أنّ الحكيم يطلق على الفاعل الذي يعمل بإتقان ويقدّر ويدبّر باتّزان والله سبحانه حكيم بهذا المعنى. وأوضح دليل على ذلك أنّ فعله في غاية البداعة والإحكام والإتقان ، فإنّ الناظر يرى أنّ العالم خلق على نظام بديع، وأنّ كل نوع خلق بأفضل صورة تناسبه ، وجهّز بكل ما يحتاج إليه من أجهزة تهديه في حياته وتساعده على السير إلى الكمال. وإن شئت فانظر إلى الأشياء المحيطة بك مما هو من مظاهر حكمته تعالى. فلاحظ العين مثلا فإنّ فيها ما يقرب من مائة وأربعين مليون مستقبل حساس للضوء تسمّى بالمخاريط والعصي ، وطبقة المخاريط والعصي هذه واحدة من الطبقات العشر التي تشكل شبكيّة العين ، ولا يتجاوز ثخانتها ـ بطبقاتها العشر ـ أربعة أعشار المليمتر الواحد. ويخرج من العين نصف مليون ليف عصبي ينقل الصورة بشكل ملون!
وهذا القلب وهو مضخة الحياة التي لا تكلّ عن العمل ، فإنه ينبض يوميا ما يزيد على مائة ألف مرة ، يضخ خلالها ثمانية آلاف ليتر من الدم ، وبمعدل وسطي يضخ ستة وخمسين مليون غالون على مدى حياة الإنسان ، فترى هل يستطيع محرك آخر القيام بمثل هذا العمل الشاق لمثل تلك الفترة الطويلة من دون حاجة لإصلاح؟
وأمثال ذلك الكثير مما لا تستوعبه السطور بل ولا الزبر. إنّ معطيات العلوم الطبيعية عما في الكون أفضل دليل على وجود الحكمة الإلهية في الفلكيّات والأرضيات. ولا نطيل الكلام في الحكمة بهذا المعنى ، فإنها في الحقيقة من شعب القدرة التي استوفينا الكلام فيها. على أنّه يمكن الاستدلال على كونه حكيما من وجهين آخرين غير ما مر:
الأول : إنّ إرادته سبحانه تعلقت بخلق كل شيء بأحسن نظام ، وإلّا فإنّ صدور فعل خارج عن الإتقان والإحكام ، إمّا لأجل جهل الفاعل بالنظام الصحيح ، وإمّا لأجل عجزه ، وكلا العاملين منفيان عن ساحته ، لسعة علمه لكلّ شيء وسعة قدرته. فعدوله عن مقتضى العلم والقدرة الوسيعين يحتاج إلى دليل ، وليس هو إلّا كونه عابثا ولا غيا ، وسيوافيك فيما يأتي أنّه منزّه عن القبيح.
الثاني : إنّ أثر كل فاعل يناسب واقع فاعله ومؤثره ، فهو كالظل يناسب ذا الظل. فالفاعل الكامل من جميع الجهات يكون مصدرا لفعل كامل ، وموجود متوازن أخذا بقاعدة مشابهة الظل لذي الظلّ.
الحكمة والإتقان في الكتاب والسنة: إنّ توصيفه سبحانه بالحكمة بهذا المعنى ورد في الذكر الحكيم ، قال سبحانه : (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (1).
وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى الحكمة الإلهية بمعنى الإتقان والإحكام بقوله : «قدر ما خلق فأحكم تقديره» (2).
وقوله : «مبتدع الخلائق بعلمه ، ومنشئهم بحكمه ، بلا اقتداء ولا تعليم ولا احتذاء لمثال صانع حكيم» (3).
ثم إنّ بعض المغرورين أثاروا شكوكا حول حكمته تعالى ، وسألوا عن فوائد الأمور التالية وهي :الزائدة الدوديّة، اللوزتان، ثديا الرجل، صيوان الأذن، الفضاء الوسيع. ولكن هؤلاء اغتروا بما حصلوا عليه من علوم تجريبية ، وتصوروا أنهم أحاطوا بأسرار العالم ، مع أنّ الواقعيين من العلماء يعترفون بضالة علومهم وقلة اطلاعهم على سنن الكون ورموزه. قال سبحانه : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (4).
وقال سبحانه : (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) (5). هذا ، مع أنّ العلم الحديث كشف عن الفوائد الجمة لهذه الأمور التي استشكل فيها هؤلاء المغرورون وزعموا أنّها مضادة لحكمته سبحانه (6).
_____________
(1) سورة هود : الآية 1.
(2) نهج البلاغة ، الخطبة (91).
(3) نهج البلاغة ، الخطبة (191).
(4) سورة الإسراء : الآية 85.
(5) سورة الروم : الآية 7.
(6) لاحظ «الله خالق الكون» ص 370 ـ 378 ، تحت عنوان «الأعضاء الزائدة لماذا»؟