إذا بكى صغيرك لأنه جائع، فليس من المعقول أن تقدمي له لعبة ... وإذا كان يبكي لأنه يريد الالتصاق بك، فلا تمدي له يدك بقطعة من البسكويت، لأنك، تخلفين لديه شعوراً بالقلق والبلبلة. وإذا أحس الصغير أنك تبذلين جهدا لفهمه، وأنك تستجيبين لطلباته بشكل سليم، فهو يشعر بأهميته ويزداد ثقة بالنفس، كما يصبح مع الوقت، أكثر جرأة وإقداماً عن غيره من الأطفال.
الاستجابة تعني إظهار القدرة على تلقي حاجات الطفل ورغباته وتنفيذها بشكل سليم.. الأمر يبدو في غاية السهولة نظرياً، ولكنه ليس كذلك إذا نظرنا الى الجانب العملي. فكيف يمكن للأم تحديد اللحظة المناسبة التي يجب عليها أن تتدخل فيها لتساعد الصغير وتطمئنه وتهدئه دون أن تبدو له مزعجة أو فضولية؟
حتى يمكنك (ضبط) نفسك على احتياجات صغيرك، يجب أن تجدي حلا وسطاً بين اللامبالاة والتطفل. مؤكد، أنت تنفين عن نفسك (تهمة) اللامبالاة مثل الغالبية العظمى من الأمهات. فما رأيك في التطفل؟ يقول (جون لوكامي) مدرس علم النفس: تكون الأم مستعدة دائماً لبذل كل ما بوسعها خشية أن تصبح من ضمن الامهات المهملات أو اللامباليات. حتى أن بعض الامهات يحرصن على التكهن بحاجات الصغير قبل أن يعبر عنها. وهذا السلوك يحول دون نمو حس الاستقلالية لدى الصغير.
فإذا أردت الإمساك بالعصا من منتصفها، بين اللامبالاة والتطفل والاستجابة لحاجات الصغير دون إفراط أو تفريط، إليك بعض النصائح.
مع المولود الجديد: بعد الولادة مباشرة، وخلال الاسابيع التي تعقبها، يمكن تشبيه طلبات الصغير بالحروف الهيروغليفية التي تصعب ترجمتها فكيف على الأم أن تقدم الإجابة المناسبة إذا كانت تعجز عن فهم ما يقصده الصغير؟
يجب أن تعرفي أن عليك إقامة جسور الحوار بينك وبين طفلك حتى إذا كان عاجزا عن الكلام - وسوف يظل كذلك لشهور طويلة - وأن تخلقي لغة ناعمة وحانية خاصة بكما. يقول جون لوكامي ايضا: (إن أول طلبات الصغير التي يجب أن تتعلمي كيفية الكشف عنها تنتقل اليك عبر القنوات الحسية الشم اللمس الرؤية السمع.. وعليك أن تتوصلي الى بناء حديث يشترك فيه كل من الجسد والمشاعر). ومفرداته كالتالي:
حاسة البصر: لإرضاء صغيرك يجب أن تهتمي بالنظر إليه من آن لآخر. فلا تكتفي بمجرد مراقبته للمح أية إشارة أو حركة يمكن أن تمدك بمعلومة عن حاجاته لحظيا ولكن احرصي على مد جسر بصري بينك وبينه يقوم على لغة العيون.
حاسة السمع: يجب أن تعتادي على الإنصات لصغيرك. فكثير من الآباء يقومون بمقاطعة الصغير دون أن يدركوا ذلك، إذ يقومون بمداخلات صوتية ونغمية في نفس الوقت الذي يصدر الصغير فيه نغماته الخاصة رغبة منهم في الانصهار الكامل في دنياه. ولا يعلمون أنه يحتاج قبل كل شيء، لأن يستمع اليه الآخرون.
حاسة اللمس: عندما يتلوى طفلك وهو بين ذراعيك، فقد يقصد بذلك أنه غير مرتاح فى هذا الوضع، فيستخدم لغة الجسد ليفهمك أنك لست متوافقة مع طلباته. يقول الباحث لوكامي: يمر المولود الجديد بلحظات لا يحتاج فيها الى التواصل أو الحركة، وإنما يبحث فقط عن الاتصال الفيزيائي بأمه الجسدي.. عندئذ لا تقومي بالتحدث اليه أو هدهدته، بل حاولي أن تلصقيه بك، فهو يحتاج الى الإحساس بحرارة جسدك. ولكي تصبحي أماً مثالية (منضبطة) عليك أن تتعلمي كيف تحترمين إيقاع الصغير، وتستجيبين لطلباته بالأسلوب المناسب، وفي الوقت المناسب.
منذ الشهر العاشر: يبدأ الطفل في هذه السن في تعلم مبادئ الكلام والمشي، وتزداد مهمة الأم تعقيدا ويصبح هاجسها عدم القدرة على الوفاء بجميع طلباته.
تعلم الكلام: يقول الباحث لوكامي: أثبتت الأمهات قدراتهن على التكيف اثناء الحديث مع صغارهن ... فبعضهن يلجأن الى إصدار نغمات ذات تردد عال، والبعض الآخر منهن يعمدن الى جعل أصواتهن أكثر حدة لجذب انتباه الصغير، ومعظمهن يبدين تفهماً أكبر نحوه لمساعدته على تعلم الكلام، فيحرض على اختصار عباراتهن، وترديد كلماتهن أكثر من مرة، واستخدام مفردات سهلة ومفهومة.
هكذا تتمكن الأم من فهم متطلبات الصغير بالحد الأدنى من الكلمات. وعلها، بعد ذلك، تبحث عن الطلبات الأخرى التي تختفي وراء كلماته التي تظل غير مفهومة بالنسبة لها. ويكون ذلك بأن تطلب منه إعادة صياغة عباراته التي لم تفهمها، والا تتردد في استخدام مفردات أكثر تقدماً وصعوبة بالنسبة له، حتى تساعد على إثراء قاموسه.
تعلم المشي: حتى تكوني مستجيبة جيدة لطلبات صغيرك، يجب أن تساعديه على التقدم بسرعة فى مهارات المشي، وذلك عن طريق مساعدته على التنقل واقفاً منذ أن يبلغ الشهر السابع. فذلك يحقق رغبته القوية في اكتشاف العالم من حوله والتي يحول دونها بقاؤه في وضع النوم والجلوس طوال الوقت. وعليك التوقف عن ذلك ما ان يبلغ شهره التاسع أو العاشر لأن هذه المساعدات تعوقه عن تعلم المشي، فهو بحاجة في هذه السن، إلى أن يعتمد على نفسه في العثور على حالة من التوازن، وفي محاولة الوقوف وعمل الخطوات الأولى، وذلك يفيده في هذه المرحلة أكثر من الاعتماد على المساندة الخارجية.
باختصار شديد، عليك أن تتعلمي كيف تفكين رموز طلباته ورغباته التي يعجز في معظم الاحوال عن التعبير عنها. وكيف تهيئين له مساحة من الامان يمكن أن يكتسب في إطارها الخبرات والتجارب الحياتية اليومية بدون عوائق.