لا نعرفُ على وجه الدقة متى ظهَر الأموريون في التاريخ، ولا المكانَ الأوَّلَ الذي نزَحوا منه، ولكننا — أمام القرائنِ الآثاريةِ والتحليل العلمي الدقيق — نستطيع القول إن الأموريين ظهَروا في العراق القديم؛ وتحديدًا على ضفاف نهرِ الفراتِ الأوسط، وفي الصحراء العراقية السورية الأردنية الحاليَّة، وربما كان ذلك في حدود 4000ق.م. أو قبل ذلك بقليل. لكن الوثائق السومرية هي التي تُخبِرنا في الألف الثالث قبل الميلاد عن وجودهم كقبائل غرب الفرات، وتُسمِّيهم «مارتو» وباللغة الأكدية «أمورو»، والتي تعني «الغرب» أو «الذين يسكنون غربًا». ومن المؤكَّد أن ذلك يدُل على أنهم كانوا يسكنون غرب الفرات. وقد ثبت لنا الآن أن هذه التسميةَ لها علاقةٌ باسم الإلهِ القوميِّ للأموريينَ وهو «أمورو» الذي تطوَّرَ عن «مُر» أو «مور»، وهو إلَه الطقسِ والسماءِ معًا عند الأموريين، وكان السومريونَ يسمُّونَ جبلَ باسار (بِشْري) في بادية الشام ﺑ «مرتفعات الأموريين». وقد وُضعَت مدينةُ ماري وقلعتُها عند السومريين كمدينةٍ حدوديةٍ لصدِّ هجماتِهم، رغم أن «ماري» مشتقة من اسم «مر» أو «مار» الأموريِّ بطبيعة الحال، وهكذا أصبَحَت عليه فيما بعدُ.
كان الأموريون — الذين لا يُعرَفُ حجمُهم وتأثيرُهم — أعظمَ الموجاتِ الساميَّةِ وأقدمَها على الإطلاق. وهم — بسبب انفراطِ وتهشُّم تاريخِهم — ظهروا كأقوامٍ بدويةٍ غازيةٍ ومهاجرةٍ فقط، لكننا عندما نجمع الحقائقَ المبعثرةَ هنا وهناك، فإننا نجدُ أن جُلَّ ما كان يُسمَّى ﺑ «الساميين» يمثِّلهم الأموريون بامتياز.
وهكذا انتشَر الأموريون باتجاهاتٍ مختلفة؛ شرقًا نحوَ السهلِ الرسوبيِّ لبلاد الرافدَين، وغربًا نحو بلاد الشام، ثم نحو مِصرَ وشمالِ أفريقيا، وشمالًا لينشطرَ عنهم الآراميون، وجنوبًا على شكلِ قبائلَ بدويةٍ تجوبُ شمالَ جزيرةِ العرب.
وصلَت القبائلُ الأموريةُ إلى شمالِ بلادِ الشامِ مبكرة، وأسَّسَت مدنًا كثيرةً مثلَ إبلا وماري، ثم مدن يمخد (يمحاض) وألالاخ وكركميش وقطنا وعمورو في سوريا.
وكان انتشارُ القبائلِ الأموريةِ في جنوب بلاد الشام كبيرًا أيضًا؛ فقد دخلَت إلى فلسطين، واستوطنَت جانبَي الغَور، وأسَّسَت في فلسطينَ مُدُنًا لا نملكُ ما يُوثِّقُ أسماءَها. وكذلك في الأردن التي كان حجمُ الاستيطانِ الأموريِّ فيها أكبرَ بكثيرٍ من فلسطين. وفي نهاية العصرِ البرونزيِّ المبكرِ استطاعَت القبائلُ الأموريةُ أن تؤسِّسَ ثلاثَ ممالكَ كبيرة، وهي «شوتو العليا، شوتو السفلى، كوشان» في شمال ووسط وجنوب الأردن.
أما في فلسطين فقد أفسحَت القبائلُ الأموريةُ المجالَ لاحقًا للقبائل الكنعانيةِ التي تنتمي لهجرةٍ أموريةٍ متأخرة قليلًا، وهو ما جعل الكثافةَ الأموريةَ في الأردن أكبرَ منها في فلسطين.
هكذا إذن كان العصرُ البرونزيُّ المبكِّرُ في فلسطين عصرًا أموريًّا ظهرَت خلالَه المدنُ الفلسطينيةُ الأولى في العصور التاريخية التي نجهل أسماءَها بسبب غيابِ الكتابةِ وعدمِ ظهورِها في فلسطين في ذلك العصر، إلا أن التلالَ القديمةَ التي كانت تملأ أرضَ فلسطين كانت بلا شكٍّ مراكزَ تلك المدنِ البرونزيةِ المبكِّرة.
مع نهاية عصرِ الكالكوليت وبداية البرونزيِّ المبكِّرِ في فلسطين حصل تغيُّرٌ مُناخيٌّ كبير (في حدود 3500ق.م.) واستمرَّ هذا التغيُّرُ الإيجابيُّ حتى (2350ق.م.)؛ أي لغايةِ ما يُسَمَّى ﺑ «الفترة الرابعة من العصر البرونزيِّ المبكِّر»، وكان من مظاهر هذا التحوُّلِ ما يلي:
(1) زيادةُ الأمطار.
(2) انخفاضُ درجاتِ الحرارة.
(3) انخفاضُ مستوى البحر.
(4) جفافُ الكثيرِ من مستنقَعاتِ الكالكوليت وتحوُّلها لحقولٍ زراعيةٍ خصبة.
(5) دخولُ الزراعةِ إلى منطقة بيسان ووادي الأردن.
(6) انخفاضُ بحيرةِ بيسانَ إلى المجالِ الحاليِّ لبحر الجليل (بُحيرة طبرية).
وبسبب هذه الظواهرِ نشأ مُناخٌ مثاليٌّ للزراعة، وظهرَت مستوطناتُ المعادن، وإقامة المؤسساتِ السياسية، ولكنْ مدينةٌ واحدةٌ كبيرةٌ لم تظهر في هذه الفترةِ بحيث تتمكَّن من تكوين مركزٍ لدولةٍ كبيرة أو حتى لإقليمٍ كبير، لكن هذا لم يمنَع من ظهور «الرَّفَاهِ وتعقيد الحياةِ لدى سكانِ فلسطين الزراعيينَ في ذلك الوقت؛ فالتجاراتُ المتخصِّصة والمحاصيلُ النقدية (وأهمُّها الثمارُ وتربيةُ الحيوانِ والحبوبُ أيضًا) وبضائعُ الرَّفَاهِ (وأولُها المعادن) والتجارةُ الإقليميةُ وعَبْر الإقليمية — وهي مظهرٌ هامٌّ في أيِّ زراعةٍ متوسطةٍ متقدمة — بالإضافة إلى نخبةٍ قليلةِ العدد، كهنوتية وسياسية — وربما عسكرية أيضًا — وُجِدَتْ، ويسهُل تصوُّرُ إعالتِها لنفسها ضمنَ إطارِ الاقتصادِ الداخليِّ والمجتمعِ في فلسطين. والتجارةُ الدوليةُ وُجدَت وجلَبَت بعضَ الثروةِ والنفوذ الأجنبي، ولكنَّها كانت هامشيةً بالنسبة للاقتصاد المحلي.»
وهكذا تكونُ المدنُ البرونزيةُ الأولى قد ظهرت بطابعٍ أموري وثقافةٍ تغلبُ عليها الزراعة، وتشكِّل التجارةُ هامشًا. والسؤالُ الذي يجب أن نسألَه هنا: وماذا بشأن القدس؟ هل ظهرَت مدينةٌ أمورية على أرضها أم بقيَت مستوطنةَ نيوليتية أو كالكوليتية، أم ماذا؟
وسيأتينا الجواب أولًا من الأركيولوجيا (الحفريات الآثارية).