ودخلت مصر في حوزة أوغوسطوس، كما سبق وأشرنا في اليوم الأول من آب سنة 30ق.م.، فأشرف على إدارة شئونها وتنظيم فتحها القائد الأديب «غايوس كورنيليوس غالوس G. Cornilius Gallus»، وكان هذا القائد قد تولى الدفاع عن ولاية أفريقية في أثناء النزاع بين أوغوسطوس وبين أنطونيوس، واحتل «مرسى مطروح Praetonium»، فاستحق ثناء أوغوسطوس وتقديره، وكان شاعرًا له مكانته في حركة التجدد في الشعر اللاتيني، ولعله اشترك مع فيرجيليوس في إعداد «الكيريس Ciris» (1)، ولكنه لم يبدع في إدارة مصر، فإن مطالبه المالية أدت إلى ثورة في الصعيد، وإلى انتفاضة قاسية شديدة في مدينة «هيروبوليس Herooupolis» في شرق الدلتا، ووفق غالوس في إخماد هذه الثورة في برهة وجيزة، فخلَّد عمله في نقش تاريخي أقامه في جزيرة Philae في أقصى الجنوب في الخامس عشر من نيسان سنة 29ق.م.، فاش به فيشًا وافتخر بأكثر مما فعل (2)، ثم استقبل غالوس في هذه الجزيرة نفسها وفدًا حبشيًّا مفاوضًا، ووقع معه معاهدة صداقة، جعلت حد الولاية المصرية عند الشلال الأول، وجعلت من الحبشة محمية رومانية، ومن «التريكونتسخينس Triakontoschoinos» بين الشلال الأول والشلال الثاني، التي كانت خاضعة في عهد مضى للبطالسة، إمارة فاصلة بين مصر والحبشة (3)، وعاد غالوس إلى مصر ناصبًا صدره تكبرًا، فأقام لنفسه التماثيل ونثرها، ونقش انتصاره نقشًا على الأهرام، فاستدعاه أوغوسطوس إلى رومة، وادعى عليه ذنوبًا وذنوبًا، وتقوَّل عليه ما لم يقل، وأوجب السناتوس محاكمته، وإبعاده ومصادرة أملاكه، فانتحر في السنة 26ق.م (4).
وأنفذ أوغوسطوس «ناظرًا praefectus» آخر إلى مصر ليدبر أمورها، هو «ماركوس آميليوس غالوس Marcus Aemilius Gallus» صديق سترابون الجغرافي اليوناني المؤرخ وصاخب الرسائل الطبية، وأوجب أوغوسطوس تجريد حملة عسكرية على الجزيرة العربية للاستيلاء على شاطئها الغربي، ولا سيما زاويته الجنوبية، تسهيلًا لأعمال التجارة وطمعًا بالمال، ولكن ما كاد غالوس الجديد يسوق جنود مصر لهذه الغاية في السنة 25ق.م.، حتى استغل الأحباش الظرف الجديد، فأغاروا على مصر العليا، وأتلفوا قواعدها، ونهبوا فيلة وأسوان والألفنتين (5)، وتولى نظارة مصر «بترونيوس C. Petronius» (6)، فهرع إلى أقصى الجنوب على رأس عشرة آلاف ماش وسبعمائة فارس، فطرد الأحباش وتعقبهم في داخل حدودهم، وأنزل بها هزيمة عند «دكة Pselcis»، وتابع السير جنوبًا حتى قصر «عبريم Primis» و«نباتة Napata» عاصمة الحبشة الشمالية، فامتنعت الملكة «القنداقة» في حصن قريب، وأفلت ابنها من العاصمة، فدمَّر بترونيوس نباتة، وحرر بعض الأسرى الرومانيين، واستحوذ على تماثيل أوغوسطوس، وعاد إلى قصر عبريم فحصنه وشحنه بأربعمائة مقاتل، وموَّنه مؤنة سنتين، وانكفأ راجعًا إلى مصر والإسكندرية، وأرسل ألف أسير حبشي إلى رومة يعلن بهم انتصاره على الحبشة، وبعد سنتين (22ق.م.) عادت القنداقة إلى ميدان القتال، وحاصرت قصر «عبريم Primis»، ولكن بترونيوس تمكن من فك الحصار، فرضخت القنداقة، وأرسلت وفدًا مفاوضًا، وكان أوغوسطوس قد قام ساموس مشتيًا (21-20ق.م.) فاستقبل الوفد، وأكرمه، وقبل برفع الجزية عن الأحباش مقابل سلم دائم بين الدولتين، واعتراف الحبشة بضم «الدودكاسخينس Dodekaschoinos» النوبة السفلى إلى مصر (7)، وأمست النوبة السفلى منطقة حدود عسكرية تحمي مصر من الجنوب، واستقرت العلاقات بين رومة والحبشة على هذا الوجه مدة تربو على القرنين، ومن آثار هذا التفاهم نقش «بسلكيس Pselcis» في النوبة السفلى، الذي يعود إلى السنة 13ق.م (8).
وظلت مصر مرمى بصر أوغوسطوس لأسباب بعضها عسكري وبعضها شخصي، فالفتح كان لا يزال ابن الساعة، والأحباش وقبائل الجنوب كانوا لا يزالون يطمعون في غنائم وادي النيل ودخل مصر، الذي تولى أوغوسطوس نفسه أمر إنفاقه، كان عظيمًا، ونتاجها الكبير في الحبوب كان ضروريًّا لإسكات الجماهير في رومة، فأدى هذا كله إلى إبقاء قوة كبيرة في مصر، وازت ضعف ما أبقاه أوغوسطوس لمجابهة الحظر البرتي عند الفرات، فشمل جيش الاحتلال ثلاث فرق كاملة «الثالثة القيرونية III Cyrenaica»، و«الثانية والعشرين الديوتارية XXII Dejotariana»، و«الثانية عشرة الفولمينة XII Fulmina» وتسعة أفواج مساعدة، وثلاث آلايات من الخيالة، فكان المجموع حوالي ثلاثة وعشرين ألفًا.
ورابطت الفرقة الديوتارية الباسلة على بعد خمسة كيلومترات من مدخل الإسكندرية الشرقي من مدينة النصر «نيكوبوليس»، التي أنشأها أوغوسطوس، تخليدًا لانتصاره على أنطونيوس وكليوبترة، وكان رجالها من الغلط الأشداء المدربين على القتال بالطرق الرومانية، وقد دخلوا في عداد الفرق الرومانية بعد مأساة فاروس في ألمانية، فعُرفوا بالرقم 22، ويذكر سترابون أن فرقة أخرى رابطت في بابليون عند رأس الدِّلتا مقابل الأهرام، ولكنه لا يعين اسمها ولا رقمها (9)، ولعل الفرقة الثالثة القيرونية استقرت في طيبة، أو في «قُفط Coptos»، ولا نعلم بالضبط أين استقرت القوات الأخرى ولا سيما آلايات الخيالة، ولكن لا بد وأن تكون «الفرما Pelusium» مفتاح البر، على حد تعبير تكيتوس، قد نالت نصيبها من الجيش الاحتلالي (10)، ولا بد أيضًا وأن تكون القيادة الرومانية قد أقامت مراكز عسكرية دائمة لحماية الطريق المؤدية من الفرما إلى بابليون، ومن الفرما بطريق «سقارة Scrapeum» إلى «القلزم Clysma, Colzum» عند رأس خليج السويس، وجرى مثل هذا في الأرجح على الطرق المؤدية من الإسكندرية إلى «ممفيس Memphis» وإلى قيرينة، وكانت «اشمونين Hermoupolis Magna» مقرًّا رئيسًا لجباة الكمارك على البضائع الواردة من مصر العليا، فاستحقت هي أيضًا حامية عسكرية، ومع أن إقامة الأبراج العسكرية في نقاط متوازية على ضفتي النيل بين طيبة وأسوان كانت خطة رومانية ثابتة، فإن إنشاءها في عهد أوغوسطوس غير ثابت، ولكن لا بد وأن تكون القلاع الرومانية قد أنشئت منذ أيام أوغوسطوس عند «تافا Tafa»، والباب في منطقة أسوان، وفي دكة أيضًا Pselcis (11).
وشرعت رومة منذ عهد أوغوسطوس في استثمار المناجم والمقالع المصرية بين النيل والبحر الأحمر، واتخذت من مدينة قفط مركزًا لتوزيع النتاج، وكانت القوافل التجارية القادمة من مرفأي «البندر الكبير Berenice» و«هورموس Myos Hormos» على البحر الأحمر تلتقي في قفط أيضًا، فوكل أوغوسطوس أمور هذه المنطقة كلها إلى ضابط عسكري كبير، حمل اللقب «ناظر برنيقية Praefectus Berenices» (12)، وأمر أوغوسطوس بتسهيل الاتصال والنقل في هذه المنطقة الصحراوية المضطربة، فحمى الناظر الطرقات والمناجم والمقالع وحَفَر الآبار لأبناء السبيل، وحصنها؛ كي لا يعبث بها رجال القبائل المجاورة (13).
وأنشأ أوغوسطوس أسطولًا، وجعل قاعدته الإسكندرية، فعرف ﺑ «الأسطول الأغوسطي الإسكندري Classis Augusta Alexandrina»، وأردفه بأسطول نهري، فأمن الأول بالتعاون مع الأسطول السوري نقل الحبوب إلى رومة، وعاون الثاني في تأمين الملاحة في النيل من مصبه حتى الشلال الأول، ولعله عين «ناظرًا praefectus» خصوصيًّا لقيادة البحر والنهر معًا.
وآثر أوغوسطوس في سائر أمور مصر إبقاء القديم على قدمه، فحلَّ هو محل البطالسة والفراعنة في دين مصر وطقوسها، ومثله في ذلك ناظر مصر، ومع أنه أبى أن يزور عجول مصر المقدسة في ممفيس وسيرابيوم، فإنه لم يبطل عبادتها، ولم يوجب التعبد لآلهة رومة، وأبقى كذلك الإدارة على ما كانت عليه في عهد البطالسة، وحلَّ هو محل كليوبترة فربط مصر برومة بشخصه، وظلت مصر مقسمة إلى مقاطعات إدارية ريفية إلى ستة وثلاثين «نوموسًا nomos» والنوموس إلى توبورخيات والتوبورخية إلى قرى، ولم يدخل أوغوسطوس النظام المديني الروماني، وظلَّ المصري العادي في القرى والمدن محكومًا لا يشترك في الحكم، ولا يتمتع بحقوق سياسية، وظل اليونانيون المقدونيون طبقة أعلى من الطبقة المصرية يتمتعون بحقوقهم السياسية القديمة في كبريات المدن، ولا سيما الإسكندرية (14)، وظلت لغتهم لغة الحكومة، ولم تقوَ اللاتينية عليها إلا في المعسكرات.
وعني أوغوسطوس بتأمين البلاد أكثر من ذي قبل، واهتم لكري الترع وتوسيع شبكتها، وسهَّل المواصلات، وأمنها وشجع التجارة مع الهند عبر البحر الأحمر، فزاد عدد السفن التي مخرت عباب هذا البحر من 26 في عهد كليوبترة إلى مائة في عهده، ولكن المصري العادي وجد الحكم الجديد أشد وأضبط مما كان عليه في عهد البطالسة، فقدَّم إلى الخزينة أكثر مما قدمه في ما مضى (15).
..............................................
(1) SKUTSCH, F., Vergil und Gallus, (1906).
(2) STRABO, 17:819; CIL, III, 14147.
(3) Or. Gr. Inscript. Selectae, 111.
(4) DIO CASS., 53:25; SUET., Aug. 66.
(5) STRABO, 17:820; DIO CASS., 54:5; PLIN., Hist. Nat., 6:181 f.
(6) MAIORI, A., La Successione Elie Gallo — C. Petronio, Saggidi Storia Antica e di Archeologia, (1910).
(7) Res Gestae, V, 18-19; DIO CASS., 54:5; STRAB., Geog., I, 54; PLIN., Hist. Nat., VI, 181-182.
(8) CIL, 5080.
(9) STRABO, XVII, 797, 808.
(10) “Claustra terrae”، TAGITUS, Ann., II, 59.
(11) Inscriptiones Graecae ad res Romanas pertinentes, I, 1366.
(12) “Montis Berenicidis, praefectus praesidiorum et montis Berenices”، CIL, III, 13580; DESSAU, 2698–2700.
(13) PLIN., Hist. Nat., VI, 102-103.
(14) JOUGUET, P., La vie municipale dans l’Egypte Romaine, (1911).
(15) WALLACE, S.L., Taxation in Egypt from Augustus to Diocletion, (1938) ; JOHNSON, A.C., Economic Survey of Ancient Rome — Roman Egypt, (1936).