هذا كلام غلط، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله خلّف بعده رجلًا هو مرجع العلوم ومسندها ومصدرها وموردها، وهو باب مدينة العلم، وأقضى الامّة، والعالم بالكتاب وتأويله وتفسيره، والعارف بالسُّنّة حضراً وسفراً. وجعله مرجعاً لمسائل الناس وحوادثهم ووقائعهم. وخطب في الآلاف المحتشدة يوم غدير خُمّ فنصبه عَلَماً ومناراً وهادياً ومَعْلَماً ومربّيّاً ومكمّلًا ومتمّماً؛ فلما ذا سلبتموه حقّه وعزلتموه في بيته، وتربّعتم على أريكة الحكم والأمر والنهي والفتوى والقضاء والقرآن، ثمّ عجزتم ولم تُحسنوا أداء المهمّة؟! إذ إنّكم لا تعلمون! ويا عجباً فها أنتم تعترفون أنّ عليّاً هو الرجل العليم البصير، فَلِمَ ضَربتم عنه صفحاً وهجرتموه ونأيتم عنه ليذهب بمسحاته خارج المدينة فيحرث ويزرع ويسقي ويجري القنوات ويغرس الأشجار والنخيل؟!
ويلٌ لكم! لا ويلٌ واحد بل ويل كثير دائم إلى يوم القيامة! ويل لكم ما كان لكلمة الويل من معنى ومفهوم! كيف راقكم أن يكون عليّ بن أبي طالب بعيداً عن الأمر والنهي والتفسير وبيان السُّنّة وإدارة شئون الناس خمساً وعشرين سنة، وأنتم الذين تجهلون أبسط المسائل الضروريّة اللازمة ترتقون العرش وتمتطون صهواتكم متباهين بأنفسكم أنّكم دحرتم عليّاً، وذلّلتم ذلك الليث الباسل، ووضعتم الحبل في عنقه واقتدتموه إلى المسجد، وأخذتم منه البيعة أمام الملأ العامّ؟!
إنّنا نلزمكم أنتم الذين لا علم لكم بالسُّنّة ونقول: لما ذا لم ترجعوا إلى عليّ بن أبي طالب عند ما لم تجدوا حكماً في كتاب الله؟! وهو المرجع في المسائل كلّها، وهو أعلم الامّة وأتقاها وأورعها على ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله. فاللمز والقدح هنا! وأنتم أيّها الذهبيّ والخطيب وغيركما! والله إنّكم تعلمون الحقّ فكفى! كفى! لا تخدعوا أنفسكم والآخرين بهذه التمويهات!
وإذا كان أبو بكر مع وجود مصدر الولاية والعلم المحيط، يقبع في دائرة نفسه ويُبدي جهله بالمسائل، ولا يُراجع ولا يسأل مصدر الولاية، وكان يحكم بالنفي بمجرّد عدم عثوره على شيء في كتاب الله، فما ذا يعني هذا؟ ألا يعني العمل بالمقولة المعروفة: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ؟ وهل يعني شيئاً غيره؟!
لقد حرص رسول الله طوال عمره على تعليم عليّ. ثمّ قدّم ذلك البحر الزاخر بالعلم إلى الامّة وعرّفها به. فهو إذَن عالَم من الحديث والسنّة، ومكتبة لمكاتيب رسول الله.
لما ذا حِلتُم دون كتابة رسول الله بقولكم: إنَّ الرَّجُلَ يَهْجُرُ، وهو الذي أراد أن يرفع الضلال عن امّته إلى الأبد حين قال ائتوني بقرطاس وقلم؟! ولما ذا اشتريتم الضلالة للُامّة البائسة المسكينة إلى موقف العدل الإلهيّ!!
إن وضع الحديث يساوي إلغاء الحديث الصحيح.
وما الفرق بين أن تجلسوا في مجلس النبيّ فتنسبوا آلاف الأحاديث الموضوعة إلى رسول الله، وبين أن تحرموا الامّة من ذلك الخير العميم بزعمكم كفاية القرآن، وعدم الحاجة إلى الولاية؟!
ويأسى العالم السنّيّ النابه الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه «أضواء على السُّنّة المحمّديّة» على عدم أمر النبيّ صلى الله عليه وآله بكتابة الحديث في حياته كما أمر بكتابة القرآن. ولو كان قد فعل ذلك لما طرأت على المسلمين تلك المشاكل المؤلمة المُمِضّة. ولو كانت الأحاديث قد دوّنت بمحضره ككتاب الله، لعشنا عالماً من الوحدة، ورخاء البال، والإيمان، والسكينة، والهدوء.[1]
وهذا الكلام غير سديد للأسباب الآتية:
أوّلًا: أنّ الحاجة ستظلّ قائمة إلى المعلّم والمربّي والمرشد والوليّ والقائم بالأمر حتى مع تدوين السنّة التامّة الكاملة، وإلّا لظهرت تفاسير مختلفة لها كتفاسير القرآن. وحينئذٍ لا يُعقَل وجود من يفصل الخصومة ويرفع الخلاف سوى الإمام المنصوب بالحقّ.
ثانياً: كان تدوين مثل هذه السُّنّة بِيَدِ الناس مَحالًا في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله، نظراً إلى ما يتمتّع به القرآن الكريم من شأنٍ عند المسلمين الذين كانوا يسعون في حفظ ألفاظه وكلماته. وهذا نفسه يُعدّ أكبر معجزة إلهيّة من معجزات نبيّنا صلى الله عليه وآله.
ثالثاً: للسنّة أحكام مختلفة في شتّى الموضوعات حسب الحالات اللازمة، من قبيل موضوع الضرر والحرج والعُسر واليُسر وأمثالها التي لها أحكام متباينة في الموضوع الواحد وفقاً لاختلاف الظروف والأحوال. وهذه الأحكام على درجة من السعة والكثرة بحيث يتعذّر إحصاؤها وتدوينها. ولا يحيط بها إلّا ذهن الإمام الوليّ القائم بالأمر وقوّته المدركة العاقلة المشخِّصة فحسب.
رابعاً: لقد هيّأ النبيّ صلى الله عليه وآله هذا الكتاب المدوّن وهذه السنّة المضبوطة التي ينبغي أن تُودَع عند أكثر أفراد الامّة خبرةً ومعرفةً، وقد أودعها صلى الله عليه وآله عند أكثرهم خبرةً وعلماً ومعرفة. وذلك هو نائبه وخليفته الذي قال في حقّه: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. يضاف إلى ذلك أنّه صلى الله عليه وآله كانت عنده صحيفة مدوّنة فيها جميع المسائل العامّة والمعضلات والحوادث والوقائع والمنايا والبلايا. وقد أراهَا امّتَه من خلال قوله: ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم ما لا تضلّوا بعده أبداً. فهذه هي السُّنّة المدوَّنة والأحاديث المضبوطة المسطورة!
لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالكتابة ليُسَجَّلَ هذا السند ويكتسب صفة رسميّة؛ بَيْدَ أنّ القوم حالوا دون الكتاب ورفعوا عقيرتهم بقولهم: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. وانقضت اللحظات الأخيرة من عمر النبيّ الكريم باللَّغط والجَلَبة والضوضاء في ذلك المجلس الفوضويّ. وأمضى صلى الله عليه وآله تلك اللحظات من وجوده المقدّس كَمَداً حتى التحق بالرفيق الأعلى.
إن قوله صلى الله عليه وآله: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، تعريف لذلك الكتاب المسطور والسُّنّة الحيّة الثابتة، وقد أتحف صلى الله عليه وآله الامّة بهما معاً.
[1] «أضواء على السُّنّة المحمّديّة» ص 245.