كانت وثائقُ مصرَ خلال العصرِ البرونزيِّ المبكِّر تُسمِّي فلسطين بأربعةِ أسماءٍ هي.
(1) حريو شع: وتعني سكان الرمال.
(2) منيتو.
(3) أوتيو.
وظهرت هذه الأسماء لغاية ظهور الأسرة المصرية الخامسة.
(4) عامو: ظهر هذا الاسم منذ الأسرة السادسة، وهو ذو دلالةٍ إثنيةٍ وأصلٍ ساميٍّ وقد يشير إلى الأموريين.
ويرى ﻫ. ي. ديل ميديكو — استنادًا إلى ألواح «الملك الكبير» الأوغاريتية — أن فلسطين كانت تُسَمَّى مريام Mrym أو موريا:
وكلمة «موريا» تشير بشكلٍ واضحٍ إلى آمور أو آموريا؛ أي «بلاد الأموريين»، وهذا يتطابق مع الاستيطان المبكِّر للأموريين في فلسطين. ويُشيرُ قِدَمُ هذا الاسمِ إلى أنه كان سابقًا للاسم القديم الشائع عن فلسطين، وهو «بلاد كنعان»، الذي نرى أنه مصطلحٌ محدودُ الاستعمال، ولم يكن قديمًا جدًّا، بل إنه ظهر في نهاية العصرِ الحديديِّ ودلَّ على قومٍ محدَّدين من بلاد الشام.
ونرى أن جبل «موريا» الذي تقوم عليه بقعةُ الحَرمِ القدسيِّ الشريفِ في مدينة القدس ما زال يحتفظُ باسم فلسطينَ القديمِ ويُشير في الوقتِ نفسه إلى استيطانٍ أموريٍّ مبكِّر في القدس.
وللبحث عن علاقة مصرَ بفلسطينَ في العصرِ البرونزيِّ المبكِّر نقول إن الأسرتَين المصريتَين؛ الأولى والثانية، اللتَين أسَّسَتا الدولةَ العتيقةَ في مصر، ثم الأسر التي شكَّلَت الدولةَ القديمةَ (وهي الأسرُ الثالثةُ والرابعةُ والخامسةُ والسادسة) تطلَّعَت كلُّها إلى فلسطينَ باعتبارها عمقًا أرضيًّا لمناجم النُّحاس ومقالع الفيروز في سيناء، وذلك عن طريق حملاتٍ تِجاريةٍ أو عسكرية «وأظهرَت الحفرياتُ في جبيل «بيبلوس» — والتي كانت تهيمنُ على مناطق أشجارِ الأَرْزِ في لُبنانَ ومنذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد — أدواتٍ نُقشَت عليها أسماءُ ملوكِ مصرَ منذ السلالةِ الثانيةِ فيما بعدُ. ويَرِد في نقشِ باليرمو الشهيرِ أنَّ سنفرو الأول، من السلالة الرابعة (القرن السادس والعشرون قبل الميلاد) أرسل أسطولًا تِجاريًّا عسكريًّا من أربعين سفينةً لجلب الأخشاب في جبيل» (1).
وتصل من عصر الأسرة السادسة (حوالي 2340ق.م.) وثيقةٌ مهمة تشيرُ إلى أن الفرعونَ بيبي الأول أمَر العسكريَّ «وني» بقيادة حملةٍ عسكرية إلى فلسطين، وتُشِير الوثيقة إلى أنه وصل إلى منطقةٍ تُسمَّى «أنف الريم» التي يُعتقَدُ أنها «جبل الكرمل» على الساحل، وانتشر جيشُه في فلسطينَ ليقضيَ على تمردِ مَن يُسمِّيهم ﺑ «سكان الرمال» وهم «حريو شع»؛ أي الأقوامُ الأمورية:
«عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن خرَّب أرضَ ساكني الرمال.
عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن اجتاح أرضَ ساكني السلامِ.
عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن دمَّر محلاتِها المُسوَّرة.
عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن قطع تينَها وكرومَها.
عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن أشعل النار في كل بيوتهم الفاخرة.
عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن ذبح عشراتِ الآلافِ من رجالِ جيوشهم.
عاد هذا الجيشُ في سلامٍ بعد أن حمَل معه جيوشًا كثيرةَ العددِ كالأسرى» (2).
وحين دخلَت مصرُ في مرحلة الضعف الأولى تعاظَم شأنُ البدوِ الآسيويينَ الذين كانوا يطرُقون أبوابَ مصرَ في جهة سيناء. وقد ترافق ذلك مع صعود الأكاديين السياسي في العراق وتكوينهم أَوَّلَ إمبراطوريةٍ كبرى في التاريخ. وكان من أثر ذلك ضغطُهُم المستمرُّ على الأموريينَ في غرب الفرات، مما اضطَر بعضَ هؤلاءِ للدخول إلى بلاد الشام وفلسطين، وربما اندفع بعضُهم من هناك إلى مصر؛ ولذلك تَرِد إشارةٌ من الأسرة العاشرة الضعيفة في «إهناسيا» تقول بطرد الآسيويين من مصر، ولكن الأموريين كانوا يبنون مدنًا جديدة في فلسطين على أنقاض المدن القديمة، مثل «تل مرسيم»، إلى الجنوب الغربي من القدس.
............................................
1- ﻫ. ي. ديل ميديكو، اللآلئ (من النصوص الكنعانية) ترجمة عن كبير كهنة أوغاريت إيلي ميلكو. ترجمة وتعليق مفيد عرنوق، بيروت، 1980م، ص28.
2- شوفاني، المرجع السابق.