال حيا وسيبقى ولا اختصاص له بعصر نزول القرآن لا يبقى له تأثير بعد ما حصل من التطور العلمي والصناعي لأن القرآن الكريم كتاب خالد حي الى يوم القيامة وقد برهم الله سبحانه على الادعاء المذكور وعلى ضرورة الوحي والنبوة من خلال بيانه لهذه الموارد أيضا:
1. حل الاختلافات: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا).
2. مجموعة القوانين باسم الكتاب والتحدي بها[58].
3. العدالة الاجتماعية والإحيائية[59].
والخلاصة أن من ينجي المجتمعات البشرية من اختلافاتها وأنانياتها هو الوحي والنبوة، ومن دونهما لا يستطيع البشر تجنّب الاختلافات والتنعم بحياة متمدنة يسودها الاتحاد. فالسبيل الوحيد أمام أهل الدنيا لإصلاح اختلافاتهم وعلاج حب التسلّط والافتراس هو اعتقادهم بالقيامة وخوفهم من اسوداد وجوههم في ذلك اليوم. فإذا توفّرت هذه العقيدة لدى الإنسان منعته من وضع العراقيل إذا شاهد صديقه يصل إلى السلطة والمسؤولية نتيجة كفاءته الشخصية بل يكون سعيداً بذلك ويرضى بعمله، فلا يكون ذلك اجتناباً للاختلاف بل موجباً للتسريع في الأعمال كما يقول الحديث الشريف: «إنما يجمع الناس الرضا والسخط[60]»، فيصير شريكاً له في جميع الثوابات من خلال قمع هوى نفسه، لأنّ هذا الجهاد مع النفس ليس بالأمر الهين اليسير.
وهذا النوع من المعارف والتعاليم (التوحيد المعاد وخوف النار، اكتساب الأخلاق الفاضلة و...) ليس موجوداً في المدارس البشرية، وإذا أُخذ من المجتمعات البشرية فأمره كأمر ماء الورد المستخلص لا من الورود بل من أغلفتها حيث لا يعدو في هذه الحالة عن كونه تفالةً لا أزيد.
وما نشاهده من المقدار البسيط من الهدوء والأخلاق في الأنظمة غير الإسلامية إنّها حصلوا عليه ببركة القوانين الإسلامية المنظمة للعلاقات الإنسانية والدنيوية التي أخذها أقطاب المدارس الإلحادية من مدرسة الأنبياء، فقد ترك هؤلاء البعد الإلهي لمدرسة الأنبياء وأخذوا البعد الشعبي والدنيوي لها مسجّلين ذلك باسمهم؛ لأن شعارات العدالة ومحاربة الظلم ومساعدة الفقراء ومحاربة الطغاة والتوزيع العادل للثروات الطبيعية وكافة المقولات الشعبية كانت تلهج بها ألسنة المتدينين وأصحاب العقيدة الإلهية ولا يزالون، وما كانت مثل هذه المسائل الخلقية والاجتماعية والاقتصادية وليدة اليوم حتى تعد من إنجازات المذاهب البشرية، وإن كان هؤلاء حنّوا الخطى لمصادرة هذه المبادئ الخلقية.
وإذا ظن البعض إمكانية إدارة المجتمعات الإنسانية من خلال تقليد التمدن البشري للدول الغربية التي اصطلح على تسميتها بالمتقدمة كسويسرا وغيرها، فما ذلك إلا خيال ساذج ليس أكثر؛ لأن هؤلاء:
أولاً: اختصروا الإنسان في جسمه المادّيّ فقط، ولم يتطرقوا إلى العلوم والمعارف العقلية والشهودية.
وثانياً: أهملوا العبودية الخلقية والعقدية الموجودة في الغرب.
وثالثاً: اعتبروا حياة البشر مقتصرة على حياته الدنيوية فقط، ونسوا تهيئة زاد معاده. في حين أن الإنسان موجود أبديّ، وله حياة فردية ودائمية تبدأ بعد موته، وفي الآخرة لا مائدة تستقبله إلّا مائدة عقيدته وأخلاقه وأعماله. ومن هنا قلّما نجد سورة في القرآن لا تتحدث عن الحياة بعد الموت.
وبناء على ما سبق، فالبشر كانوا دوماً مدينين للوحي والنبوة، وكانوا ولا يزالون ينهلون من مائدة الأنبياء. ولو لم يكن الوحي الإلهي (مجموعة قوانين التوزيع والإنتاج العادلة) وأنبياء الله لما استطاع البشر أبداً تحقيق هذه الحياة الظاهرية والاستقلال الدنيوي والحرّية النسبية التي يرفلون بها الآن.
2. بعض الشبهات الموهومة حول النبوة: طرحت بعض الشبهات حول احتياج الإنسان الشديد إلى الوحي والنبوة، نشير هنا إلى بعض منها ونجيب عليها باختصار ونترك تفصيل ذلك إلى التفسير الموضوعي.
وجدير بالذكر أن الكثير من المطالب التي نقدّمها حول هذه الآية إنما هو بفضل التفاتات الأستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره.
أ. تلبية الحاجات في ظل التكامل: أ. الشبهة: كما تقضي الأصول الاجتماعية وقواعد علم الاجتماع وبناءً على مبدأ (تأثير المحيط والتأثر به) ومبدأ (التكامل) فإنّ كل موجود في عالم الطبيعة يتحرك نحو كماله المطلوب، ولذلك فهو يؤقلم نفسه مع علل المحيط وعوامله. ولا يستثنى الإنسان من هذه القاعدة الكلّيّة، فهو كسائر النباتات والحيوانات يصل إلى الكمال وفق مقتضيات انتخاب الأصلح وتنازع البقاء. وبناء على هذا، فإنّ البشر وإن كانوا في الأدوار السابقة غير مستغنين عن الوحي والنبوة، إلا أنهم يمكن أن يستغنوا عنهما في المستقبل؛ لأنهم ببلوغهم الكمال يكونون قد عرفوا جيداً ما يحتاجون إليه، وبعد أن يمارس المحيط وأصل التكامل تأثيره عليهم، فإنهم سوف يوفّرون لأنفسهم عللاً وعوامل تلبية حاجاتهم العلمية والعملية. وهذا ما نشاهده من تطوّر العلوم والصناعة المعاصرة، فينتفي بذلك وجود شيء في العالم باسم (ضرورة الوحي والرسالة[61]).
الجواب: أولاً: أن قانون تأثير المحيط والتأثر به، ومثله مبدأ التكامل تامان ومؤثران في النباتات والحيوانات وفي البعد الجسماني والطبيعي للبشر أيضاً؛ لكنهما لا يصحان في البعد الروحاني والفطري للإنسان؛ لأن الإنسان ذو روح مجردة ومستمرة الحياة، وفي هذه الخصوصية يكمن الفرق الأساس بينه وبين بقية الموجودات في عالم الطبيعة.
من هنا تبرز حاجة الإنسان إلى الكثير من العلوم الغيبية والمسائل ما وراء الطبيعية، التي لا ينعدم أي أثر لها في حدود الحياة الطبيعية فقط، بل إنه يفتقد القدرة على الوصول إليها حتى في ظل انسجامه مع المحيط.
إذن، فما يناله الإنسان عن طريق امتلاكه علل و عوامل المحيط إنّما هو مجرد التطوّر الغريزي والطبيعي فقط، لا الفطري؛ لأن الأمر بالنسبة إلى روحه المجردة سيان سواء كان المحيط بارداً أم حاراً، وبحرياً أم برياً، وسماوياً أم أرضيّاً، والقوانين الطبيعية والاجتماعية لا يمكنها تلبية حاجاته الملكوتية والروحية.
ثانياً: أن الإنسان لديه القدرة على الاستفادة العلميّة والعملية من مواهبه الطبيعية كي يصل بهذه القدرة الربانية إلى الكمال؛ لأن الإنسان أقرب إلى الحس وعالم الطبيعة وميله إليهما أكثر. لكنّ تكامله الطبيعي هذا يجب ألا يكون سبباً في غفلته عن تكامله الفطري والعقلي المعتمد على قوى ما وراء الطبيعة، والوحي والنبوة إنما جاء لإيقاظ وانتعاش الفطرة التي تجهل الحياة الحالية كل شيء عنها أصلاً. والدليل على هذا ما يحصل في بعض المصانع العالمية المتطوّرة من صناعة عدة سيارات في الدقيقة الواحدة، إلا أننا لا نشاهد فيها من الزاوية العقدية والخلقية سوى الفساد والظلم والافتراس.
إن تطور الصناعات والعلوم قد جلب آفاتٍ كثيرة للإنسانية؛ حتى باتت البشرية تجابه خطر نشوب الحرب العالمية الثالثة وتحوّل العالم إلى أنقاض ورماد في كل يوم. فمع الغفلة عن المعاد، ونسيان ساحة الحساب والثواب والعقاب وتصوّر انعدام الإنسان بموته؛ لا يعقل أن يترك الإنسان تحصيل اللذة والشهوة والاستثمار والاستعمار، بل إن عقل مثل هذا الإنسان لا يتطوّر إلا في مجال العلوم التطبيقية، لا العلوم التجريديّة. إنّ كلّ ما فعله المستكبرون والمترفون والمرفهون والمسرفون وأهل التكاثر وما يفعلونه، وما قالوه وما يقولونه، وما كتبوه وما سيكتبونه خير شاهد على هذا الكلام.
ثالثاً: يظهر من البراهين التي تثبت احتياج البشر الدائم والضروري إلى الوحي والرسالة لزوم العقل لسعادة البشر، لكنّه غير كافٍ؛ لأن العقل مهما تطوّر لا يعدو كونه ركناً واحداً للحجة، لا جميع أركانها. إنّ العقل يوفّر المبادئ والخطوط العامة لحياة الناس؛ لكنّ الأمور الجزئية والشخصية للإنسان تقع على عاتق الوحي والنبوة، والأمور العامة لا يمكن تطبيقها إلا بعد توفّر مصداقها العيني. يضاف إلى كل ذلك أن الكثير من المعارف السامية والمشاهد العالية المعرفية والشهوديّة لا يمكن لأي فرد كان بلوغها إلا في ظلال الوحي وتوجيهاته.
ب - تفسير (النبوة) ب (النبوغ): الشبهة: إن أنبياء الله هم أناس نوابغ وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الدرجات الرفيعة نتيجة نبوغهم الفكري، فظنّ الناس العاديون أن نبوغهم الفكري هذا هو (الوحي)، والروح الطاهرة التي تعطيهم هذا النبوغ الفكري هي (جبرائيل الأمين)، أما نتاجهم الفكري فأسموه (الدين)؛ وما عدا ذلك فلا وجود لشيء من (الوحي) و(النبوة) و(الدين) و(الرسالة) غير ما ذكرناه[62].
الجواب: هذا الكلام باطل وغير تام؛ لأنّ الوحي والنبوة شعوران باطنيان و شهودان علميان، لا نبوغ وسبيل فكري. كما أنّ (الرسول) هو إنسان مرتبط بعالم الغيب؛ لا نابغة. وكذلك (الدين) الذي هو حصيلة الأنبياء ورسالتهم التي أتوا بها من الله، وليس محصول أحد النوابغ وترشحاته الفكرية.
وبيان الفروق الجوهرية بين أنبياء الله ونوابغ العصور وتفاوتهم يظهر من النقاط التالية:
1. إن النوابغ الذين يتصفون بقابلياتهم الواسعة ونبوغهم الفكري ليسوا قليلين في العالم، وإن كانت تربية مثل هذه الأفراد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لكن أنبياء الله يتمتعون بالعلم الشهودي والشعور الباطني، ولما كانوا مبعوثين من قبل الله تعالى فليس بمقدور أحدٍ غيرهم أن يأتي بما أتوا به لا في الماضي ولا في المستقبل. من هنا ربما كانت رسالة أحد الأنبياء محدودة من ناحية زمانها ومكانها، إلا أن معجزته عالمية. مثلاً نبي الله صالح عليه السلام الذي لم يكن من أنبياء أُولي العزم وكانت نبوّته محدودة بعصره ومصره، إلا أن معجزته عالمية، حيث لا يمكن لفرد عادي لا في الماضي ولا في المستقبل أن يأتي بجمل من أعاق الصخر.
2. إن عمل نوابغ العصور هو الفكر الذي به يصلون إلى أحد المطالب عن طريق العلم الحصولي التصوّري أو التصديقي. ومن هنا يكون قابلاً للنقل والانتقال والتعليم والتعلم إلى الآخرين، لأن طريقه الاستدلال والمنطق، كما يمكن الإتيان بمثله، وهو محكوم بالهزيمة في مقام التحدّي؛ كالسحر والشعبذة وسائر العلوم الغريبة. لكنّ عمل أنبياء الله هو الشهود ووجدان الحقيقة الذي يحصل عن طريق العلم الحضوري للمعصوم (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ[63])، (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ[64])، نظير الرؤيا الصادقة التي يراها الإنسان في منامه ثمّ يرى وقوع عينها. فصاحب هذه الرؤيا الصادقة وجد هذا المطلب، لا أنه فكر فيه.
والوحي والنبوة لا يمكن تحصيلهما وتعليمها للآخرين؛ لانعدام المبادئ التصورية والتصديقية لهما، كما لا يمكن هزيمتهما في مقام التحدي؛ لأنّ الله وصف أنبياءه ورسله أنهم هم الغالبون دوماً: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي[65])، (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[66]).
وأن يقوم رسول أُمّي لم يدخل مدرسة بتحدي جميع علماء كافة أنحاء العالم على مدى التاريخ أن يأتوا بسورة قصيرة تشبه القرآن[67]، فهذا يشير إلى أنه لم يصل إلى هذا المقام المنيع عن طريق القابلية والنبوغ الخاص؛ إذ لو كان من النوابغ لوجد في النهاية من يناظره بعد مرور هذه القرون الأربعة عشر.
والخلاصة أن ذلك العالم في علم الاجتماع الجاهل بالمعارف الإلهية السامية الذي تصوّر النبوة نبوغاً فكريّاً وظنّ أنّ محصول أنبياء الله نظير محصول فكر نوابغ العصر، إنما وصف النبوّة التي في تصوّره لا تلك التي في الواقع؛ لأن النبوة والوحي يختلفان عن الفكر والنبوغ وأنّ هذه المعاني الزائفة لا يمكن أبداً أن تنطبق على حقيقة النبوّة والشريعة والكتاب وجبرائيل.
ج. عدم قابلية تعاليم الأنبياء للتطبيق: الشبهة: لو كانت حاجة البشر إلى الوحي والنبوة ضرورية، وكان لدعوة الأنبياء صلة بإصلاح الناس وهدايتهم التكوينية؛ لوجب أن يكون لدعوتهم أثر خارجي في المجتمعات البشرية، وأن توصل البشرية إلى كمالها الحقيقي. بينما نرى في الواقع أن حصيلة الأنبياء ليست أكثر من فرضيّة ذهنية غير قابلة للتطبيق؛ إذ ترفض أغلب المجتمعات البشرية قبول دعوتهم، ولا يظهر لها أثر في أذهان المسؤولين حتى ننتظر انتقالها من الحالة الذهنية إلى العينية. إذن، فلا يصلح الوحي والنبوة أن يكونا منهجاً إصلاحياً حقيقياً وتكوينياً.
الجواب: أولاً: أن أثر دعوة الأنبياء في المجتعات البشرية من الأمور الواضحة، لأنهم بتعليماتهم الدينية قد ربّوا الملايين من البشر وأوصلوهم إلى السعادة. نعم، ربما لا يكون جميع من آمن خالياً من القصور والنقص، إلا أنّ الأنبياء قد هذبوا أتباعهم من أهم المفاسد الفردية والاجتماعية.
ثانياً: أن هؤلاء الذين أثر فيهم اتباعهم للشيطان وهوى النفس فجعلهم لا يرون الوحي والنبوة ثمرة من ثمار الغيب هم أنفسهم متأثرون بتعليمات الأنبياء للناس بمعنى أنّ الأنبياء تمكنوا وفقاً لتأثير (قانون السراية) أن ينشروا الصفات الإنسانية والملكات الخلقية حتى في غير أتباعهم، وأثرت هذه الصفات والملكات في نسلهم بتأثير قانون الوراثة والتقليد.
وعلى هذا، فكل ما نشاهده اليوم من صلاح وفضيلة في الأمم الحية والمجتمعات المتمدنة في العالم، إنّما هو ثمرة الأديان السماوية والتعاليم الإلهية الشعبية التي جاء بها أنبياء الله ؛ لأنّ التدابير العمومية لا تخرج عن إحدى الحالات الثلاث:
1. الأسلوب الاستبدادي الذي يسلب الحرّية بكل أشكالها في جميع شؤون الحياة، ويسوق الإنسان إلى العبودية.
2. القوانين المدنيّة التي لا تهتم إلا بأعمال البشر، ولا علاقة لها بالجوانب العقدية أو الخلقية لهم.
3. الدين وهو الذي يهتم بعقائد الناس وأخلاقهم وأعمالهم، ويدعو الجميع إلى إصلاح هذه الجوانب.
إذن، فلو وجدنا فضلاً وكمالاً وسعادة في الدنيا، فهي مدينة للتربية الدينية للأنبياء ومتوقفة عليها، وإذا أحاط الانحطاط الخلقي والمفاسد الاجتماعية بالأمم فإنّ ذلك إنّما هو نتيجة اتخاذ تلك الأمم للمال الطبيعي أساساً لحياتها وإهمالها للدين والأخلاق.
وهكذا تظهر آثار دعوة الأنبياء بشكل مباشر في أتباع الأديان السماوية، وبشكل غير مباشر في غيرهم من الناس.
ويشهد التاريخ أيضاً كم اقتبست الشعوب المسيحية من المسلمين بعد الحروب الصليبية، وكم هي النقاط المهمة التي استعارتها من القوانين الإسلامية وطبقتها، في حين استخفّ المسلمون بهذه الكنوز الدينية والذخائر المذهبية ولم يعيروها اهتماماً.
ثالثاً: أن الدنيا لم تصل إلى نهاية مسيرتها حتّى الآن، ولم ينقرض الجنس البشري حتى يحق لنا القول إنّ ما تريده الأديان السماوية لم يتحقق. إن العالم سوف يشهد عاجلاً أم آجلاً بسط القسط والعدل وتحوّل المجتمع البشري إلى مجتمع ديني سام يتّسم بالحياة الحقيقية والإخلاق الحميدة، وذلك ما وعد به القرآن الكريم بقوله: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[68])، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[69])[70].
ويؤيد ذلك الأمل الحتمي يأس جميع المجتمعات من شر الاستكبار وبطر الاستثمار وأشر الاستعمار وخطر الاستعباد.
د. كفاية العقل والفطرة للدعوة إلى الكمال: الشبهة: لو كان ما يصلح المجتمعات البشرية ويحقق سعادتها هو الوحي والنبوة فقط، فما فائدة العقل والفطرة في الوجود الإنساني؟ وما معنى ادعاء مدرسة الوحي قيام الأحكام الدينية على أساس الفطرة؟ ثمّ إنّ العقل والفطرة يكفيان للدعوة إلى الكمال والسعادة، وليس هناك حاجة إلى الوحي والنبوة.
الجواب: أولاً: أنّ الله سبحانه وضع العقل والفطرة في الناس كي يسهل عليهم قبول دعوة الأنبياء؛ فرسالة الأنبياء مضافاً إلى خلوها من إكراه الناس على قبولها، هي في الحقيقة مطلوبة من العقل والفطرة. ومن هنا كان أعاظم الدين يرون القبول بالإسلام والبلوغ الفقهيّ إنّما هو تشريف لا تكليف؛ إذ لا مئونة فيه على الفطرة، بل هو هداية ودلالة نحو الكمال والحياة الواقعية.
ثانياً: أن للعقل والفطرة صلة عميقة بالكمال والسعادة الإنسانية. وهذه السعادة والكمال التي تريدها مدرسة الوحي للإنسان، والتي هي ليست غريبة ولا خارجيّة عن حقيقة الإنسان، هي بعينها التي يبحث العقل والفطرة عن سبيل الوصول إليها ويدرك الخطوط العامة والأصول الجامعة لها في الجملة لا بالجملة لكنه لا يستطيع الوصول إليها دون مساعدة. هنا يبرز دور حقيقة النبوة حيث تساعد العقل والفطرة في تلمّس طريق الوصول إلى تلك السعادة.
ولا شك في أن حقيقة النبوّة ليست معزولة عن حقيقة الإنسانية، بل إنّ النبوة هي المرحلة الكاملة للنفس الإنسانية والأوحدي من الناس هو الذي تشمله هذه العناية الإلهية، حيث تقوم تلك المرحلة الكاملة الإنسانية (حقيقة النبوة) بهداية سائر الناس - الذين هم في المراحل الدنيا من تجرد الروح - إلى المقصد الأصلي.
إذن، فليست النبوة خارجة عن الإنسانية والفطرة الإنسانية، كما أن السعادة التي ينالها الناس باتباع تعاليم النبوّة، ليست خارجةً عن دائرة خلق البشر ولا غريبة عن الوجود الإنساني، وإلا لما أمكن اعتبارها سعادة وكمالاً بشرياً.
ثالثاً: إذا لم يحصل العقل الإنساني على التأييد الإلهي بواسطة الوحي والنبوة، لأدى ذلك إلى بروز الاختلافات واضطراب المجتمع وانهيار النظام الاجتماعي، كما مر في المبحث السابق؛ لأنّ القوة العقلية القدسية في فترة الحياة لم تصل بعد إلى الفعلية، والطبيعة الآدمية أكثر تأثيراً في الإنسان من فطرته. من هنا تكون قوتا الشهوة والغضب هما اللتين تشكلان إحساساته الباطنية وهي التي تتخذ القرارات بدلاً منه وتلقي به إلى التهلكة.
هـ. إمكانية الخطأ في التشريع: الشبهة: لما كان اختلاف المجتمع يمكن حله بمساعدة الوحي (وهو الذي يعبّر عنه أحياناً بالشعور المبهم والإدراك الباطني، وإن كان هذا النوع من العبارات لا يفي بالمقصود)، كما يمكن للنبي أن يثبت ذلك للناس بالمعجزة، واللازم على الناس أن يتبعوا تعاليمه؛ فما هو الضمان لعدم اشتباه نبي الله في التشريع والتقنين، مع العلم أنه إنسان أيضاً، والإنسان طبعاً عرضة للخطأ.
فمن جهة يحتل النبي موقعاً دقيقاً وحسّاساً جداً، بحيث يكون خطأه في التشريع معادلاً لبقاء الاختلاف في المجتمع وانسداد باب الكمال.
الجواب: هو أن روح النبي الكفيلة برفع الاختلافات وعلة تعالي البشر وكمالهم، لا تفارقها قوة العصمة، ولا يمكن أن تخطئ بأي حال من الأحوال في إدراك الأمور العقدية والقوانين الضامنة للسعادة الإنسانية؛ لأنّ النبوة من سنخ هداية الله التكوينية، وعلتها نفس علّة الإيجاد والتكوين التي لا ينالها غلط ولا خطأ؛ لأنّ الخطأ يطال الأُمور الفكرية والإدراكات التصديقية.
بمعنى أن القضيّة التصديقية إذا كانت تطابق الخارج، فهي صادقة صحيحة، وإلا كانت كذباً وخطأ؛ بينما يكون الحال في الأمور التكوينية والخارجية التي هي عين الواقع ومتن الوجود هي انعدام معنى الصدق والكذب.
إذن، فالله سبحانه قد وضع روح النبوة[71] وإدراك الوحي في النبي وضعاً تكوينياً، وهذا الإدراك الباطني هو وسيلة الهداية التكوينية التي توصل كل نوع من الأنواع إلى كماله الوجودي وسعادته الحقيقية ومن هنا فلا يمكن حصول الخطأ والاشتباه فيه[72].
وخلاصة الكلام أنّ إدراك النبي ليس من سنخ العلم الحصولي، بل هو شهودي وعين الواقع. وتطبيق العلم على المعلوم هو في حالة التعدد لا الوحدة.
فإذا كان العلم عين المعلوم فلا سبيل الى الخطأ في التطبيق وعلى هذا ففي ساحة النبوة لا يمكن للإنسان الكامل المعصوم عليه السلام أن يخطئ ولا أن يذنب وتوضيح ذلك يأتي في الاشارة التالية.
3. عصمة أنبياء الله: تنقسم العصمة الى ثلاثة أقسام:
أ. الحفظ من الخطأ في تعلم الوحي.
ب. الحفظ من الخطأ في تبليغ وإيصال رسالات الله.
ج. الحفظ من الخطأ في أداء الواجبات والتكاليف الشخصية (العصمة من المعصية).
و(المعصية) هي القول أو الفعل المستلزم لهتك حرمة المولى ومخالفة أوامره ونواهيه أو المنافي لعبودية الانسان[73]. والعصمة قوة في الانسان تصونه من ارتكاب الامور القبيحة[74].
اذن فالأخطاء الاخرى التي لا علاقة لها بتلقي الوحي أو تبليغه أو العمل بأحكامه كأخطاء الحواس في الادراكات الواقعية والأخطاء الحاصلة في تشخيص صلاح وفساد ونفع وضرر الامور التكوينية وفي العلوم الاعتبارية تعتبر خارجة عن موضوع بحثنا وان كان الانسان الكامل المعصوم الذي هو مظهر اسم الله الاعظم منزها عن كل عيب ونقص في كافة الشؤون المذكورة.
وأنبياء الله معصومين بكافة أنواع الحفظ والعصمة الثلاثة المذكورة وذلك للأدلة القرآنية الاتية:
أ. يستفاد من صدر وذيل الاية التي هي مورد البحث أن الهدف من بعثة الانبياء وإنزال الكتب هو بيان العقائد والأحكام والمعارف وإيصالها الى الناس كي يهتدوا الى الكمال والسعادة.
وللصول الى هذا الهدف يجب على الانبياء أن يفهموا الوحي بلا زيادة ولا نقصان وأن يحافظوا عليه بلا زيادة ولا نقصان أيضا وأن يبلغوه ويوصلوه الى الناس بلا خطأ ولا اشتباه وإلا كانت بعثة الانبياء لغوا وعبثا.
ب. (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا[75]).
فهذه الايات يظهر منها أن الله قد اختص أنبياءه بالوحي وأطلعهم على الغيب وحفظهم من كل الجهات بالملائكة كي لا يتمكن الشياطين أو سواهم من ازالة أثر الوحي أو تغيره فقام هؤلاء بدورهم بإيصال رسالات الله الى الناس بأعلى درجات الصحة والأمانة كما تحدث تعالى عن ذلك على لسان الملائكة: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا[76]).
والمعنى الرفيع لهذه الاية المباركة هو أن مبادئنا الوجودية والإدراكية السابقة لنا وآثار ونتائج وجودنا التالية لنا وكل ما يقع بين المبادئ السابقة والآثار التالية أي مجال هويتنا ونطاق وجودنا كل هذه الاضلاع المرسومة هي تحت تصرف الله سبحانه اذن فالمطالب التي تصل اليها هي مطالب معصومة والمطالب المستقرة في مجال هويتنا معصومة والمطالب التي تصدر عنا بعنوان التعليم والتبليغ أو التدبير معصومة أيضا إذن فالآية الشريفة: (عَالِمُ الْغَيْبِ) تدل دلالة قوية على أن الوحي الالهي منذ زمن نزوله الى وصوله الى الرسول ومن هناك الى وصوله الى آذان وقلوب الناس مصون ومحفوظ من أي تغيير أو تبديل وحينئذ فالأشخاص أحرار في القبول والنكول والأمانة والخيانة.
ج. (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[77]).
وهذه الاية تفيد أن أنبياء الله عليهم السلام قد تلقوا الهداية وأن مثل هؤلاء الافراد لا يمكن أن يتطرق اليهم أو يؤثر فيهم أي عامل مضل: (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ[78])، (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ[79])، ولما كانت كل معصية ضلالة كانت الساحة المقدسة لهؤلاء الانبياء منزهة عن صدور المعصية والخطأ في فهم أو حفظ أو تبليغ الوحي.
د. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ[80]).
وهذه الاية تحصر علة ارسال الله بطاعة الناس لهم وهناك (ملازمة بينة) بين هذا المعنى ومسألة أن كل ما يصدر عن أنبياء الله ويطيعهم الناس فيه فهو مطلوب إلهي.
والناس كما أنهم يطيعون أقوال الرسول يقلدونه في أفعاله أيضا لأن القول والعمل هما الطريقان المتعارفان الى التبليغ والتعليم اذن فلو أن الرسول أخطأ في فهم أو حفظ أو تبليغ الوحي أو أنه ارتكب معصية فاللازم من ذلك أن الله قد أخطأ واشنبه في ارادته أو أنه حصل تناقض في الارادة الالهية لأن الفرض كان هو أن الناس قد أطاعوا الرسول في المعصية وأن الله أراد ذلك ولم يرده في نفس الوقت في حين أن الله مبرأ من ارادة الباطل والخطأ والتناقض في الصفات والأفعال.
هـ. (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[81]).
فظاهر هذه الاية أن الله قد أرسل الرسل مبشرين ومنذرين كي يدلوا الناس ويعلموهم الخير والشر والطاعة والمعصية كي لا يبقى للناس عذر بعد ذلك لارتكاب المعاصي والانبياء لا يمكن أن يقوموا بهذا الدور فيبطلوا أعذار المذنبين وتبريراتهم إلا في حالة عدم احتواء سلوكهم وقولهم على ما يصلح ذريعة للناس أي ألا يخطئوا ولا يرتكبوا المعاصي وإلا فإن الناس ستحتج بهذا الخطأ أو الذنب وتبرر به معاصيها وهكذا ينتقض الهدف الالهي.
تنبيه: إن هذه الاية تؤيد حجية العقل أولا وثانيا تثبت ضرورة الوحي والنبوة إذ لو لم يتم ارسال الرسل لضل الناس ولاحتجوا أمام الله في القيامة بقولهم بأنك لما كنت عالما بمسيرة وجودنا من الدنيا الى الاخرة وأن هذا المسير الطويل المحفوف بالمخاطر لا يمكن طيه دون هداية المعصوم فلماذا لم ترسل لنا من يهدينا؟
وبيان المعارف العميقة لهذه الاية يحتاج الى رسالة مستقلة.
وهذه الايات وغيرها تفيد بوضوح أن أنبياء الله يتمتعون بالأقسام الثلاثة من العصمة لأن الله قد حباهم بسبب وقوة وجودهم تبعد عنهم كل ما يمكن أن يضر بمعارفهم الالهية من سهو وخطأ ونسيان وغفلة وأمثال ذلك كما يصدر عنهم الطاعة والصواب باختيارهم وهذه القوة هي العلم الثابت ومعرفة حقيقة الذنب والعزم الراسخ وهي التي يعبر عنها باسم (ملكة العصمة[82]).
4. انسجام العقل والنقل المعتبر: الانسان موجود مفكر حيث يقوم بأداء أعماله مستندا الى محور الادراك ولتفكيره أثر في تنظيم أعماله بحيث لا يمكن سلب الفكر منه ومنعه من التفكير كما لا يمكن منعه من السعي وتركه موجودا عاطلا جامدا عديم النشاط كما لا يمكن تجاهل صلة علمه بعمله. إذن فحياة البشر مزيج من العلم والعمل ولما كان الهدف السامي للوحي السماوي هو احياء الانسانية اهتم الانبياء اهتماما شديدا بهذه الاصول الثلاثة:
1. العلم. 2. العمل. 3. قيادة العلم للعمل وتبعية العمل للعلم.
والعلاقة بين علم الانسان وعمله هي بحيث تكون جميع أعماله ناتجة من علمه وتابعه له إلا أن جميع علومه لا توجب بشكل مباشر قيامه بالعمل ول تمهد لقيامه ببذل الجهود والسعي بل إن بعض علوم الانسان يقتصر على البعد العلمي والنظري ولا علاقة مباشرة له بعمله وهكذا تكون منطقة وجود العلم الانساني أوسع من منطقة عمله.
ومن هذا المنطق يتم تقسيم العلم الى نظري وعملي (الحكمة النظرية والحكمة العملية) والبحث في مقدار تأثير العلم البشري في هذين الجناحين وتقييم دور الوحي السماوي في هذين القسمين كي يتضح من كل ذلك مدى قدرة الانسان على ادراك الحقائق وما هي النتائج الجديدة التي يضيفها الوحي السماوي الى العلوم الإنسانية؟ ولو فرضنا حصول الاختلاف بين المحصلات الانسانية والرسالة السماوية فمن يتولى حل الاختلاف وأيهما مقدم على الأخر؟ وهل يمكن من الناحية المبدئية حصول الاختلاف بين العلوم القطعية والوحي السماوي أم لا؟ وعلى فرض حصوله هل يمكن علاجه أم لا؟
إن محور بحث الحكمة النظرية (وجود الاشياء وعدمها) هو الشيء الذي يكون وجوده خارجا عن ارادة الانسان ولا دور لوجود الانسان في تحققه أو عدم تحققه فإذا كان البحث عن أصل وجود الشيء وعدمه تكفلت الفلسفة والعقائد العامة ببحثه أو كان عن وجوده المقيد والمحدود فهذه وظيفة علم الرياضيات والعلوم التطبيقية وأمثالها أما مسائل الحكمة العملية فهي محصورة في (الوجوب والمنع) وأسس الاستلال فيها هو الفجور والتقوى اليقينيان للنفس الانسانية المعبر عنهما بكلمة (الفطرة): (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[83]).
ولا شك في أن مبدأ امتناع جمع ورفع النقيضين هو المبدأ لجميع قضايا الحكمتين المذكورتين.
إن الوحي السماوي هو مشاهدة جميع الحقائق والمعارف المؤثرة في تأمين الحياة المعقولة الانسانية بواسطة العلوم الحضورية كما أن إدراكها الكامل بعد تنزلها بصورة المفهوم والمسموع يتم بالعلم الحصولي.
ولما كان (المبدأ الفاعلي) للوحي السماوي هو الخالق الذي له العلم المحض بكل الوجود ولا يتطرق الجهل والنسيان والغفلة الى ساحة علمه وكان حامل الوحي هو المللك العليم والامين وكان (المبدأ القابلي) للوحي هو القلب المعصوم للنبي فالشيء المقطوع بوحييته تكون حقيقته أيضا يقينية ولا مجال لأدنى احتمال بوقوع الخلاف فيه وهذا المطلب (عصمة الوحي وصيانته من الخطأ والخلاف) يثبته العقل الفلسفي انطلاقا من البديهيات الاولية عن طريق التحليل والتركيب إلا أن وحيية أحد المطالب اذا لم تكن قطيعة فسوف لا يحصل اليقين بمحتواه بنفس النسبة.
وإذا أراد شخص أن يستنبط أحد المطالب من الوحي فخلاصة فهمه المنهجي هو الدليل النقلي المعتبر لا الوحي وهكذا لا يجوز تقسيم الوحي الى القطعي والظني.
و(الحكم القطعي) هو الشيء الذي يحصل اليقين بصدوره عن المعصوم عليه السلام وأن تكون دلالته على محتواه نصية ومحكمة وقطيعة دون أدنى احتمال لكونه مجازا أو ارادة الخلاف منها كما يجب أن يكون بيان ذلك المطلب لإبلاغ الحكم الواقعي والحقيقي لا من باب التقية وأمثالها إذن فلو كان الشيء متصفا بهذه الخصوصيات الثلاث يقينا فهو (حكم قطعي) أما إذا كانت جميع هذه الخصوصيات أو بعضها غير ثابتة وفي حد الظن فهو (حكم ظني)، وكلاهما ليسا نفس الوحي لأن الوحي مخصوص للنبي والإمام المعصوم عليه السلام وهكذا تكون هذه الاحكام القطعية أو الظنية هي استنباطات من نصوص الوحي المقدسة.
وبناء على ماذكرناه سابقا فالعلاقة بين (العقل القطعي) و(النقل القطعي) هي الانسجام الكامل ويستحل وقوع التعرض بينهما وحتى لو افترضنا وقوعه فيستعصي على العلاج أي كما أنه يستحيل تعارض الدليلين العقلين فلا علاج له فكذلك الامر بالنسبة الى تعارض كل واحد من الدليلين القطعيين مع الاخر الى تعارضه مع نفسه وثانيا لأن تقدم أي واحد منهما على الاخر يستلزم انهيار القاعدة المشتركة لكليهما أي (مبدأ امتناع التناقض).
أضف إلى ذلك، أن العقل القطعي لما بين ضرورة الوحي وعصمته، كما أن النقل القطعي منح الحجيّة للعقل القطعي، واحتج به، وبين تعاليمه بالأدلة العقلية، وتحدى جميع أصحاب العقول بالمنافسة الثقافية؛ إذن فالتعارض بين العقل القطعي والنقل القطعي هو من الأمور المستحيلة.
إن تعارض العقل القطعي مع النقل الظنّي يمكن حصوله، ولعلاج هذا التعارض يكون العقل القطعي هو المقدّم؛ كما هو الأمر عند تعارض النقل القطعي مع النقل الظنّي، أو تعارض العقل القطعي مع العقل الظنّي، فالدليل القطعي في كل واحد منهما هو المقدّم على الدليل الظنّي؛ لأن اعتبار الدليل الظني يقوم على الدليل القطعي، في حين يكون اعتبار وحجية الدليل القطعي ذاتياً.
وعلى هذا، يكون الدليل الظنّي واقعاً دائماً في طول الدليل القطعي، لا في عرضه. ومن هنا يكون فاقداً للقدرة على التعارض؛ لأن المعارضة لا تتحقق إلا في حالة كون الدليلين أحدهما في عرض الآخر، إلا أن العثور على الدليل العقلي القطعي في ما عدا العقائد والفلسفة الأولى والرياضيات هو من الأمور النادرة؛ لأن تحققه في العلوم التجربية (كالطبيعيّات والطب) وفي العلوم الإنسانية (كالقانون وعلم الاجتماع) بعيد جداً ومحفوف بالصعوبات.
وأخيراً لا بأس من التذكير بأنّ العقل لا ينفك مثبتاً للوحي وحجة الله، ووجوده ضروري ولازم، لكنه ليس كافياً لوحده[84]؛ لعدم قدرته على تأمين سعادة الإنسان وكماله بصورة تامة؛ كما تدلّ على ذلك آيات القرآن، مثل: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[85]).
ومن هنا فلا سبيل أمام الانسان لتحقيق كماله وسعادته المنشودة إلا بالتنسيق بين العقل والنقل المعتبر.
5. الفرق بين الرسول والنبي في المنظار القرآني: أشار الله سبحانه في القرآن الكريم مرات عديدة الى حقيقة النبوة بتعابير مختلفة فحينا يذكرها بلفظ (النبي): (وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ[86])، وحينا بلفظ (الرسول): (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ[87]).
و(الرسول) بمعنى ناقل الرسالة وله شرف الوساطة والسفارة من الله الى الناس أما (النبي) فيعني من له الخبر عن الله وعالم الغيب ويرى البعض أن (الرسول) هو ذلك الشخص الذي يبعثه الله بالرسالة ويأمره بتبليغها أيضا بينما (النبي) هو الشخص الذي يأتيه الوحي من جهة الله سواء كان مأمورا بدعوة الناس وإيصال رسالة الله اليهم أم لم يكن[88]. وعلى هذه تكون النسبة بينهما من ناحية المفهوم هي كما في الاصطلاح نسبة العموم والخصوص المطلق أي إن كل رسول هو نبي أيضا في حين أن كل نبي ليس بالضرورة رسول وهكذا تكون عبارة: (... لا نبي بعدي[89])، أكثر دقة من (لا رسول بعدي) وهذا المعنى لا يؤيده القرآن لان بعض الايات الواردة في مقام الوصف حاء فيها كل من (الرسول) و(النبي) معا وفي بعض الايات ورد هذان اللفظان احدهما في قبال الاخر فمثلا يقول في احدى الآيات: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا[90])، فلو كان مفهوم (النبي) أعم من مفهوم (الرسول) لاقتضى المدح والتعظيم مجيء صفة (النبي) قبل (الرسول) كما ورد (النبي) مقابل (الرسول) أيضا في الاية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ [91])، وكلاهما جاءا بمعنى رسول الله ولا معنى للرسول والسفير دون الرسالة ومأمورية التبليغ.
فالظاهر من الايات القرآنية أن كل لفظ من (الرسول) و(النبي) له مفهومه الخاص به وهما من ناحية المصداق بمثابة الاعم والأخص.
وتوضيح ذلك أن ظاهر بعض الايات (وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[92]) و(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) يفيد أن كل من يبعث من قبل الله لهداية الناس تنطبق عليه تسمية (نبي) كما يستفاد من آيات اخرى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ[93]) و(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا[94]) أن (الرسول) هو مبعوث خاص لإصلاح كل شؤون الناس بحيث إنهم لو كذبوه ولم يقبلوا رسالته تعرضوا للعقوبات الالهية.
وهذا التفاوت مع الايتين السابقتين اللتين يظهر منهما تباين مقامي الرسالة والنبوة لا يعد تناقضا لان تلكما الايتين وردتا من جهة مفهوميهما الواقعين.
وعلى هذا يكون التفاوت الجوهري بين النبوة والرسالة منظار القرآن الكريم هو أن (النبوة) هي مقام بيان المعارف الدينية للناس لإصلاح دنياهم وآخرتهم ومعاشهم ومعادهم وهدايتهم نحو السعادة والكمال المطلوبين؛ أما (الرسالة) فهي سفارة مخصوصة لنقل رسالة بها تتم الحجة الإلهية على الناس وبها يتحدّد مصيرهم فإما سعادة الدنيا والآخرة أو العذاب في الدارين، كما قال الله تعالى إنَّه أَرسَلَ: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[95])[96].
6. الأنبياء أولو العزم: إن التفاوت في درجات الوجود يكون سبباً لرجحان بعض الموجودات على بعض آخر. وكما فضل الله بعض الملائكة على بعضهم الآخر، وفضل آدم عليه السلام على الملائكة، فكذلك فضّل مجموعة من الرسل على مجموعة أخرى منهم: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ[97]). وكان لكل من أنبياء الله نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ شريعته الخاصة به، وهم أفضل من بقية أنبياء الله: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ[98]).
وقد أشارت الروايات إلى هذا المعنى أيضاً فذكرتهم بألقاب (أُولو العزم) و(سادة النبيين[99]). وفي هذا السياق يعتبر النبي الأكرم ﷺ أفضل من جميع الأنبياء، كما أن القرآن الكريم هو أفضل الكتب السماوية؛ لأنه مضافاً إلى تصديقه لأنبياء الله وسائر الكتب السماوية له السيطرة والسلطة عليها أيضاً: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ[100]).
السر في تسمية هؤلاء الأشخاص الكاملين باسم (أولو العزم): (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ[101]) هو سبقهم لسائر الأنبياء في الإقرار بالله وأنبيائه السابقين واللاحقين، وتصميمهم القاطع على الاستقامة النهائية في سلوك سبيل دين الله وتحمّل ما يترتب على ذلك من التكذيب والأذى[102].
ورغم أن كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان لا يقوم بها إلا بتصميمه وإرادته؛ إلا أن الإرادات تختلف في درجاتها، فبعضها ضعيف قابل للنقض، وبعضها قوي، والأعمال المهمة التي تحفّ بها المشاكل والأخطار أكثر من غيرها تحتاج إلى إرادة وتصميم أقوى، ومن هنا قيل: إنّ العمل الفلاني يحتاج إلى العزم، ومن هذا المنطلق أيضاً كان الأنبياء أولو العزم يتمتعون بالتصميم والعزم القوي لإيصال رسالة الشريعة، ولم يتراجعوا عن ذلك الهدف أبداً.
وقد ذكر القرآن الكريم هذه الصفات للأنبياء أُولي العزم:
أ. إنّهم وحدهم أصحاب الكتاب والشريعة، أما سائر الأنبياء فيحكمون طبقاً لكتاب وشريعة أُولي العزم. قال تعالى عن التوراة: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ[103]). وقد صرح القرآن الكريم بأسماء بعض الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن، وعبّر عن كتاب النبي إبراهيم باسم الصحف (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ[104])، بينما تحدّث عن كتاب وشريعة النبي نوح عليه السلام بصورة مجملة؛ إذ لا أثر حتى الآن لكتاب نوح، وإن كان ظاهر نوح الايات[105] والروايات[106] يفيد أن النبي نوحا عليه السلام كان أول أصحاب الكتب والشرائع السماوية.
أما (زبور) النبي داود عليه السلام فهو كتاب بالمعنى الاعم وليس كتابا بالاصطلاح القرآني أي مجموعة قوانين وذلك أولا لأن القرآن عند حديثه عن داود عليه السلام ضمن الانبياء لم يقل وآتينا داود كتابا بل قال: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا[107])، وثانيا لأن (الزبور) عبارة عن مجموعة من المواعظ والنصائح وليست أحكاما وقوانين[108].
ملاحظة: للنبوة درجات ولما كانت درجة منها تتناسب مع عزم وإرادة ذلك النبي فالدرجة العالية منها تقترن بالعزم والكتاب والشريعة والنهائية.
ب. إن الانبياء أولي العزم هم وحدهم الذين أعطوا الله ميثاقا غليظا: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا[109]) ولا يغفل أنبياء أولي العزم أبدا عن هذا التعهد الغليظ والتعهد الغليظ فقط بل قال إنه نسي حتى عهده المتوسط أيضا: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا[110]). ولا شك في أن مثل هذا النسيان الحاصل خارج اطار الشريعة وقبل عهد النبوة والرسالة بالمصطلح الارضي لا ينافي عصمة آدم عليه السلام.
ج. الصبر والاستقامة الفريدة في قبال المشاكل والأخطار: (بِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ[111]). فالإنسان الذي يضع نصب عينيه هدفاً رفيعاً، لا بد من أن يتمنع إضافة إلى العزم والتصميم القوي بالاستقامة الكافية؛ وذلك لكي لا تزل به قدمه وهو في منتصف الطريق.
وخلاصة الكلام أن إيصال رسالة الله إلى الطغاة البغاة، والالتزام بالميثاق الغليظ والصبر والاستقامة هي من الأفعال التي تحتاج إلى العزم الفولاذي.
[1] المبدأ والمعاد، صدر المتألهين، ص 488 ؛ الإلهيات من كتاب الشفاء، ص 487 - 490 .
[2] الإشارات والتنبيهات، ج 3، ص 371 - 374.
[3] الميزان في تفسير القرآن ج2ص148
[4] سورة آل عمران الآية 59
[5] سورة النساء، الآية 1 .
[6] سورة الحجرات، الآية 13. وحول قضية تكافؤ الزوج الأوّل آدم وحواء في الخلق، أو كون أحدهما أصلاً والثاني فرعاً، وكيفية خلق النبي آدم عليه السلام ؛ فالظاهر من القرآن الكريم أن الأب والأم الأولين لم يكونا متماثلين في الخلق، بل خلق آدم أولاً ثم خلقت زوجته حواء من عجينة زوجها: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (سورة الأعراف، الآية 189). كما أن النبي آدم عليه السلام خلق من التراب والطين، سواء مرّ بمراحل الخلقة أم لم يمر، بمعنى أنه ليس ابناً لأحد الأفراد الماضين (الأفراد غير المسؤولين)، أو نتيجة لتطورات المادة: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) (سورة السجدة، الآية 7)؛ (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (سورة آل عمران، الآية 7). وهذه الآية وردت ضمن الاحتجاج مع المسيحيين، واعتبرت النبي عيسى عليه السلام مفتقراً إلى الأب. ولو كان النبي آدم عليه السلام ابناً لأشخاص آخرين لكان هذا الاحتجاج احتجاجاً غير تام.
[7] راجع: سير حكمت در ارويا ج3ص171
[8] سورة ص الايتان 71و72.
[9] سورة المؤمنون الايات 12-11
[10] سورة السجدة الاية 11
[14] سورة الجاثية الاية 13
[19] سورة الاعراف الاية 185
[20] سورة الطلاق الاية 12
[21] سورة الذاريات الاية 56
[22] سورة العنكبوت الاية 64
[23] سورة الروم، الآية 30.
[24] راجع تفسیر موضوعی قرآن کریم، ج 10، ص 119
[26] سورة الشمس، الآية 7.
[27] سورة الشمس، الآية 8 .
[28] راجع: شریعت در آینه معرفت، ص 383 - 403 .
[29] سورة الاحزاب الاية 72
[30] سورة ابراهيم الاية 34
[31] سورة المعارج الايات 19-21
[32] سورة العلق الايتان 6و7
[33] سورة الاسراء الاية 100
[34] سورة القيامة الاية 5
[38] سورة الاعلى الاية 14
[40] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 117.
[41] سورة هود، الآيتان 118 و 119 .
[42] سورة يونس، الآية 19.
[43] سورة الاسراء الاية 84
[45] نهج البلاغة، الحكمة 183 .
[46] ورد التصريح بكلمة الدكتاتورية في دستور الاتحاد السوفييتي السابق.
[47] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 119 - 120 .
[48] سورة البينة، الآية 1.
[49] سيتم بيان تفصيل الملازمة بين الإنسانية والنبوة ذيل الآية المذكورة.
[50] سورة البينة، الآيتان 2 و3.
[51] سورة النساء، الآيات 164 - 166؛ سورة طه الآيات 132 - 134
[52] سورة الملك، الآيتان 8 و9.
[53] سورة البقرة، الآية 151.
[54] سورة الانبياء الاية 80
[56] سورة النساء الاية 11
[57] سورة الانفال الاية 24
[58] سورة الاسراء الايتان 88و89
[59] سورة الحديد الاية 25 سورة الانفال الاية 24
[60] المحاسن، ج 1، ص 262؛ وسائل الشيعة، ج 16، ص 140 .
[61] تنبيه: عند طرح الشبهة يكون محور الكلام هو الإشكال نفسه، لا النقل عن شخص أو جماعة، سواء طرح الشبهة أحد أم لم يطرحها.
[62] عند طرح الشبهة يكون محور الكلام هو الإشكال نفسه، لا النقل عن شخص أو جماعة، سواء طرح الشبهة أحد أم لم يطرحها.
[63] سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194.
[64] سورة النجم، الآية 11 .
[65] سورة المجادلة، الآية 21 .
[66] سورة الصافات، الآية 173
[67] سورة البقرة، الآية 23 .
[68] سورة الأعراف الآية 128.
[69] سورة الصف، الآية 9 .
[70] راجع الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 150 - 151.
[71] يفهم من الروايات أنّ الروح الموجودة في جميع الرسل - وفي الرسول الأكرم ﷺ أيضاً - ليست حقيقة منفصلة عن وجودهم؛ بل هي مرحلة عالية وكاملة مودعة في وجود ولي الله، وتنتقل برحلته إلى النبي والإمام الذي يأتي بعده راجع: الكافي، ج1، ص271 - 272. وبواسطة (روح القدس) هذه يستطيع حامل النبوّة أو الإمامة أن يعلم كل ما يحدث في العالم حتى وهو جالس في البيت. وروح القدس لا يغلب عليها النوم والغفلة، ولا اللهو واللعب، على العكس من الأرواح الأربعة الأخرى التي يشترك فيها الأنبياء والأولياء وسائر الناس حيث يمكن ابتلاءها بمثل هذه الأمور. كما تفيد تلك الروايات أيضاً انقسام لهجة الأدعية إلى خمسة أقسام، جاء في ذلك القسم العالي منها الخاص بالروح القدسية للأئمة عليهم السلام: الإلهي... هبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك. (إقبال الأعمال، ص 222؛ مفاتيح الجنان، دعاء كميل). أو إلهي ! هب لي كمال الانقطاع إليك. المصدر نفسه، ص199، المناجاة الشعبانية). وتأتي المراحل التالية على نفس المنوال حيث الخوف من جهنم وطلب الجنة.
[72] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 146 - 156 .
[73] راجع: التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج8 ص158-160ع،ص ي.
[74] راجع: كشف المراد ص349.
[75] سورة الجن الاية 26-28
[77] سورة الانعام الاية 90
[80] سورة النساء الاية 64
[81] سورة النساء الاية 165
[82] راجع: الميزان في تفسير القرآن ج2ص134-139
[84] وهناك روايات كثيرة في هذا المجال. (راجع علل الشرائع، ج 1 - 2، ص 145 - 148، البابين 98 و99).
[85] سورة النساء، الآية 165 .
[87] سورة المائدة الاية 109
[88] راجع معجم الفروق اللغوية ص531 الميزان في تفسير القرآن ج2 ص139
[92] سورة الاحزاب الاية 40
[94] سورة الاسراء الاية 15
[95] سورة النساء، الآية 165 .
[96] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 139 - 140 .
[97] سورة البقرة، الآية 253.
[98] سورة الشورى، الآية 13.
[99] الكافي، ج 1، ص 175 .
[100] سورة المائدة الآية 48
[101] سورة الأحقاف، الآية 35
[102] تفسير القمي، ج2، ص 300.
[103] سورة المائدة، الآية 44.
[104] سورة الأعلى، الآيبة 19.
[105] سورة الشورة الاية 13
[106] راجع البرهان في تفسير القرآن ج1ص461-462 الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج1 ص582-583
[107] سورة الاسراء الاية 55
[108] مفردات ألفاظ القرآن ص377، ز ب ر.
[109] سورة الاحزاب الاية 7
[111] سورة الأحقاف، الآيه 35.