وكان لتسوية العلاقات بين مصر وتركيا على الأسس التي سبق ذكرها آثار بالغة على تطور الحوادث في شطرَي الوادي في السنوات التالية. كما أن هذه التسوية قد انطوت على مبادئ وحقائق متصلة بوحدة الوادي السياسية.
فقد اشتدت تصفية الأزمة العثمانية-المصرية على نفس القواعد التي اتُّخذت أساسًا للتسوية التي وُضعت للمسألة المصرية في 1840-1841م؛ وذلك من حيث تبعية مصر لتركيا، وموافقة الدول على نوع «النظام السياسي» الذي ربط بين مصر وتركيا؛ وكان معنى هذه الموافقة استمرار «الوصاية الدولية» التي أوجدتها تسوية 1840-1841م. بل إن الأدوار التي مرَّت بها تصفية أزمة العلاقات العثمانية-المصرية منذ سنة 1869م قد أتاحت الفرصة لأن يظهر خلالها بصورة عملية «نوع» هذه الوصاية الدولية، عندما تدخلت الدول، على نحو ما شاهدنا، لإنهاء الخلاف بين الخديوي والسلطان العثماني، وصدر فرمان 25 سبتمبر 1872م، وفرمان 9 يونيو 1873م بموافقتها، فبقي متعذرًا أن يطرأ أي تغيير جوهري على التصفية التي تمت لأزمة العلاقات العثمانية-المصرية، من غير موافقة الدول.
ولا جدال في أن الخديوية لو كانت نجحت في مشروع الاستقلال، لأزيلت الوصاية الدولية التي أوجدتها الرقابة الدولية التي أُنشئت لضمان الوضع الذي حدَّد العلاقات الواجب (في نظر الدول) أن تقوم بين مصر وتركيا، أما وقد بقيت هذه الوصاية الدولية، وبقيت كذلك التبعية لتركيا، فقد صار لتسوية أزمة العلاقات العثمانية-المصرية، بالصورة التي تضمنها أخيرًا الفرمان الشامل في 9 يونيو 1873م، أهمية كبيرة، من نوع آخر، في تاريخ مصر والسودان.
ذلك أن الفرمانات التي صدرت في الفترة الأخيرة: في 26 مايو 1866م عن الوراثة الصُّلبية المباشرة، و8 يونيو 1867م عن الخديوية، و9 يونيو 1873م وهو الفرمان الشامل، قد أدمجت شطرَي الوادي وجعلت مصر والسودان «كلًّا» واحدًا، فتدعمت بفضل ذلك وحدة وادي النيل السياسية، وحيث إن هذه الفرمانات قد صدرت بموافقة الدول، فقد كان معنى هذا أن الدول صارت معترفة بوحدة الوادي السياسية ومقرَّة لها. ولقد ترتب على هذه الحقائق أنه صار لا يمكن بحالٍ من الأحوال، من الناحية القانونية الدولية، وعن طريق إجراء منفرد قد تتخذه دولة من الدول منفصلة عن زميلاتها، فصم هذه الوحدة أو الانتقاص من حقوق السيادة التي للخديوية على الوادي بأسره، أو اقتطاع إقليم من الأقاليم الخاضعة لهذه السيادة القانونية.
وكذلك صار متعذرًا على تركيا صاحبة السيادة الشرعية العليا، وبإجراء منفرد من جانبها كذلك، أن تنقُض هذه الوحدة أو تفصمها أو تُدخل أيَّ تغيير على الوضع الذي قامت على أساسه هذه الوحدة السياسية؛ ثم إنه صار متعذرًا أيضًا هدم هذه الوحدة إلا عن أحد طريقين: إما طريق العنف والقوة، وفي ذلك خرق للتسوية التي وُضعت للمسألة المصرية 1840-1841م واستندت عليها المبادئ الجوهرية لهذه التصفية التي أنهت أزمة العلاقات العثمانية-المصرية وتضمنها فرمان 9 يونيو 1873م، وإما طريق الاتفاق بين الدول واتحاد كلمتها. وفضلًا عن ذلك فلا يكفي أيضًا أن تنزل مصر عن حقوق سيادتها المباشرة على السودان أو أن تنزل تركيا عن سيادتها الشرعية العليا عن الخديوية — وتشمل الخديوية مصر والسودان — وذلك كإجراء «تلقائي» في كلا الحالين؛ أي تقوم به تركيا أو مصر من تلقاء نفسها، بل يجب لقانونية مثل هذا التنازل — إذا حدث — أن يتضمنه اتفاق دولي.
وعلى ذلك فقد انطوت تصفية الأزمة العثمانية-المصرية على ضمان لاستقرار «الوضع» القائم في الخديوية، وكان لهذا الضمان آثار مباشرة على تطور الحوادث في مصر والسودان معًا؛ ولم تلبث أن أفضت هذه الآثار إلى نتائج معينة في كل منهما.
ففي مصر، تتمثل هذه النتائج في تغلغل النفوذ الأجنبي وزيادة تدخل الدول في شئون مصر الداخلية، عندما ترتب على اتساع نطاق استقلال مصر الداخلي أن استمر الخديوي يعقد القروض الخارجية، في عام 1870م، حيث عقد قرض الدائرة الثاني، ويلاحظ أن قرض الدائرة الأول قد عُقد مع بيت الأنجلو-إجيبشان المالي في 1865-1866م، وفي عام 1873م عُقد مع بيت أوبنهايم المالي القرض الذي صار يُعرف باسم القرض المشئوم، وهذا عدا القروض الداخلية كدين الرزنامة في 1874م (والرزنامة: مصلحة حكومية يودع بها الأهالي أموالهم كأمانات تتصرف فيها الحكومة بشرط دفع معاشات للمستحقين) وعدا بيع الأسهم التي لمصر في شركة قناة السويس (1875م)، وكان عددها 602، 176 سهم أي ما يوازي 7 / 16 من رأس مال شركة قناة السويس وقد ارتبكت مالية البلاد ارتباكًا شديدًا، أدى في نهاية الأمر إلى عزل الخديوي إسماعيل، وذلك في ظروف سوف يأتي ذكرها.
وأما في السودان، فقد تمثلت هذه النتائج؛ نتائج تصفية الأزمة العثمانية-المصرية، في اهتمام مصر المتزايد بشئون الجنوب، وقد اتخذ هذا الاهتمام مظهرين؛ أولهما: العمل من أجل زيادة عمار السودان، وتقدمه. وقد ذكرنا نواحي هذا النشاط مُفَصَّلة في كتابنا «الحكم المصري في السودان 1820–1885م» (طبع القاهرة 1947م). ولقد استمر الإنفاق على شطر الوادي الجنوبي بالرغم من الأزمة المالية التي صارت تعانيها الخديوية، فشهدت السنوات التالية بلوغ السودنة ذروتها؛ فشغل السودانيون الوظائف الهامة، وصار منها المديرون، ونظار الأقسام والمعاونون … إلخ، وتعدد إنشاء المجالس المحلية للفصل في قضايا الأهالي في مختلف المديريات، في: التاكة، وبربر، والخرطوم، ودنقلة، وكردفان، وغيرها، ثم أُشرك شيوخ القبائل مع سائر العناصر الوطنية في تحمل مسئوليات الحكم، وكثر تعمير المساجد، ونشر التعليم والاهتمام بالزراعة والتجارة إلى غير ذلك من ضروب العمران، كما استمر النشاط على أشده في مكافحة الرق والنخاسة، وأُرسلت البعثات — من الضباط المصريين والأمريكان في الجيش المصري — للقيام بالاستكشافات العلمية والجغرافية ورسم الخرائط التفصيلية لمختلف أقاليم السودان.
وأما المظهر الثاني لاهتمام مصر بشئون السودان فكان مسعى الخديوية لاستكمال وحدة الوادي السياسية من ناحية، ودعم حقوق السيادة على الوادي من ناحيةٍ أخرى. ولقد كان استكمال وحدة الوادي السياسية هو الهدف الثاني الذي ذكرنا أن مصر قد سعت لتحقيقه منذ أزمة العلاقات العثمانية-المصرية في عام 1769م، من أجل المحافظة على هذه الوحدة نفسها ودعمها.