يُعتبَر العَصرُ الحجريُّ النُّحاسيُّ خاتمةَ العصورِ الحجريةِ من جهة، وفاتحةَ العصورِ المعدنيةٍ من جهةٍ أخرى؛ فقد سبقَتْه ثلاثةُ عصورٍ حجريةٍ هي «الباليوليت والميزوليت والنيوليت»، أتَت بعدها ثلاثةُ عصورٍ معدنيةٍ هي «النُّحاسيةُ والبرونزيةُ والحديدية».
ومثلما اكتشَف الإنسان الزراعة في النيوليت، فإنه اكتشَف النُّحاس في الكالكوليت، فكان أوَّل المعادنِ المستخدمةِ هو النُّحَاس. ولم يأتِ هذا الحدث وحيدًا؛ فقد حمل منظومةً كاملةً من المنجَزات الجديدة التي كان أغلبُها يتعارضُ مع المنظومة النيوليتية، رغم أنه يُعَدُّ امتدادًا نوعيًّا لها.
فقد استعاد الرجلُ مركزيتَه، وأصبَح هو مركزَ العائلةِ والقبيلةِ والمجتمعِ بعد أن كانتِ المرأةُ في المركز إِبَّانَ عصر النيوليت. وظهرَت المدينة بدلًا من القرية وظهر المعبد بدلًا من المصليات والمزارات البسيطة. وأصبحَت الزراعةُ معتمدةً على الريِّ الصناعيِّ بعد أن كانت معتمدةً على الطبيعة (خِصْب الأرض أو المطر أو الأنهار).
واتجهَت العبادةُ نحوَ السماءِ بدلًا من الأرض، وظهرت التخصُّصاتُ الحِرفِيَّةُ في المجتمع، ومعها المؤسساتُ الدينيةُ والسياسيةُ في صورتها الأولى.

خارطة (1): المواقع الأثرية للعصر الحجَري والنُّحاسي في فلسطين. المرجع: إبراهيم معاوية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990م، ص55.
وفي فلسطين جاء عصر الكالكوليت في وقتِه الطبيعيِّ تقريبًا (متأخرًا عن وادي الرافدَين بقليلٍ). وإذا كان موقع «تُليلات الغسول» في الأردن شمال شرق البحر الميت يمثِّل هذا العصر بشكلٍ نموذجي، فإن موقعَي تلِّ الفارعة (قرب نابلس) وبئرِ سبعٍ يمثِّلان ذلكَ العصرَ في فلسطين بشكلٍ نموذجي، وذلك لقربهما من وادي عربةَ حيث مناجمُ النُّحاس. (انظر الخارطة 1).
يمثِّل «تل الفارعة» الكالكوليت في سلسلة الجبال الوسطى، وفيه يستمر النيوليت ليتطوَّر إلى الكالكوليت، ثم إلى العصر البرونزي.
أما «بئر السبع» فيُمثِّل الكالكوليت الجنوبي؛ حيث كان النُّحاسُ يُستَخرَجُ من «وادي عربة»، وقد وُجدَت فيه مواقعُ تحتوي على أدواتٍ وأفرانٍ لاستخراج النُّحاسِ وتطويعِه، مثل «خربة البيطار» و«بئر الصفدي» و«تل أبو مطر».

شكل 30: أدواتٌ نُحاسيةٌ وعَظميةٌ وآنيةٌ فَخَّاريةٌ وصَوَّانيةٌ وتماثيلُ ورؤوسُ دبسات وثقالاتُ نسيجٍ من مواقعَ متعددةٍ في فلسطين تمثلُ حضارةَ العصرِ الحجَريِّ النُّحاسي.
المرجع: إبراهيم، معاوية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990، ص54.
وإذا أخذنا موقعَ «بئر سبع» نموذجًا للكالكوليت الفلسطيني، فإننا نجد أن هذا الموقعَ يتميزُ بمِيزاتٍ فريدةٍ يمكنُ أن نجدَها كما يلي:
(1) أفرانُ صهرِ النُّحاسِ والأدواتُ اللازمةُ لذلك مما يشير إلى موقع كالكوليتي نموذجي تميَّزَ بأنه مركزُ تصنيعٍ للنُّحاس. ومن الصناعات النُّحاسيةِ عُثر على فئوسٍ ومخارزَ وأزاميلَ وهِراواتٍ وأدواتٍ للزينة.
(2) الأدواتُ الصَّوَّانيةُ التي ظلَّت تُستَخدَمُ أكثرَ من الأدوات النُّحاسية، مثل المكاشطِ وأدواتِ القطعِ والمثاقبِ والأزاميلِ وبعضِ رءوسِ السهامِ والشفراتِ والفئوس.
كما وُجدَت أوانٍ وأدواتٌ حجَريةٌ أخرى كالبازلت والهيماتيت، التي استُعمِلَت للصَّقل والدقِّ، وصُنعَت رءُوسُ الهِراواتِ من الحجَر العادي.1
(3) الصناعاتُ الفَخَّاريَّةُ ذاتُ اللونِ الباهتِ وسهلةُ الكسرِ بسبب خلطِها بالرمل، ومنها الجِرارُ العديمةُ الرقبة، وبعضُها مُزيَّنٌ بزخارفَ على شكل أشرطةٍ مَطليَّةٍ بالأحمر. وظهر نوعٌ متميزٌ من الفخَّار الأبيض على شكل مزهريةٍ برقبةٍ قصيرةٍ وجسمٍ منتفخٍ بمقابضَ تُشبِه الآذانَ البشرية.2
(4) الصناعات العاجية: وُجدَت بشكلٍ خاصٍّ في بئر الصفدي؛ فهناك عددٌ من التماثيل (الدُّمى) الآدمية من العاج تمثِّل رجالًا ونساءً. وتُعتبَر هذه التماثيلُ من أقدم العاجيَّاتِ المصنَّعةِ في الشرق القديم، وتمثِّل تطورًا ملحوظًا في هذه الصناعة. والجدير بالذكر أنه وُجدَ في بئر الصفدي مصنعٌ للحُلي والدُّمى العاجية والعَظْمية، مما يدُل على أن هذه المكتشَفاتِ صُنعَت محليًّا وبشكلٍ مستقلٍّ عن الحضارات الشرقية القديمة المجاورة.3
ويمكن ملاحظةُ نماذجَ من الأدواتِ النُّحاسيةِ والعَظْمية والصَّوَّانِيَّة والدُّمى الطينية والعاجية من موقع بئر سبع والمواقع الكالكوليتية الأخرى في فلسطين (انظر شكل 32).

شكل 31: مجموعةٌ من الصناديق الصلصالية (الفَخَّاريَّة) استُخدِمَت لحفظ عظام الموتى، وآنيةٌ ومزهرياتٌ فَخَّاريةٌ من موقع يازور، وتمثِّل جميعُها حضارةَ الساحلِ الفلسطينيِّ في العصر الحجَريِّ النُّحَاسي.
المرجع: إبراهيم، معاوية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990م، ص57.
وإذا كانت مواقعُ بئرِ السبعِ الكالكوليتية تمثِّل الجنوبَ وصحراءَ النَّقب (وادي غزةَ غربًا وتل عرار شرقًا) فإن العمقَ الفلسطينيَّ شهد عدة مواقعَ مهمةٍ مثل «جسر بنات يعقوب» في الجليل ومجدو (تل المتسلم) والعفولة والقدس وأريحا وجازر ولخيش وعين جدي وبيسان وغيرها.
وفي الساحلِ الفلسطينيِّ ظهرَت حضارةٌ كالكوليتيةٌ متميزة «اعتبَرها البعضُ وحدةً حضاريةً مستقلةً بينما هي في السمات الأساسيةِ لا تتبايَن كثيرًا عن حضارة الغسول، أو بئر سبع وغيرها، لكنَّ أصحابَها مارسوا عاداتِ دفنٍ متباينة عن تلك المعروفة في الجبل والغَور، وقد وُجدَت توابيتُ من الصلصال المجفَّف، على صورة بيوتٍ سكنية، استُعمِلَت للدفن في كهوفٍ كبيرةٍ محفورةٍ في الصخر. وقد وُجدَ مثلُ هذه المقابرِ في منطقة يافا، وبالقرب من الخضيرة، وكذلك في يازور. كما اكتُشفَ بناءٌ كبيرٌ يبدو أنه استُعمِلَ كمعبدٍ في خربةِ الشيخ ميصر، وهو يُشبِه المعبد الذي اكتُشِفَ في تليلات الغسول. »4
«في سنة 1934م كشف سوكنيك Sukenik عن مدفنٍ على شكل كهفٍ بالقرب من الخضيرة في سهل شارون، وعُثر فيه على صناديقَ من الطينِ والفخَّار، وعددٍ من صناديقَ ملونةٍ من الطين مُشكَّلةٍ على هيئة بيوت. وقد استُخدمَ هذان النوعان من الصناديق لحفظِ عظامِ الموتى بعد فَناءِ لحومِهم. وكان الفَخَّارُ يماثل الفَخَّارَ الغسوليَّ تماثلًا كبيرًا. والصناديقُ (أو المقابر) التي تُشبِه البيوتَ ترتكزُ على أربعة أرجلٍ مثل توابيتِ حفظِ رمادِ الموتى في ألمانيا في العصر البرونزي، التي تتشابَه معها أيضًا في بعضِ ملامحَ أخرى. ومع ذلك، كانت المساكنُ المستطيلة — ذاتُ الأعمدةِ التي لها سقوفٌ مُسنَّمةٌ (سقوف جملون) وأبوابٌ مُضَلَّعةٌ — شائعةً في مختلف المناطق والعصور؛ ولذلك ليس من الصواب إيجادُ علاقةٍ مباشرةٍ بينها وبين طراز الصناديق التي تُشبِه تلكَ البيوت. ولا شك أن شارون كانت في أوائل الألف الرابعة ق.م. كما كانت أيضًا في العصر النطوفي الأقدم كثيرًا من هذا التاريخ، منطقةٌ كثيرةُ المستنقَعاتِ جدًّا؛ ولذلك لم تكن ملائمةً لهذا الطراز من المساكن الذي كان ملائمًا جدًّا للسُّكْنَى في الوادي الجافِّ شمالي البحر الميت. »5

شكل 32: مدفنٌ من الطين مُشكَّلٌ على هيئة بيتٍ من العصر الكالكوليتي، من الخضيرة.
وتمتاز حضارةُ الساحلِ الفلسطينيِّ الكالكوليتية بصناعتها الفَخَّاريةِ المتقدمة؛ فقد تجاوزَت صناعةَ الأواني والجِرارِ إلى صناعةِ الصناديقِ والمزهرياتِ الفَخَّارية، وخصوصًا تلك القادمةَ من موقع يازور (شكل 100).
تطوَّرَت عبادة الكالكوليت باتجاه ظهورِ المعبوداتِ الذَّكَريَّة، إضافةً إلى المعبوداتِ الأنثوية؛ فقد ظهرَت تماثيلُ ودُمًى ذكريةٌ تمثل الإلهَ الذَّكَر، كما ظهرَت طقوسُ الدفن الواضحةُ وخصوصًا الدفنَ في الجِرار، وتوسَّعَت المعابدُ وتخصَّصَت مع ظهور أولِ أشكالِ المدنِ الفلسطينيةِ المنظَّمة.
وفي فلسطين انقسم الكالكوليت إثنولوجيًّا إلى قسمَين؛ الأول ساد فيه جنسُ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ الذي كان الشعبَ الأصليَّ لفلسطين طيلةَ العصورِ الحجريةِ التي ساد فيها الإنسانُ العاقل (الباليوليت الأعلى، الميزوليت، النيوليت). أمَّا القسمُ الثاني الذي ظهر في حدود 4000ق.م. حيث شهدَت فلسطينُ نزوحًا جنسيًّا ساميًّا نُرَجِّحُ أن يكون من الأموريين، وهو الجنس الذي طغى كلما تقدَّم الزمنُ حتى ذاب فيه الجنسُ المتوسِّطي.
وتُشير آثار جازر إلى وجود جنسٍ ثالثٍ جبلي — هبط من أواسط آسيا وآسيا الصغرى نحوَ بلادِ فلسطين في مطلع العصور التاريخية والعصر البرونزي- مُكوَّن من ثلاثة أعراقٍ مختلطة، هي «المتوسطيُّ والجبليُّ والأموريُّ»، لكنَّ كثافةَ الهجراتِ الأموريةِ صهَرَت في داخلها العرقَين المتوسطيَّ والجبلي، فأصبحَت الهُويةُ الأساسيةُ لفلسطينَ أموريةً بالدرجة الأساس؛ ولذلك لا نستغربُ أن يكونَ أوَّل اسمٍ تاريخيٍّ مكتوبٍ لفلسطين هو بلاد «المور»؛ أي بلاد الأموريين.
................................................
1 معاوية إبراهيم، «تاريخ فلسطين القديم»، الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثاني، القسم الثاني، بيروت، 1990م، ص55.
2 نفسه.
3 شوفاني، المرجع السابق، ص41.
4 نفسه.
5 Yigal Shiloh, “Jerusalem, The Early Periods and the First Temple Period,” The New Encyclopedia of Archeaology Excavations in the Holy Land, Volume 2, Jerusalem, 1993, p. 701.