
كليوبترة في أواخر عهدها على قطعة من النقود سكت في عسقلان.
وعادت كليوبترة إلى الإسكندرية رافعة «أكاليل النصر»، وقبضت على من شكت بإخلاصهم، وأمرت بهم فأُعدموا، وأبحر أنطونيوس إلى قيرونة، فوجد أن جنوده فيها كانوا قد التحقوا بغالوس، فكاد ينتحر لولا تدخل بعض المقربين إليه، ثم تابع الإبحار إلى الإسكندرية، وبدأت كليوبترة تعد الخطط، فاقترحت النزوح إلى إسبانية والسيطرة على مناجمها الفضية، وتمثيل دور سرتوريوس مرة أخرى. ومما اقترحته أيضًا وبدأت بتنفيذه، إنشاء دولة في المحيط الهندي، وأمرت بنقل بعض سفنها عبر البرزخ إلى «هيرونوبوليس Heronopolis» على البحر الأحمر، ولكن ملكو ملك الأنباط هاجمها وأحرقها، ورأت أن تتودد إلى ملك مادي لتتحالف معه، فأمرت بإعدام «أرتفسدس Ariavasdes» ملك ألبرت، الذي كان لا يزال لاجئًا في مصر. وعرضت هذا كله على أنطونيوس لتنال موافقته وتعاونه، ولكن كارثة أكتيوم كانت قد حطَّمت أعصابه فأخلد إلى العجز، ورضي بالحرمان، وانزوى في بيت عند الشاطئ يمثل فيه دور تيمون المبتعد عن غيره. وحاولت كليوبترة إقالته من عثرته بشتى أنواع اللهو، فانتقل إلى قصرها، ولكنه أبى الدفاع عن مصر عند النيل؛ لأنه خشي انحياز الجنود إلى جانب خصمه كما فعلوا أخيرًا في قيرونة، وكما كانوا سيفعلون قريبًا في سورية لدى وصول أوكتافيانوس إليها، وحفظ عهده جماعة من المصارعين كانوا يتدرَّبون في شبه جزيرة كيزيكوس عند بحر مرمرا؛ ليحتفلوا بانتصاره على أوكتافيانوس، ووفُّوا وقاموا إلى مصر عبر سورية، ولكن ديديوس منعهم من العبور، فلما جاء ميسَّالة، قائد أوكتافيانوس، أمر بهم فقُتلوا.
ورأت كليوبترة أنها إذا إذا قاتلت وحدها دفاعًا عن مصر وقدِّر النصر لأوكتافيانوس ذهب ملكها وملك أولادها أيضًا. أما إذا حذت حذو هيرودوس وغيره من ملوك الشرق وأمرائه، ووضعت تاجها بين يدي أوكتافينوس، بقي لأولادها أمل في الاستمرار في الحكم. وهكذا، فإنه عندما طالب المصريون بالدفاع عن بلادهم والصمود في وجه أوكتافيانوس نصحت بالاستسلام حقنًا لدماء رعاياها! (1)
وفي صيف السنة 30، قام أوكتافيانوس إلى مصر عن طريق سورية، بينما زحف غالوس من الغرب واحتل «برتونية Paraetonium» في غرب الإسكندرية، وأراد أنطونيوس أن يصد غالوس، ولكنه خسر أربعين سفينة في مياه برتونية، فكتب إلى أوكتافيانوس يؤكد استعداده للانتحار إذا كان في ذلك ما يخلص كليوبترة من الهلاك، فلم يجب أوكتافيانوس، واحتفظ بالصمت، ولا صحة فيما يُعزى إلى كليوبترة من خيانة من هذا الظرف (2)، وجل ما هنالك أنها قدمت تاجها وصولجانها إلى أوكتافيانوس؛ راجية أن يبقي الملك لأولادها، أما هو، فإنه طلب إليها رسميًّا أن تنزع السلاح، وأكد لها سرًّا أن لا خوف عليها، وكان أوكتافيانوس يعلل نفسه بالاستيلاء على أموال كليوبترة وجواهرها؛ ليسد بها مطالب الجند. وكانت كليوبترة قد بدأت تشيد ضريحها بالقرب من هيكل إيسيس، فلما اقترب أوكتافيانوس من الإسكندرية لجأت إلى ضريحها بمالها وجواهرها واثنتين من جواريها، فكدَّست أموالها في طبقة سفلى، ولجأت هي إلى غرفة عليا، وباتت تنتظر قدوم الفاتح، فإن أبقى الملك لأولادها سلمته ما تمنى، وإن هو أبى أضرمت النار بالغرفتين. ووصلت طلائع الفرسان إلى ضواحي الإسكندرية في الحادي والثلاثين من تموز، فهبَّ أنطونيوس لقتالهم وشتت شملهم. وفي الليل سُمعت أصوات موسيقية شجية تمر بالمدينة من غربها حتى شرقها فتخرج منها، فاعتبرت أصوات جوقة ديونيسوس الذي صمم على ترك أنطونيوس وشأنه. وفي الصباح انحاز فرسان كليوبترة وبحارتها إلى جانب أوكتافيانوس، وسمع أنطونيوس أن كليوبترة ماتت فانتحر بخنجره، ولكنه لم يمت فورًا، ثم سمع أنها لا تزال حية فطلب أن يُحمل إليها، وما إن وصل حتى لفظ أنفاسه بين ذراعيها، ودخل أوكتافيانوس الإسكندرية في هذا اليوم نفسه في أول آب السنة 30. ولم يُعيَّش إمبراطورًا؛ لأنه دخل المدينة بدون قتال، ولكن دخوله إليها ظهر في «التقويم Fasti»؛ ليخلد ذكرى خلاص رومة من الخطر الذي أحدق بها (3)، وفور وصوله إلى الإسكندرية أرسل صديقه «بروكولايوس Proculeius» يقبض على كليوبترة حية. فذهب إلى ضريحها وكلمها فأجابته من وراء شعرية النافذة، مُصرَّة على حفظ التاج لأحد أولادها، فعاد إليها في اليوم التالي، وطلب إلى رفيقه غالوس أن يحادثها، وفي أثناء الحديث تسلق هو وبعض رفاقه حائط الضريح، ودخلوا على كليوبترة من نافذة ثانية، وقبضوا عليها. واستولى أوكتافيانوس على أموالها، ونقلها إلى رومة، فتمكن بها من سد مطالب الجنود، ودفع أثمان الأراضي التي صودرت، ومن إنشاء بعض المنشآت العمومية وتوزيع الحصص على أفراد الشعب، وسقطت الفائدة المطلوبة لأجل الديون من 12 إلى 4 في المائة (4).
وسمح أوكتافيانوس لكليوبترة بدفن أنطونيوس، وأمر ﺑ «تورليوس Turullius» وكاسيوس البرمي فقُتلا؛ لأنهما قتلا قيصر، وقضى كذلك بإعدام «أوينيوس Ovinius» عضو مجلس الشيوخ الروماني وكنيديوس الضابط يمين أنطونيوس، ولم يرضَ عن بقاء أنطونيوس الصغير في قيد الحياة؛ لأن والده أنطونيوس كان قد رغب في أن يكون هذا الولد خليفته. وكانت كليوبترة قد حاولت إبعاد قيصريون إلى المحيط الهندي؛ لينجو بحياته، فقبض أوكتافيانوس عليه وقتله؛ لادعائه بأنه ابن قيصر من كليوبترة، ورغب أوكتافيانوس رغبة أكيدة في زوال كليوبترة، وانتظر الرومانيون إنزال عقاب الموت بها، ولكن أوكتافيانوس أبى أن يقتل امرأة، وآثر أن تقتل هي نفسها. وكان يعلم أنها تكره كُرهَ الموت أن تظهر في موكبه في رومة مكبلة ذليلة، فأقدم بها على الانتحار بالتهويل غير المباشر بأنه سيجرَّها إلى رومة بعد أيام قلائل، فضعف احتمالها، ونفد صبرها، واستأذنت أن تزور قبر أنطونيوس، فكان لها ذلك. وعادت في العاشر من آب إلى قصرها، واستحمت وتناولت آخر وجباتها، ثم كتبت إلى أوكتافيانوس أن يسمح بدفنها قرب أنطونيوس، فما كاد أوكتافيانوس يطلع على مضمون هذه الرسالة حتى أدرك ما جرى، فأنفذ رسله على جناح السرعة إلى قصر كليوبترة، فوجدها ملقاةً على سريرها جسدًا هامدًا خافتًا. واختلف القدماء في كيفية الانتحار، ولا يزال هذا الأمر غامضًا حتى يومنا، وجل ما وُجد آنئذٍ من آثار فعل الانتحار وخزتان نحيفتان في ساعد كليوبترة الأيسر، ولا نعلم ما إذا كانت هاتان النخستان أثر لسعة صل أو وخز إبرة سامة، ولم يرَ أحد صلًّا في القصر، وإنما قال البعض: إنهم رأوا صلًّا خارج القصر عند الشاطئ، فاعتبر أوكتافيانوس الصل سبب الوفاة (5).
................................................
(1) PSEUDO-ACRO, Horace, Odes, I, 37 (Keller, I, 133).
(2) BLUMENTHAL, F., Wiener Studien, 1915, 92–97; TARN, W.W., Journ. Rom. Stud., 1931, 196.
(3) C.I.L., Fasti Fratrum Arvalum, 214, Fasti Amiterni, 244.
(4) TARN and CHARLESWORTH, op. cit., X, 108-109.
(5) SPIEGELBERG, W., Weshalb wahlte Kleopatra den Tod durch Schlangenbiss? (Sitzungberichte der bayrischen Akad. der Wissenshcaften 1925, II, 1–6); SBORDONE, F., La Morte di Cleopatra (Rev. indo-greco-italica, 1930, 1–20); IDRIS BELL, H., Egypt from Alexander to the Arab Conquest, (1948), 141, n. 39; VOLKMANN, H., Cleopatra, (1959), 189–207.