منذ فيلهاوزن Welhausen، قبل حوالي قرنٍ من الآن، حاولَت الفرضيةُ الوثائقيةُ لأصول الأسفارِ الخمسةِ الأولى من العهد القديم أن تقيم توازنًا أو تواشجًا بين الروايةِ الدينيةِ التوراتيةِ والمعطياتِ الأركيولوجيةِ والتاريخية لفلسطينَ القديمة، ثم نشأ تيارٌ للتوفيق بين المروياتِ التوراتيةِ وتاريخِ الشرق الأدنى، وساهم فيها ماير وغونكيل وإيسفيلت.
وكانت لأعمال «ألبرايت Albright» الفضلُ في تأسيس وتحديد حِقبةٍ تاريخيةٍ بطريركية في سياق تاريخ الشرق الأدنى القديم. رغم أن آخِرَ نظرياتِ ألبرايت — والتي حاول فيها إظهارَ إبراهام (إبراهيم) كراعي قافلةِ حميرٍ في العصر البرونزيِّ الوسيطِ الأول — فإنها قد لَقِيَت معارضةً قويةً ورُفضَت أواسطَ السبعينيات (1).
ورغم كلِّ الجهودِ التي بذلها الآثاريونَ والمؤرخونَ الذين حمَلوا معهم خلفياتِهم التوراتيةَ لإثبات أحداثِ الروايةِ الدينيةِ للتوراة، فإن جهودَهم كانت تتعرَّضُ لمشكلاتٍ حقيقية تجلبُ لها النقدَ القاسي.
يضع المؤرخونَ التوراتيونَ فترةَ العصرِ البرونزيِّ الأوسط زمنًا مقترحًا لوصول إبراهيمَ إلى بلاد كنعان. وترى التوراة (وهي كتابٌ دينيٌّ لا تاريخي) قصةَ رحيلِ إبراهيمَ من أور الكلدانيين إلى حَرَّانَ ثم إلى أرض كنعانَ في فلسطين، ونزوله إلى بلوطة مورة (بلاطة) بالقرب من شكيم (نابلس)، ومنها تَنقَّل وسط أرض كنعان؛ ثُمَّ ارتحلَ نحو الجنوب إلى أن استقرَّ في عودته من مصرَ إلى أرض كنعان، واستقرَّ في حبرون (أربع) التي عُرِفَت فيما بعد باسم «الخليل». أما ابن أخيه (لوط) فقد سكن شرقَ الأردن في سدوم، وعندما تَعرَّض لوط للأَسرِ والسَّبي من قِبَل «كدر لاعومر» — ملك عيلام وحلفائه — سارع إبراهيمُ على رأس غلمانِه، ومَن كان معه، وتبِعَهم فكسَرَهم واسترجع لوطًا وكلَّ الأملاكِ التي سُلبَت، وعند رجوعه خرج «ملكي صادق» ملك «شاليم» لاستقباله. ويرى بعض الباحثين أن «ملكي صادق» هو ملكُ وكاهنُ القدس في فترة من فترات العصرِ البرونزيِّ الأوسط، ويدُل اسمُه المُركَّب على وجود الإله «صادق» في شاليم، ويُوصَف بأنه كاهن «إيل عليون» أي «الله العلي»، وهو اسمٌ مُركَّب للإله إيل.
المرَّةُ الثانيةُ التي يُذكَر فيها إبراهيمُ والقدس هي قصةُ التضحيةِ بابنه على جبل الموريا؛ حيث يعتقدُ هؤلاءِ الباحثونَ أن قصةَ التضحيةِ التي تَذْكُرها التوراةُ قد حصلَت على «أرض المُوريا» وهي نفسُها جبل الموريا في القدس. وقد جاء ذكر ذلك في سِفْر التكوين:
«وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال: يا إبراهيم. فقال: ها أنا ذا. فقال: خُذ ابنَك وحيدَك الذي تُحبه؛ إسحاق، واذهب إلى أرض المُريا وأَصعِدهُ هناك محرقةً على أحد الجبال الذي أقولُ لك. فبكَّر إبراهيمُ صباحًا، وشدَّ على حمارِه، وأخذ اثنَين من غِلمانِه معه وإسحاقَ ابنَه، وشقَّق حطبًا لمحرقة، وقام وذهبَ إلى الموضع الذي قال له الله. (2) »
ثم يأتي ذِكْر المكان بعد أن يفتدي ابنه بالكبش «فذهب إبراهيم، وأخذ الكبش وأَصعَدَهُ محرقةً عوضًا عن ابنه. فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يرى. حتى إنه يُقال اليوم في جبل الرب يُرى». (3)
ويتضح من ذلك، حسب الرواية الدينية التوراتية، أن قصة التضحية حصلَت على جبل المُوريا الذي صار اسمه أو اسم موضع التضحية فيه «يهوه يرأه».
ولكن توراة السامريين تذكُر هذه القصة في مكانٍ آخر وهو جبل «جرزيم» في نابلس. أما الإنجيل فيذكُر أن القصة حصلَت في موقع في سيناء وهو «سانتا كاترين». أما القرآن فقد قرن القصة بفريضة الحج حيثُ تمَّت في جبل التوبات ومع ابنِه إسماعيلَ وليس إسحاق.
وهكذا نرى هذا المدى الواسع من الاختلافات في أماكن حصول قصة التضحية بابن إبراهيم.
أمَّا ملوكُ وأمراءُ القدس في العصرِ البرونزيِّ الوسيط، والذي تَشُوبُ شخصياتِهم رواياتٌ دينيةٌ وتاريخيةٌ غيرُ مؤكَّدةٍ فهم:
(1) ملكي صادق: الذي ذكرَتْه التوراة.
(2) سالم: وهو يبوس وسَّع حدود القدس، وورد اسمه في نصوص اللعنة المصرية، وقد تحدثَت نصوصُ أوغاريت أيضًا عن مولد الإله «سالم» ملك القدس (4).
(3) أدوني صادق: وقد عُرِفَت القدسُ باسمه في إحدى الفترات (5).
(4) سر حنو (شايزانو): ورد هذا الاسمُ في نصوص اللعنةِ المصرية، التي ترجع إلى عهد الملك سنوسرت الثالث (1879–1842ق.م.) (6)
(5) ياقر عمو: أول اسمٍ تاريخي لملكٍ أموري (7).
.................................................
1- طومسون، المرجع السابق، ص17.
2- العهد القديم: التكوين 24: 1–3.
3- العهد القديم: التكوين 24: 13.
4- Mare, op. cit., p. 20.
5- Ibid., pp. 72-73.
6- John Gray, A History of Jerusalem, London, 1969, p. 66..
7- Ibid.