نبذة تاريخية عن ظاهرة الرأي العام:
أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد شهد تطورات عديدة في شتى مجالات الحياة نتج عنها أن أصبح الرأي العام صاحب السلطة الحقيقية. ومن هذه التطورات الثورة الصناعية والنمو والتضخم السكاني في شتى بقاع العالم والتقدم العلمي والتكنولوجي، وارتفاع مستوى التعليم وزيادة الحراك الاجتماعي بين الطبقات والشعوب، والانفتاح على العالم نتيجة استخدام وسائل الإعلام وانتشارها، الأمر الذي جعل هناك مساهمات للشعوب في اتخاذ القرارات التي تخصها أو ترتبط بمصيرها في تزايد مستمر، وأصبحت السلطة في يد الرأي العام يمنحها ويسلبها ممن يرى.
وعلي الرغم من حاجة كل النظم السياسة إلى قوة وتأييد الرأي العام إلا أنه من المتعارف عليه أنه كلما زادت جرعة أو حجم الديموقراطية داخل النظام السياسي للمجتمع كلما زادت درجة حاجته واعتماده على الرأي العام؛ ففي المجتمع الديموقراطي نجد الاعتماد الكلي على عمليات استخدام مستمرة للمعلومات والأفكار التي ترد إليه من بيئته المحلية والخارجية، وذلك داخل أجهزة صنع القرار؛ حيث تعتبر هذه المعلومات أحد المدخلات الأساسية للنظام وتعبر عن مطالب واهتمامات ومساندات الرأي العام. وبعد الوصول إلى القرار واتخاذه يتم نقله إلى من سيتعاملون مع القرار وينتظر أن يستجيبوا له. وفي المقابل فإن النظم غير الديموقراطية مثل الدول النامية ودول العالم الثالث - تعكس مطالب واهتمامات الرأي العام وفقا لذلك، فالنظام السياسي يشمل التفاعلات التي تتم بين السلطة السياسية والمواطنين وتسمح بصنع القرارات التي يقوم المواطنون بتنفيذها، وذلك كله في إطار مجموعة من القواعد والإجراءات والمؤسسات والفلسفات التي تحكم عمل الطرفين.
ولذلك فإن الرأي العام ظاهرة قائمة في كل المجتمعات على الرغم من اختلاف طبيعة ودرجة فعالية الرأي تبعا لأيديولوجية النظام القائم وتوجهاته. ومن غير وجود هذه الظاهرة والاعتراف بقوتها وسطوتها، ولذلك سعت كل الحكومات باختلاف أنظمتها إلى معرفة توجهات الرأي العام ومدى قوته.
كما أن قياسات الرأي العام في الدول الديموقراطية تلعب دورا مهما في رسم بعض السياسات أو تعديلها أو ربما إلغائها وتهتم وسائل الإعلام بهذه العمليات فتسلط عليها الأضواء، وتأتي بكبار المحللين لشرح نتائجها، وتتصدر هذه التحليلات نشرات الأخبار والصفحات الأولى من الصحف.
يضاف إلى ذلك أهمية الرأي العام للنظم السياسية أدت إلى قيام مراكز متخصصة لقياسه خاصة في الدول الديموقراطية؛ حيث يوجد بكل مركز قسم خاص يعرف بقسم الرأي العام في كل وقت إزاء مختلف القضايا واستخلاص نتائجها وتحليل مؤشراتها ودلالاتها وفق قواعد معينة. وعلي الرغم من الاهتمام العالمي بقياس الرأي العام إلا أن مصر كانت تخلو حتى وقت قريب من تلك المراكز المتخصصة نظرا لقلة الوعي بأهميته ولظروف تاريخية وحضارية.
بالإضافة إلى أن تقنين العلاقة بين الرأي العام وصانعي القرارات يؤدي إلى خلق التفاعل الطبيعي بين اهتمامات وقضايا الرأي العام وقرارات السلطة السياسية، الأمر الذي يضمن الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي من ناحية وإحداث التغيرات المجتمعية من ناحية أخرى.
وبداية من النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأت تتبلور قوة وأهمية الرأي العام ولم يستطع مؤرخ أو باحث أن يتجاهل وجود قوة سياسية واجتماعية تدعى (الرأي العام) سواء أكان يقرها أو ينكرها؛ لذلك فالرأي العام قد نجده في داخل دائرة اهتمام جميع التخصصات، مثل: السياسة والاقتصاد والنواحي الاجتماعية والنفسية وعلماء المناهج ... إلخ، كل له إسهاماته ووجهة نظره في تلك الظاهرة وذلك أوجد تعارضا في بعض الأحيان في حصيلة النتائج التي تسفر عنها الدراسات في كل مجال؛ نظرا لاختلاف الانتماءات التخصصية والاتجاهات الأيديولوجية، إلا أن هذا التعدد والتعارض أدى في الوقت نفسه إلى إعطاء صورة متنوعة ومتكاملة للظاهرة، وأتاح فرصة التمايز والتنوع بين النتائج، وذلك أدى إلى الوقوف على كافة المتغيرات والعوامل المؤثرة في الرأي العام.