بدأ الاحتلال البريطاني في مصر من يوم واقعة التل الكبير في 14 سبتمبر 1882م، وما جاء شهر أكتوبر من العام نفسه، حتى كانت الحكومة تستأنف وظائفها في القاهرة التي انتقل إليها الخديوي محمد توفيق منذ 25 سبتمبر.
ومن أول الأمر اتخذ الاحتلال إجراءً معينًا كان ذا أثر بالغ على الموقف في السودان؛ ونعني بذلك إلغاء الجيش المصري الذي صدر به مرسوم في 19 سبتمبر 1882م، وذلك بعد أيام معدودة من واقعة التل الكبير، ولم يلبث أن تأيَّد الإلغاء بمرسوم صدر في 20 ديسمبر من العام نفسه. وفي يناير 1883م تعيَّن السير إيفلن وود (Evelyn Woodel) سردارًا؛ أي قائدًا عامًّا للجيش المصري الجديد، الذي عهد بتنظيمه إلى أحد الضباط الإنجليز، كذلك هو السير فالنتين بيكر (Valentine Baker) كما دخل الخدمة خمسة وعشرون ضابطًا إنجليزيًّا، بينما بلغ عدد الجيش ستة آلاف فقط. وأمَّا كبار الضباط العرابيين فقد حُكم عليهم بالإعدام، وتعدَّل الحكم بالنفي المؤبَّد (في ديسمبر 1882م)، وصدرت أحكام أخرى على سائر العرابيين من عسكريين ومدنيين بالنفي والسجن، أو تحديد الإقامة، أو التجريد من الرتب، وعلامات الشرف والامتيازات، أو الحرمان من مرتب الاستيداع، ومعاش التقاعد (صغار الضباط) وأمَّا الأثر الذي أحدثه هذا كله في الجيش على وجه الخصوص، فهو أن الجيش الجديد صار يتألَّف من جنود في حاجة إلى وقت طويل حتى يكمل تدريبهم واستعدادهم، وترتب على إقصاء القيادة الوطنية، ووضع زمام الجيش في يد الضباط والرؤساء الإنجليز؛ أن ضعفت الروح المعنوية بين الجنود، وبخاصة بعد الهزائم التي لحقت بالجيش، ومحاكمة قواده وضباطه السابقين. ولقد كان هناك أثر آخر لهذه الحالة الناجمة عن إلغاء جيش العرابيين وتشكيل الجيش الجديد، تتلخص في أنه صار لزامًا على سلطات الاحتلال كلما اقتضى الموقف في السودان التفكير في أجدى الوسائل لمواجهته؛ أن تدخل هذه السلطات في حسابها مبلغ ما كان عليه هذا الجيش المصري الجديد من قوة أو من ضعف؛ حتى ترى إذا كان ممكنًا الاستغناء عن قسم منه؛ لإرساله إلى السودان للمعاونة على إخماد أو مقاومة الثورة المصرية هناك، أو إذا كان في مقدور هذه القوات إذا أُرسلت إلى السودان أن تقضي على الثورة؟
ذلك بأن الموقف في السودان بقي يتدهور من سيئ إلى أسوأ، وحتى إن البريطانيين في القاهرة كانوا قد اقتنعوا منذ نهاية سبتمبر 1882م، بأن الواجب يقتضيهم أن ينظروا فورًا ودون إمهال في علاج لمشكلة السودان.
فقد طلب عبد القادر حلمي بعد واقعة الشلالي 29 مايو 1882م (وكان العرابيون لا يزالون في الحكم، ويتولى أحمد عرابي نفسه نظارة الحربية) مددًا من الجند، وإنْ تعذر ذلك، أن يصله من القاهرة خمسة آلاف بندقية، ووافق العرابيون على إرسال البنادق «وصرف النظر عن إرسال عساكر»، وتمكن عبد القادر من إرسال الإمدادات إلى محمد سعيد باشا مدير كردفان، الذي دافع عن «بارة»، وهزم المهديين حولها في 17 يونيو 1882م، ولكن هؤلاء استولوا على حامية طيارة (في كردفان) وأعملوا فيها السيف في 6 أغسطس، فبقيت في كردفان حاميات ثلاث فقط، في بارة والأبيض وجبل الدلن؛ وهذه كانت حامية صغيرة، وظهر كأنما الموقف قد بدأ يتحسن قليلًا، عندما أوقع محمد سعيد بالمهديين (الدراويش) هزيمة نكراء في 8 سبتمبر في واقعة الأبيض، ولكن لم يلبث المهديون أن وضعوا الحصار على الأبيض، وسلمت لهم حامية الدلن في 14 سبتمبر، وطلب محمد سعيد النجدة من الخرطوم، وأرسل عبد القادر باشا النجدة المطلوبة، وتمكن المهديون من هزيمة هذه القوة على مسيرة يوم من «بارة» في معركة قُتل فيها السيد أحمد الأزهري (ابن الولي إسماعيل الكردوفاني) الذي صحب النجدة؛ ليكون شيخ الإسلام وقاضي عموم غرب السودان، ودخلت فلول هذه القوة إلى «بارة» في 13 سبتمبر، ولما اشتد الحصار على بارة اضطرت هذه إلى التسليم، «وكان بها نور عنقرة» في 5 يناير 1883م.
وترتَّب على سقوط «بارة» ووصول الخبر إلى الأبيض التي شدَّد المهديون الحصار عليها بأن النجدة التي بعثت بها الخرطوم إلى بارة قد هلكت؛ أن وجدت الحامية من العبث الاستمرار في المقاومة مع كل الصعوبات المحيطة بها، فسلمت الأبيض في 19 يناير 1883م، وبعد قليل أمر المهدي بقتل محمد سعيد باشا وغيره من الرؤساء. وكان من أسباب تسليم الحامية كذلك الأخبار التي جاءتها عن انتشار الثورة في سنار.
وكنا ذكرنا أن الثورة امتدت إلى سنار والجزيرة منذ مارس وأبريل 1882م، وتلك كانت الثورة التي بدأ عبد القادر حلمي الحكمدار الجديد نشاطه بمحاولة إخمادها منذ وصوله إلى الخرطوم في 11 مايو 1882م، وبالفعل وقعت جملة معارك، ولكنها لم تكن فاصلة. وأخيرًا قرَّر عبد القادر قيادة العمليات العسكرية بنفسه، فخرج من الخرطوم في 2 يناير 1883م، وهزم الثوار برئاسة زعيمهم أحمد المكاشفي. وكان هذا من جملة الدعاة الذين أوفدهم المهدي بعد واقعة الشلالي (29 / 5 / 1882م)؛ لمناوأة الحكومة في جزيرة سنار. وحصلت هذه الهزيمة عند «مشرع الداعي» في 24 فبراير 1883م، ودخل عبد القادر باشا إلى سنار في 26 فبراير. وفي 2 مارس أوقع بأحمد المكاشفي هزيمة ساحقة في «شندي مويه»، كما هزم جماعة أخرى من الثوار برئاسة الحاج أحمد عبد الغفار، وكان صحب المكاشفي من عند المهدي، وذلك بالقرب من الرصيرص في 26 مارس 1883م.
ولكن هذه الانتصارات في سنار لم تكن فاصلة، ومن جهة أخرى فقد سقطت الحاميات في كردفان الواحدة بعد الأخرى في يد المهديين، وكان عبد القادر منذ واقعة الشلالي لا ينفك يطلب النجدات من مصر، ويصوِّر للمسئولين في القاهرة الحالة على حقيقتها في السودان، وكان أول تقرير له عن الموقف في السودان (عقب الاحتلال البريطاني) يُبَيِّن مبلغ عجز حكومة الخرطوم عن مقاومة الثورة بالقوات التي لديها، ومن غير أن تأتيها إمدادات كافية من القاهرة، فكتب إلى الخديوي في 24 أكتوبر 1882م: أن القوة الغير النظامية في الخرطوم (أي الباشبزوق) لا قيمة لها، وروحها المعنوية منحطة بسبب انتصارات المهدي، بينما اتضح أن الجنود النظاميين «من السودان» غادرون لا يمكن الوثوق بهم. وأمَّا الجنود السود في بحر الغزال فغير مدربين، والوفيات بينهم كثيرة بسبب تغير البيئة. ولذلك فهو يطلب النجدة من القاهرة؛ لأنه إن تأخر حضورهم الآن — كما قال — منظور أن الفتنة تعم كافة الجهات السودانية، وفيما بعد يتعسر إطفاؤها بأضعاف أضعاف هذا المقدار.
كان من أثر هذا التقرير أن أخذت حكومة القاهرة تجمع في مصر القوة أو الجيش اللازم إرساله إلى السودان، فعمدت إلى تجنيد الصالحين للخدمة من جيش عرابي المنحل، وأُقيم معسكر للتدريب في القناطر الخيرية، وأمكن إرسال نجدة سريعة إلى الخرطوم فوصلتها في آخر عام 1882م، ولكن عبد القادر باشا كان عندئذٍ قد وصل إلى درجة من اليأس، جعلته يطلب من القاهرة في 14 ديسمبر 1882م إعفاءه من الخدمة في السودان، وعَلَّلَ هذا الطلب بقوله: «المنظور أن تكامل حضور العساكر اللازمة سيأخذ وقتًا طويلًا، وبهذا السبب ستتسع الحركات الحاصلة بهذه الجهات، وبما أن تلك الحركات لا يمكن إطفاؤها إلَّا بوجود العساكر الكفاية. وفضلًا عن ذلك فإن أهوية هذه الجهات قد أخرت بصحتنا»، واستمر يقول: «فلهذا نسترحم من تعطفات الحضرة الفخيمة الخديوية تعيين مَنْ يقوم مقامنا، والتصريح لنا بالتوجه للمحروسة»، ورفض الخديوي استعفاء عبد القادر حلمي (15 ديسمبر) وأكد له «أن الاهتمام الزائد «يجري» في تشهيل وإبعاث العساكر أوَّلًا بأول» من مصر إلى السودان.
ومع ذلك لم يمضِ وقت طويل على رفض هذه الاستقالة حتى أصدر الخديوي تعليماته باستدعاء عبد القادر باشا، وتعيين علاء الدين باشا حكمدارًا على السودان (24 ديسمبر 1882م)، وكان علاء الدين حكمدارًا لشرق السودان تحت إمرة عبد القادر حلمي. وفي 20 يناير 1883م أصدر الخديوي أمره بإلغاء نظارة السودان، وتعيين علاء الدين باشا حكمدارًا على السودان، وغادر عبد القادر حلمي الخرطوم إلى القاهرة في أواخر أبريل 1883م، وكان علاء الدين باشا قد وصل إلى الخرطوم منذ 20 فبراير 1883م.
ولم يكن تعيين علاء الدين باشا هو كل التغيير الذي حصل لمحاولة معالجة الموقف في السودان. بل كان من عناصر هذا التغيير كذلك أن يمارس الحكمدار الجديد شئون الحكم المدنية، بينما يمارس وظائف «الحكمدار» العسكرية قومندان عام، ووقع الاختيار على سليمان باشا نيازي لملء هذا المنصب؛ ثم أن يتعيَّن ضابط بريطاني لرئاسة أركان حرب هذا القومندان العام، كان الكولونيل وليم هيكس (Hicks) الذي عُيِّنَ في الاحتياطي منذ 1880م بالجيش البريطاني، فدخل الآن في خدمة الجيش المصري، ووصل القاهرة في أواخر يناير 1883م، وأُعطي لقب فريق، وقد بلغ هيكس باشا الخرطوم في 7 مارس، وكانت أوامر سليمان نيازي — بالرغم من كونه القائد العام — أن يعمل برأي هيكس في المسائل الفنية، ووقع على كاهل «هيكس» مسئولية معالجة الموقف «عسكريًّا» في السودان.
ويذهب كثيرون إلى أن عبد القادر حلمي كان وحده الذي يقدر على إخماد ثورة المهدي، وأن استدعاءه كان لذلك «دسيسة» من أولئك الذين أرادوا الثورة أن تستفحل حتى يضيع السودان من مصر، ولكن استدعاء عبد القادر حلمي كان لا مندوحة منه؛ بسبب إلحاح عبد القادر في ضرورة إرسال النجدات العسكرية الكبيرة إليه، وعجز المسئولين في القاهرة عن تحقيق رغبته؛ ولأن النية كانت منصرفة لتعيين قائد بريطاني في الخرطوم، بدلًا من إرسال القوات المطلوبة، ولم يكن منتظرًا أن يرضى عبد القادر بالعمل تحت إشراف قائد آخر.
أمَّا لماذا تَعَيَّنَ «هيكس» الضابط الإنجليزي لقيادة العمليات العسكرية ضد الثورة في السودان، «ولماذا استدعى عبد القادر حلمي تبعًا لذلك؟» فمرد هذا إلى السياسة التي رأى الاحتلال البريطاني أن يتبعها وقتئذٍ. وفي هذا الدور الأول والمبكر في أدوار المسألة السودانية.