

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
معنى علم المنايا والبلايا والأعمار والملاحم والفتن
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج12، ص116-158
2026-03-24
24
كان أمير المؤمنين عليه السلام قائماً على هذه الذروة من عَلَم العِلْم، مستشرفاً العالَم بعين بصيرته، مخصوصاً بذلك من قبل خاتم الأنبياء صلوات الله عليه. ورفع كثيراً من خاصّته وحواريّيه المخلصين الأحمّاء إلى هذه الدرجة. ومن هؤلاء جُوَيْرِيَة بْنِ مُسهِرٍ العَبْدِيّ الذي مرّ ذكره، ومنهم رُشَيْد الهَجَريّ، ومِيثم التَّمَّار، وحبيب بن مظاهر الأسديّ، وكان لهؤلاء جميعهم علم المنايا والبلايا والأعمار والفتن والملاحم.
والمنايا جمع مَنِيَّة، وهي الموت ومفارقة الدنيا. ومن كان له هذا العلم، فهو مطّلع على آجال الناس، ويعلم أين ومتى يموتون.
والبلايا جمع بَلِيَّة، وهي المصيبة والمحنة. ومن كان له حظّ من هذا العلم، فهو مطّلع على الحوادث والوقائع التي تستدعي الاختبار، وترد فيها المصائب كالزلزلة، والطوفان، والغرق، والحرق، وانتشار الأمراض كالوباء، والطاعون، والحوادث والمصائب النازلة بالناس.
والأعمار جمع عَمْر، وهو الحياة. والعُمْر والعُمُر بمعنى واحد. ومن كان له نصيب من هذا العلم، فهو مطّلع على أعمار الناس وحدّها وأسباب طول العمر وقصره.
و الملاحم جمع مَلْحَمَة، وهي الموقعة العظيمة والقتل في الحرب. ومن كان عارفاً بهذا العلم، فهو خبير بالحوادث المهمّة التي تجري في العالم، والحروب ومواصفاتها وزمانها ومكانها، ومن يقتل فيها، ومن يسلم، ونتائجها، وأسبابها بنحو تامّ، أو تبعاً لسعة مدركاته المثاليّة وضيقها.
والفتن جمع فِتْنَة، وجاءت بمعنى الاختبار، والضلال، والكفر، والفضيحة، والشدّة، والجنون، والعبرة، والمرض، والعذاب، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء والأفكار، ووقوع حوادث القتل بينهم. ومن كانت له حصيلة من هذا العلم، فهو مطّلع على كيفيّة الاختبار الإلهيّ وأثره، وكذلك هو مطّلع على كفر الناس وضلالتهم وفضيحتهم، وعلى ما يعسر من الامور، وضروب المرض والعذاب، وأسباب اختلاف الناس في صنع القرار وتدبير شئونهم.
ويمكن أن يحصل المرء على قسم من هذه العلوم، وربّما تجتمع كلّها عند أحد. كما يمكن أن تكون قليلة ومجملة عند البعض، أو توجد لديه في بعض الأحيان. وقد تتهيّأ للبعض بنحو تامّ وكبير وفي جميع الأوقات والظروف والأحوال. وكانت لأمير المؤمنين عليه صلوات المصلّين هذه العلوم كافّة بكلّ أقسامها، وبنحو متواصل في الدرجة العليا من الاطّلاع والإحاطة كما يُستشفُّ ذلك من كلماته. ويُلمس من شرح الوقائع التي نقلتها كتب التأريخ والسيرة والحديث في أحواله وسلوكه.
ومن ذلك ما ذكره الشيخ المفيد في «الإرشاد» عن الوليد بن حارث وغيره من رجال العامّة أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بلغه ما صنعه بُسر بن أرطاة باليمن قال: اللَهُمَّ إنَّ بُسْراً قَدْ بَاعَ دِينَهُ بِالدُّنْيَا، فَاسْلُبْهُ عَقْلَهُ ولَا تُبْقِ لَهُ مِنْ دِينِهِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ عَلَيْكَ رَحْمَتَكَ. أي: في الجملة لا تُبق له دينه وخذ كلّ ما عنده!
فبقي بُسر حتى اختلط فكان يدعو بالسيف. فاتُّخذ له سيف من خشب، فكان يضرب به حتى يغشى عليه. فإذا أفاق، قال: السيف السيف. فيُدفع إليه فيضرب به، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات.[1]
ومن ذلك ما استفاض عنه عليه السلام من قوله: إنَّكُمْ سَتُعْرضُونَ مِنْ بَعْدِي عَلَى سَبِّي، فَسُبُّونِي فَإنْ عُرِضَ عَلَيْكُمُ البَرَاءَةُ مِنِّي فَلَا تَبَرَّءُوا مِنِّي، فَإنِّي وُلِدْتُ عَلَى الإسْلَامِ. فَمَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ البَرَاءَةُ مِنِّي فَلْيَمْدُدْ عُنُقَهُ. (ويقل: ها هو عنقي فاضربوه ولا أتبرّأ من عليّ). فَمَنْ تَبَرَّأ مِنِّي فَلَا دُنْيَا لَهُ ولَا آخِرَةَ.[2]
وعلى هذا الأساس ورد في رواية سُفيان بن عُيَيْنَة عن طاووس اليمانيّ أنّه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لحُجر البدريّ: يَا حُجْرُ! كَيْفَ بِكَ إذَا اوقِفْتَ عَلَى مِنْبَرِ صَنْعَاءَ وامِرْتَ بِسَبِّي والبَرَاءَةِ مِنِّي؟ فقال حجر: أعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: واللهِ إنَّهُ كَائِنٌ، فَإذَا كَانَ ذَلِكَ فَسُبَّنِي ولَا تَتَبَرَّأ مِنِّي، فَإنَّهُ مَنْ تَبَرَّأ مِنِّي في الدُّنْيَا بَرِئْتُ مِنْهُ في الآخِرَةِ.
قال طاووس اليمانيّ: أخذ الحجّاج بن يوسف الثقفيّ حجراً وأمره أن يسبّ عليّاً. فصعد المنبر وقال: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ أمِيرَكُمْ هَذَا أمَرَنِي أنْ ألْعَنَ عَلِيَّاً، ألَا فَالْعَنُوهُ لَعَنَهُ اللهُ.[3]
ومن ذلك ما رواه الوليد بن الحارث أيضاً عن الإمام عليه السلام أنّه قال: أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي دَعْوُتُكُمْ إلَى الحَقِّ فَتَوَلَّيْتُمْ عَنِّي، وضَرَبْتُكُمْ بِالدّرَّةِ فَأعْيَيْتُمُونِي، أمَا إنَّهُ سَيَلِيكُمْ مِنْ بَعْدِي وُلَاةٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْكُمْ بِهَذَا حتى يُعَذِّبُوكُمْ بِالسِّيَاطِ والحَديدِ. إنَّهُ مَنْ عَذَّبَ النَّاسَ في الدُّنْيَا عَذَّبَهُ اللهُ في الآخِرَةِ. وآيَةُ ذَلِكَ أنْ يَأتِيكُمْ صَاحِبُ اليَمَنِ حتى يَحِلَّ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ فَيَاخُذُ العُمَّالَ وعُمَّالَ العُمَّالِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ.[4]
قال الشيخ المفيد: فكان الأمر في ذلك كما قال.[5]
وورد في الأمثال أنّه روى عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه أثنى عليه رجل متّهم في تشيّعه وولايته، فقال عليه السلام: أنَا دُونَ مَا تَقُولُ، وفَوْقَ مَا تَظُنُّ في نَفْسِكَ.[6]
وأنشد الناشي قائلًا:
لَهُ في كُلِّ وَجْهٍ سِمَةٌ تُنْبِئُ عَنِ العَقْدِ *** فَتَسْقِى الرِّجْسَ بِالغَيّ وتُحْظِى البِرَّ بِالرُّشْدِ[7]
وجاء في كتاب «المعرفة والتأريخ» للنسويّ أنّه قال: قال رزين الغافقيّ: سمعتُ عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: يَا أهْلَ العِرَاقِ! سَيُقْتَلُ مِنْكُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ بِعَذْرَاءَ،[8] فقُتل حُجر بن عديّ وأصحابه بعذراء.[9]
وكان حُجْر بن عديّ الكِنْديّ الكوفيّ من أعاظم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أبدالهم، وكان مشهوراً في العرب بكياسته وزهده وعبادته. قيل: كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة. وتحدّث عنه أصحاب التراجم والرجال مفصّلًا. منهم: ابن الأثير في «اسد الغابة». وفيما يأتي شيء من سيرته وخصوصيّاته نقلًا عن كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ الأندلسيّ:
كان حُجر بن عديّ الكنديّ من فضلاء الصحابة وصغر سنّه عن كبارهم. وكان على كندة يوم صفّين. وكان على الميسرة يوم النهروان.
ولمّا ولّى معاوية زياداً ابن أبيه العراق وما وراءه، وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر، خلعه حجر ولم يخلع معاوية. وتابعه جماعة من أصحاب على عليه السلام وشيعته. وحصبه حجر يوماً في تأخير الصلاة هو وأصحابه.
فكتب فيه زياد إلى معاوية، فأمره أن يبعث به إليه. فبعث به إليه مع وائل بن حجر الحضرميّ في اثني عشر رجلًا كلّهم في الحديد. فقتل معاوية منهم ستّة واستحيا ستّة. وكان حُجر بن عديّ ممّن قُتل.
فبلغ ما صنع بهم زياد إلى عائشة فبعثت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و قالت له: الله الله في حُجْر وأصْحَابِهِ. فوجده عبد الرحمن قد قُتل هو وخمسة من أصحابه. فقال عبد الرحمن لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه؟ أ لا حبستهم في السجون وعرضتهم للطاعون؟ فقال معاوية: حين غاب عنّي مثلك من قومي.
قال عبد الرحمن: والله، لا تعدّ لك العرب حلماً بعد هذا أبداً ولا رأياً. قتلتَ قوماً بعث بهم إليك اسارى من المسلمين. قال معاوية: فما أصنع؟ كتب إلى فيهم زياد يشدّد أمرهم ويذكر أنّهم سيفتقون عَلَيّ فتقاً لا يرقع.
ثمّ قدم معاوية المدينة فدخل على عائشة. فكان أوّل ما بدأته به قتل حجر في كلام طويل جرى بينهما. ثمّ قال: فدعيني وحجراً حتى نلتقي عند ربّنا.
والموضع الذي قُتل فيه حُجر بن عديّ ومن قتل معه من أصحابه يعرف بمرج عذراء ... فلمّا قدّم للقتل، قال: دعوني اصلّي ركعتين، فصلّاهما خفيفتين ... ثمّ قال لمن حضر من أهله: لا تطلقوا عنّي حديداً، ولا تغسلوا عنّي دماً فإنّي مُلاقٍ معاوية على الجادّة.
وقال مبارك بن فضالة: سمعتُ الحسن البصريّ يقول وقد ذكر معاوية وقتل حجراً وأصحابه: وَيْلٌ لِمَنْ قَتَلَ حُجْراً وأصْحَاب حُجْرٍ.
وقال أحمد: قلتُ ليحيى بن سليمان: أ بَلَغَكَ أنَّ حُجْراً كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ؟ قَالَ: نَعَم، وكَانَ مِنْ أفَاضِلِ أصْحَابِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ.
وروينا عن سعيد المَقْبُرِيّ، قال: لمّا حجّ معاوية، جاء المدينة زائراً، فاستأذن على عائشة، فأذنت له. فلمّا قعد، قالت له: يا معاوية! أ أمنتَ أن اخبئ لك من يقتلك بأخي محمّد بن أبي بكر؟ فقال: بيت الأمان دخلتُ. قالت: يا معاوية! أ ما خشيتَ الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: إنّما قتلهم من شهد عليهم.
وعن مسروق بن الأجدع قال: سمعت عائشة تقول: أمَا واللهِ لَوْ عَلِمَ مُعَاوِيَةُ أنَّ عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ مَنْعَةً مَا اجْتَرَأ عَلَى أنْ يَأخُذَ حُجْرَاً وأصْحَابَهُ مِنْ بَيْنِهُمْ حتى يَقْتُلَهُمْ بِالشَّامِ، ولَكِنَّ ابْنَ آكِلَةِ الأكْبَادِ. (هند آكلة الأكباد زوجة أبي سفيان، وامّ معاوية، أكلت كبد حمزة سيّد الشهداء في غزوة احد) عَلِمَ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ النَّاسُ. أمَا واللهِ إنْ كَانُوا لِجُمْجُمَةِ العَرَبِ عِزَّاً ومَنْعَةً وفِقْهَاً. لِلَّهِ دَرُّ لُبَيْدٍ حَيْثُ يَقُولُ:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ *** وبَقِيتُ في خَلَفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
لَا يَنْفَعُونَ ولَا يُرَجَّى خَيْرُهُمْ *** ويُعَابُ قَائِلُهُمْ وإنْ لَمْ يَشْغَبِ
(أي: أنّ الذين ماتوا من الماضين كانوا كالحيوان الصحيح السالم البدين وكنتُ اواصل حياتي بفضلهم، ولكنّ الباقين ليسوا أصحّاء، وليسوا أهل بُدنة، فهم كجلد البعير والثور الأجرب، فلا ينتفع بهم).
ولمّا بلغ الربيع بن زياد الحارثيّ من بني الحارث بن كعب، وكان فاضلًا جليلًا، وكان عاملًا لمعاوية على خراسان وكان الحسن بن أبي الحسن كاتبه؛ فلمّا بلغه قتل معاوية حجر بن عديّ، دعا الله عزّ وجلّ فقال: اللهمّ إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجّل. فلم يبرح من مجلسه حتى مات. وكان قتل معاوية لحجر بن عديّ سنة إحدى وخمسين.[10]
وممّا أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من الفتن الواقعة بعده أنّه لمّا رأى عجز الناس في الكوفة عن القيام بالحقّ، قام خطيباً فيهم فقال: مَعَ أي إمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ وأي دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ؟ أمَا إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وسَيْفاً قَاطِعاً وأثَرَةً قَبِيحَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ عَلَيْكُمْ سُنَّةً.[11]
وقال لأهل الكوفة: أمَ إنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ رَحِيبُ البُلْعُومِ، مُنْدَحِقُ البَطْنِ، يَأكُلُ مَا يَجِدُ، ويَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، ولَنْ تَقْتُلُوهُ. ألَا وإنَّهُ سَيَأمُرُكُمْ بِسَبِّي والبَرَاءَةِ مِنِّي. أمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، وأمَّا البَرَاءَةُ مِنِّي فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي، فَإنِّي وُلِدْتُ عَلَى الفِطْرَةِ، وسَبَقْتُ إلَى الإسْلَامِ والهِجْرَةِ- يعني معاوية.[12]
وذكر محمود الزمخشريّ في كتاب «الفائق» قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ امُوراً مُتَمَاحِلَةً رُدُحاً وبَلَاءً مُبْلِحاً.[13]
وقال ابن الأثير الجزريّ: الرَّدْح: الثَّقْل. يقال: امْرَأةٌ رَدَاحٌ، أي: ثَقِيلَةُ الكَفلَ. ومنه حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ امُوراً مُتَمَاحِلَةً رُدُحَاً. المتماحلة يعني المتطاولة. ورُدُح الثقيلة العظيمة، واحدها رَدَاح، يعني الفتن. ورُوي: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنَاً مُرْدِحَةً. أي: مثقلة. وقيل: مغطّية على القلوب، من أردحتُ البيت إذا سترتُه.[14]
وقال ابن الأثير أيضاً: المَحْل بمعنى الدفاع والجدال والمكر والشدّة. ومنه حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ امُوراً مُتَماحِلَةً. أي: فتناً طويلة المدّة. والمتماحل من الرجال: الطويل.[15]
وقال أيضاً: البَلْح: الشدّة التي ترهق الرجل فلم يقدر أن يتحرّك. ومنه حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَناً وبَلَاءً مُكْلِحاً مُبْلِحاً. أي: مُعيياً بحيث يسلب الرجل قدرته.[16]
وقال كذلك: ورد الكَلْح في حديث عليّ عليه السلام: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتنَاً وبَلَاءً مُكْلِحاً مُبْلِحاً. والكُلُوح: العُبُوس. يقال: كَلَحَ الرَّجُلُ وأكْلَحَهُ الهَمُّ.[17]
إن هذه الكلمات كلّها تشير إلى ظهور زمان عَسِر عصيب جدّاً. الإسلام فيه مضيّع مغارٌ عليه. وأنّ التوحيد والعرفان والولاية والصدق، كلّ اولئك جريمة لا تغتفر. ومن الواضح أنّ في كلامه إشارة إلى الحكومة الأمويّة التي تمثّلت بمعاوية ويزيد ومروان وبني مروان. وكانت عصورهم من أشدّ العصور وأهلكها إذ ضُيّق فيها على اولي البصائر والضمائر الحيّة والعواطف الصادقة.
ومن جملة إخباره عليه السلام خبر تحدّث فيه عن حكومة بني اميّة وبني العبّاس، وأشار فيه إلى بعض المواصفات والمعالم التي كان عليها عدد من الحكّام العبّاسيّين كرأفة حاكمهم الأوّل عبد الله السفّاح، وفتك ثانيهم، وهو المنصور، وعظمة سلطان خامسهم، وهو هارون الرشيد، ودهاء سابعهم وعلمه، وهو المأمون، وشدّة بغض عاشرهم وعدائه لأهل البيت، وهو المتوكّل، وذكّر بقتله من قبل ابنه. وألمح إلى كثرة عناء خامس عشرهم وهو المعتمد، ذلك أنّه ابتُلى بمحاربة صاحب الزنج. وأشار إلى إحسان سادس عشرهم إلى العلويّين، وهو المعتضد، وذكر قتل الحاكم الثامن عشر منهم، وهو المقتدر، ونبّه على سيطرة أولاده الثلاثة على السلطة، وهم الراضي، والمطيع، والمتّقي، كما هو مسطور في التأريخ.
قال ابن شهرآشوب في مناقبه: ومن خطبة له عليه السلام: وَيْلُ هَذِهِ الامَّةِ مِنْ رِجَالِهِمْ، الشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ التي ذَكَرَهَا رَبُّكُمْ تعالى، أوَّلُهُمْ خَضْرَاءُ وآخِرُهُمْ هَزْمَاءُ. ثُمَّ تَلِى بَعْدَهُمْ أمْرَ امَّةِ مُحَمَّدٍ رِجَالٌ: أوَّلُهُمْ أرْأفُهُمْ، وثَانِيهِمْ أفْتَكُهُمْ، وخَامِسُهُمْ كَبْشُهُمْ، وسَابِعُهُمْ أعْلَمُهُمْ، وعَاشِرُهُمْ أكْفَرُهُمْ يَقْتُلُهُ أخَصُّهُمْ بِهِ، وخَامِسُ عَشَرِهِمْ كَثِيرُ العَنَاءِ قَلِيلُ الغِنَاءِ، وسَادِسُ عَشَرِهِمْ أقْضَاهُمْ لِلذِّمَمِ وأوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ. كَأنِّي أرَى ثَامِنُ عَشَرِهِمْ تُفْحَصُ رِجْلَاهُ في دَمِهِ بَعْدَ أنْ يَأخُذَ جُنْدُهُ بِكَظَمِهِ، مِنْ وُلْدِهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ سِيَرتُهُمْ سِيرَةُ الضُّلَّالِ. والثَّانِي والعِشْرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الهَرِمُ تَطُولُ أعْوَامُهُ وتَوافِقُ الرَّعِيَّةَ أيَّامُهُ. السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْهُمْ يَشْرُدُ المُلْكُ مِنْهُ شُرُودَ المُنْفَتِقِ، ويَعْضُدُهُ الهَزْرَةُ المُتَفَيْهِقُ، لَكَأنِّي أرَاهُ عَلَى جِسْرِ الزَّوْرَاءِ قَتِيلًا. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ «وَ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ».[18]
يشير الإمام عليه السلام في مستهلّ خطبته إلى سلاطين بنى اميّة الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بالشجرة الملعونة. ولمّا كانت حكومة معاوية -و هو أوّلهم- ذات قدرة وسيطرة وعيش رغيد لهم، لذلك سمّاها الشجرة الخضراء. ولمّا كانت حكومة آخرهم، وهو مروان الحمار، قد أتى عليها الدهر فظهر فيها التصدّع والانكسار والثغرات، لذا أطلق عليها عنوان الشجرة الهزماء. ثمّ ينقل لنا عليه السلام مواصفات الملوك العبّاسيّين، كما عرضناها آنفاً، فيصل إلى الثامن عشر منهم وهو المُقْتَدِر. فلمّا فرّ مؤنس الخادم من عسكره، وأتى الموصل، واستولى عليه، وجمع جيشاً، ورجع، وحارب المقتدر في بغداد، وهزم عسكره، وقُتل المقتدر في المعركة، واستولى على الحكومة من بعده ثلاثة من أولاده، لهذا ذكره الإمام عليه السلام بقوله: كأنّي أرى ثامن عشرهم تُفْحَصُ رِجلاه في دمه بعد أن يأخذ جنده بكظمه، من وُلده ثلاثة رجال سيرتهم سيرة الضُّلّال.
والثاني والعشرون منهم الشيخ الهرم تطول أعوامه وتوافق الرعيّة أيّامه. قال المجلسيّ هنا في شرح هذه الخطبة: الثاني والعشرون من بني العبّاس هو المُكْتَفِي بِاللهِ عَبْدُ اللهِ، ادّعى الخلافة بعد مضيّ إحدى وأربعين من عمره في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. واستولى أحمد بن بَابَوَيْه على بغداد في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وأخذ المكتفي وسمل عينيه، وتوفّي المكتفي في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وقيل: كانت أيّام خلافته سنة وأربعة أشهر. وعلى هذا يحتمل أنّ يكون لفظ (الثاني والعشرين) من خطأ المؤرّخين أو رواة الحديث بأن يكون في الأصل الخامس والعشرون أو السادس والعشرون. فالأوّل هو القادر بالله أحمد بن إسحاق وقد عمّر ستّاً وثمانين سنة. وكانت مدّة حكومته إحدى وأربعين سنة. والثاني هو القائم بأمر الله، كان عمره ستّاً وسبعين سنة، وحكومته أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر.
وقال المجلسيّ بعد عرض الاحتمالات الاخري: ويحتمل أن يكون المراد بالسادس والعشرين المُسْتَعْصِم بالله فإنّه قُتل، وشرد الملك منه شرود المنفتق حتى ضاع كلّه شيئاً فشيئاً. واعتراه الغبن والخسران من جميع الجهات بنحو واسع (يَشْرُدُ المُلْكُ مِنْهُ شُرُودَ المُنْفَتِقِ ويَعْضُدُهْ الهَزْرَةُ المُتَفَيْهِقُ). وكان المستعصم آخر الحكّام العبّاسيّين. وإنّما عبّر عنه الإمام بالسادس والعشرين مع كونه السابع والثلاثين منهم لكونه السادس والعشرين من عظمائهم لعدم استقلال كثير منهم، وكونهم مغلوبين للملوك والأتراك.[19]
ومن هذه الخطبة: سَيَخْرِبُ العِرَاقُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَكْثُرُ بَيْنَهُمَا الجَرِيحُ والقَتِيلُ -يَعْنِي طُرْلِيكَ والدّوَيْلِمَ- لَكَأنِّي اشَاهِدُ بِهِ دِمَاءَ ذَوَاتِ الفُرُوجِ بِدِمَاءِ أصْحَابِ السُّرُوجِ. وَيْلٌ لإهْلِ الزَّوْرَاءِ مِنْ بَنِي قَنْطُورَةَ.[20]
نقل المجلسيّ في شرحه عن الجزريّ ما نصّه: في حديث حُذيفة: يُوشِكُ بِنُو قَنْطُورَاءَ أنْ يُخْرِجُوا أهْلَ العِرَاقِ مِنْ عِرَاقِهِمْ -وَ يُرْوَي: أهْلَ البَصْرَةِ مِنْهَا- كَأنِّي بِهِمْ خُنْسُ الانُوفِ، خُزْرُ العُيُونِ، عِرَاضُ الوُجُوهِ.[21]
قيل: إنّ قَنْطُورَاءَ كانت جارية لإبراهيم الخليل عليه السلام. ولدت له أولاداً منهم الترك والصين. ومنه حديث عمرو بن العاص: يوشك بَنُو قَنْطُورَاء أن يُخرجوكم من أرض البصرة. وحديث أبي بكرة: إذا كان آخر الزمان جاء بَنُو قَنْطُورَاء.[22]
ومن هذه الخطبة: لَكَأنِّي أرَى مَنْبَتَ الشِّيحِ (نبات معطّر) عَلَى ظَاهِرِ أهْلِ الحِضَّةِ قَدْ وَقَعَتْ بِهِ وَقْعَتَانِ يَخْسَرُ فِيهَا الفَرِيقَانِ- يَعْنِي وَقْعَةَ المُوصِلِ -حتى سُمِّي بَابَ الأذَانِ. ووَيْلٌ لِلطِّينِ مِنْ مُلَابَسَةِ الأشْرَاكِ. ووَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ مُخَالَطَةِ الأتْرَاكِ. وَيْلٌ لُامَّةِ مُحَمَّدٍ إذَا لَمْ تَحْمِلْ أهْلَهَا البُلْدَانُ، وعَبَرَ بَنُو قَنْطُورَةَ نَهْرَ جَيْحَانَ، وشَرَبُوا مَاءَ دِجْلَةَ، وهَمُّوا بِقَصْدِ البَصْرَةِ والإيلَةِ. وأيْمُ اللهِ لَتَعْرَفُنَّ بَلْدَتَكُمْ حتى كَأنِّي أنْظُرُ إلَى جَامِعِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ.[23]
وجاء في رواية «بحار الأنوار»: وأيْمُ اللهِ لَتَغْرِقَنَّ بَلْدَتُكُمْ -إلى آخره.[24]
وقال ابن شهرآشوب في مناقبه: روى قتادة عن سعيد بن المسيّب أنّه سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى: وإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها،[25] فقال عليه السلام في خبر طويل انتخبنا منه: تخرب سمرقند وجاح، وخوارزم، وأصفهان، والكوفة من التُّرك. وهمدان، والري من الديلم. وطبريّة، والمدينة، وفارس بالقحط والجوع. ومكّة من الحبشة. والبصرة، وبلخ من الغرق، والسند من الهند. والهند من تبّت. وتبّت من الصين. وبذشجان، وصاغاني، وكرمان، وبعض الشام بسنابك الخيل والقتل. واليمن من الجراد والسلطان. وسجستان وبعض الشام بالزنج. وشامان بالطاعون. ومرو بالرمل. وهرات
بالحيّات. ونيسابور من قبل انقطاع الخير والبركة. وآذربايجان بسنابك الخيل والصواعق. وبُخارى بالغرق والجوع. والحلم وبغداد يصير عاليها سافلها.[26]
ومن جملة إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالمغيّبات والملاحم ما ذُكر في خطبته اللؤلؤيّة. وهذه الخطبة من خطبه المهمّة سلام الله عليه. نقلها الشيخ الأجلّ عليّ بن محمّد بن عليّ الخزّاز الرازيّ القمّيّ في كتاب «كفاية الأثر في النصوص على الأئمّة الاثني عشر»[27] بسنده المتّصل عن عليّ بن حسن بن مندة، عن محمّد بن الحسين الكوفيّ المعروف بأبي الحكم، عن إسماعيل بن موسى بن إبراهيم، عن سليمان بن حبيب، عن
شريك، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم النخعيّ، عن علقمة بن قيس، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة، خطبته اللؤلؤيّة فقال فيما قال في آخرها: ألَا وإنِّي ظَاعِنٌ عَنْ قَرِيبٍ ومُنْطَلِقٌ إلى المَغيبِ، فَارتَقِبُوا الفِتْنَةَ الأمَوِيَّةَ والمَمْلَكَةَ الكِسْرَوِيَّةَ، وإمَاتَةَ مَا أحْيَاهُ اللهُ، وإحْيَاءَ مَا أمَاتَهُ اللهُ، واتَّخِذُوا صَوَامِعَكُمْ بُيُوتَكُمْ، وعَضُّوا عَلَى مِثْلِ جَمْرِ الغَضَا، واذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً فَذِكْرُهُ أكْبَرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ثُمَّ قَالَ: وتُبْنَى مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ بَيْنَ دِجْلَةَ ودُجَيْلٍ والفُرَاتِ. فَلَوْ رَأيْتُمُوهَا مُشَيَّدَةً بِالجِصِّ والآجُرِّ، مُزَخْرَفَةً بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ واللَّازِوَرْدِ المُسْتَسْقَى والمَرْمَرِ والرُّخَامِ[28] وأبْوَابِ العَاجِ والأبْنُوسِ والخِيمِ والقُبَابِ والسِّتَاراتِ وقَدْ عُلِيَتْ بِالسَّاجِ والعَرْعَرِ والصَّنَوْبَرِ والشَّبِّ وشُيِّدَتْ بِالقُصُورِ، وتَوَالَتْ عَلَيْهَا مُلْكُ بَنِي شَيْصَبَانَ: أرْبَعَةٌ وعِشْرونَ مَلِكاً عَلَى عَدَدِ سِنِي المُلْكِ «كد»، فِيهُمُ السَّفَّاحُ والمِقْلَاصُ والجَمُوعُ والخَدُوعُ والمُظَفَّرُ والمُؤَنَّثُ والنَّظَّارُ والكَبْشُ والمُتَهَوِّرُ والعَشَّارُ والمُضْطَلِمُ والمُسْتَصْعَبُ والعَلَّامُ والرَّهْبَانِيّ والخَلِيعُ والسَّيَّارُ والمُتْرَفُ والكَدِيدُ والأكْتَبُ والمُتْرَفُ والأكْلَبُ والوَثِيمُ والظَّلَّامُ والعَيْنُوقُ. (و هم بالترتيب: السفّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين محمّد بن زبيدة، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمنتصر، والمستعين، والمعتزّ، والمعتمد، والمعتضد، والمتَّقي، والمقتدر، والقاهر، والراضي، والمكتفي، والمطيع.)
وَتُعْمَلُ القُبَّةُ الغَبْرَاءُ ذَاتُ الفَلَاةِ الحَمْرَاءِ، وفي عَقِبِهَا قَائِمُ الحَقِّ يُسْفِرُ عَنْ وَجْهِهِ بَيْنَ الأقَالِيم كَالقَمَرِ المُضِيءِ بَيْنَ الكَوَاكِبِ الدُّرِّيَّةِ. ألَا وإنَ لِخُرُوجِهِ عَلَامَاتٍ عَشْر: أوَّلُهَا طُلُوعُ الكَوْكَبِ ذِي الذَّنَبِ ويُقَارِبُ مِنَ الحَادِي، ويَقَعُ فِيهِ هَرْجٌ ومَرْجٌ وشَغَبٌ، وتِلْكَ عَلَامَاتُ الخِصْبِ، ومِنَ العَلَامَةِ إلَى العَلَامَةِ عَجَبٌ. فَإذَا انْقَضَتِ العَلَامَاتُ العَشْرُ إذْ ذَاكَ يَظْهَرُ بِنَا القَمَرُ. وتَمَّتْ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ لِلَّهِ عَلَى التَّوْحِيدِ.[29]
قال المجلسيّ في شرح هذا الخبر: الشَّيْصَبَانُ اسم الشيطان. وبنو العبّاس هم أشراك الشيطان. وإنّما عدّهم أربعة وعشرين مع كونهم سبعة وثلاثين لعدم الاعتناء بمن قلّ زمان ملكه وضعف سلطانه منهم.[30]
وقال عليّ بن محمّد الخزّاز الرازيّ الذي نقل الرواية في كتابه إلى هذا الموضع: فقام إليه رجل يقال له: عامر بن كثير، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد أخبرتنا عن أئمّة الكفر وخلفاء الباطل، فأخبرنا عن أئمّة الحقّ وألسنة الصدق بعدك.
قال: نعم، إنّه لعهد عهده إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً، تسعة من صلب الحسين. ولقد قال لي رسول الله: لمّا عُرج بي إلى السماء، نظرت إلى ساق العرش فإذا فيه مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، أيَّدْتُهُ بِعَلِيّ، ونَصَرْتُهُ بِعَلِيّ. ورأيت اثني عشر نوراً، فقلتُ: يا ربّ! أنوار من هذه؟ فنوديتُ: يا محمّد! هذه أنوار الأئمّة من ذرّيّتك.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: قلتُ: يا رسول الله! أ فلا تسمّيهم لي؟! قال: نعم، أنتَ الإمام والخليفة بعدي، تقضي دَيني وتنجز عِداتي. وبعدك ابناك الحسن والحسين. بعد الحسين ابنه عليّ زين العابدين، وبعده ابنه محمّد يدعى بالباقر. وبعد محمّد ابنه جعفر يدعى بالصادق، وبعد جعفر ابنه موسى يدعى بالكاظم، وبعد موسى ابنه عليّ يُدعى بالرضا، وبعد عليّ ابنه محمّد يُدعى بالزكيّ، وبعد محمّد ابنه عليّ يدعى بالنقيّ، وبعد عليّ ابنه الحسن يدعى بالأمين، والقائم من ولد الحسن سميّي وأشبه الناس بي، يَمْلُاهَا قِسْطاً وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً- (الحديث).[31]
ومن ذلك، قال ابن شهرآشوب: قال أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة القصّيّة: العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى ورَجَبٍ. وقوله عليه السلام: وأي عَجَبٍ أعْجَبُ مِنْ أمْوَاتٍ يَضْرِبُونَ هَامَاتِ الأحْيَاءِ.[32]
لقد أخبر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بمقتل ثلّة من أصحابه، منهم: حُجر بن عَديّ، ورُشَيْد الهَجَريّ، وكُمَيْل بن زياد النَّخَعيّ، وميثَم التَّمَّار ومحمّد بن أكْتَم، وخالد بن مسعود، وحبيب بن مَظاهر، وجُوَيْرِيَة ابن مُسْهِر، وعمرو بن الحَمِق، وقنبر، ومُذَرَّع،[33] وغيرهم. ووصف قاتليهم وكيفيّة قتلهم.[34]
وقال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: ومن ذلك ما رواه عبد العزيز بن صهيب، عن أبي العالية قال: حدّثني مُزَرَّع بن عبد الله، قال: سمعتُ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أمْ واللهِ لَيُقْبِلَنَّ جَيْشٌ حتى إذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ.
قال أبو العالية: فقلتُ له: إنّك لتحدّثني بالغيب؟ قال: احْفَظْ مَا أقُولُ لَكَ؛ واللهِ لَيَكُونَنَّ مَا أخْبَرَنِي بِهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ولَيُؤْخَذَنَّ رَجُلٌ فَلَيَقْتُلَنَّ وليُصلَبَنَّ بَيْنَ شُرْفَتَيْنِ مِنْ شُرَفِ هَذَا المَسْجِدِ.
قال أبو العالية: قلتُ له: إنّك لتحدّثني بالغيب؟ قال مزرّع: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ المَأمُونُ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.
قال أبو العالية: فَمَا أتَتْ عَلَيْنَا جُمُعَةٌ حتى اخِذَ مُزَرَّعٌ فَقُتِلَ وصُلِبَ بَيْنَ الشُّرْفَتَيْنِ. قَالَ: وقَدْ كَانَ حَدَّثَنِي بِثَالِثَةٍ فَنَسِيتُهَا.[35]
روى ابن شهرآشوب هذا الحديث في مناقبه.[36] ورواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، عن أبي داود الطيالسيّ، عن سليمان بن زريق، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أبي العالية، عن مزرّع. وقال ابن أبي الحديد في آخره: أقول: حديث الخسف بالجيش قد خرّجه البخاريّ، ومسلم في الصحيحين عن امِّ سَلِمَة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يَعُوذُ قَوْمٌ بِالبَيْتِ حتى إذَا كَانُوا بِالبَيْداءِ خُسِفَ بِهِمْ.
قالت امّ سلمة: فقلتُ: يا رسول الله لعلّ فيهم المكره أو الكاره. فقال: يخسف بهم. ولكن قال: يحشرون -أو قال: يبعثون- على نيّاتهم يوم القيامة.
قال الراويّ: فسئل أبو جعفر محمّد بن عليّ، أهي بيداء من الأرض؟ فقال: كَلَّا؛ واللهِ إنَّهَا بَيْدَاءُ المَدِينَةِ. أخرج البخاريّ بعضه، وأخرج مسلم الباقي.[37]
قال ابن أبي الحديد في ذيل الخطبة: فَقُمْتُ بِالأمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وتَطلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا.[38] ضمن فصل في الأخبار الواردة في معرفة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام بالامور الغيبيّة: روى محمّد بن عليّ الصوّاف عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن شَمير بن سَدير الأزديّ. قال: قال عليّ عليه السلام لعَمْرِو بْنِ الحَمِقِ الخُزاعِيِّ: أين نزلتَ يا عمرو؟ قال: في قومي. قال: لا تنزلنّ فيهم. قال: أ فأنزل في بني كنانة جيراننا؟ قال: لا. قال: أأنزل في ثقيف؟
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فَمَا تَصْنَعُ بِالمَعَرَّةِ والمَجَرَّةِ؟ قال: وما هما؟ قال: عنقان من نار، يخرجان من ظهر الكوفة. يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل. فقلّما يفلت منه أحد. ويأتي العنق الآخر، فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة، فقلّ من يصيب منهم، إنّما يدخل الدار، فيحرق البيت والبيتين.
قال عمرو: فأين أنزل؟ قال: أنزل في بني عمرو بن عامر، من الأزد.
فقال قوم حضروا هذا الكلام: مَا نَرَاهُ إلَّا كَاهِناً يَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الكَهَنَةِ.
فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى عمرو فقال: يَا عَمْرُو! وإنَّكَ لَمَقْتُولُ بَعْدِي، وإنَّ رَأسَكَ لَمَنْقُولٌ، وهُوَ أوَّلُ رَأسٍ يُنْقَلُ في الإسْلَامِ. والوَيْلُ لِقَاتِلِكَ! أمَا إنَّكَ لَا تَنْزِلُ بِقَوْمٍ إلَّا أسْلَمُوكَ بِرُمَّتِكَ، إلَّا هَذَا الحَيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْنِ عَامِرٍ مِنَ الأزْدِ فَإنَّهُمْ لَنْ يُسْلِمُوكَ ولَنْ يَخْذُلُوكَ.
قال راوي الرواية شمير بن سَدير: فوالله ما مضت الأيّام حتى تنقّل عمرو بن الحمق في أيّام معاوية في بعض أحياء العرب خائفاً مذعوراً حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه، فقُتل، وحُمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أوّل رأس حُمل في الإسلام من بلد إلى بلد.[39]
وقال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: ومن ذلك ما رواه جرير عن المغيرة، قال: لمّا وُلّي الحجّاج، طلب كُميل بن زياد، فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم. فلمّا رأى كميل ذلك، قال: أنا شيخ كبير وقد نفد عمري، لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم. فخرج، فدفع بيده إلى الحجّاج. فلمّا رآه، قال له: لقد كنت أحبُّ أن أجد عليك سبيلًا. فقال له كُميل: لا تصرف عَلَيّ أنيابك، ولا تهدم عَلَيّ. فو الله ما بقي من عمري إلّا مثل كواسل الغبار، فَاقْضِ مَا أنْتَ قَاضٍ، فَإنَّ المَوْعِدَ لِلَّهِ، وبَعْدَ القَتْلِ الحِسَابُ، ولَقَدْ خَبَّرَنِي أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّكَ قَاتِلي.
قال: فقال له الحجّاج: الحُجَّةُ عَليكَ إذَنْ. فقال له كميل: ذَاكَ إذَا كَانَ القَضَاءُ إلَيْكَ. قال الحجّاج: بلى، قد كنتَ فيمن قتل عثمان بن عفّان. اضربوا عنقه، فَضُرِبت عُنُقُه.
قال المفيد: وهذا خبر رواه نَقَلَة العامّة عن ثقاتهم، وشاركهم في نقله الخاصّة ومضمونه من باب ما ذكرناه من المعجزات والبراهين البيّنات.[40]
وقال الشيخ المفيد أيضاً: ومن ذلك ما رواه أصحاب السيرة من طرق مختلفة أنّ الحجّاج بن يوسف الثقفيّ قال ذات يوم: احبُّ أن اصيبَ رجلًا من أصحاب أبي تراب فأتقرّب إلى الله بدمه! فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه.
فبعث الحجّاج في طلبه، فاتي به، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم. قال: أبو هَمْدان؟ قال: نعم. قال: مولى عليّ بن أبي طالب؟ قال: الله مولاي، وأمير المؤمنين عليّ وليّ نعمتي.
قال الحجّاج: ابرأ من دينه. قال: فإذا برئتُ من دينه، تدلّني على دين غيره أفضل منه؟
قال الحجّاج: إنّي قاتلك، فاختر أي قتلة أحبّ إليك؟ قال قنبر: قد صيّرتُ ذلك إليك. قال: ولِمَ؟ قال: لأنّك لا تقتلني قتلةً إلَّا قتلتُك مثلها. ولقد خبّرني أمير المؤمنين عليه السلام أنّ منيّتي تكون ذَبحاً ظلماً بغير حقّ. فأمر به الحجّاج فذُبح.
قال الشيخ المفيد: وهذا أيضاً من الأخبار التي صحّت عن أمير المؤمنين عليه السلام بالغيب وحصلت في باب المعجز القاهر والدليل الباهر، والعلم الذي خصّ الله به حُحَجَه من أنبيائه ورسله وأوصيائه عليهم السلام. وهو لاحق بما قدّمناه.[41]
وروى ابن أبي الحديد عن محمّد بن موسى العنزي أنّه قال: كان مَالِكُ بْنُ ضَمْرَة الرُّؤَاسِيّ من أصحاب عليّ عليه السلام، وممّن استبطن من جهته علماً كثيراً. وكان أيضاً قد صحب أبا ذرّ الغفاريّ، فأخذ من علمه.
وكان يقول في أيّام بني اميّة: اللَهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي أشْقَى الثَّلَاثَةِ. فيقال له: وما الثلاثة؟ فيقول: رَجُلٌ يُرْمَى مِنْ فَوْقِ طَمَارٍ، ورَجُلٌ تُقْطَعُ يَدَاهُ ورِجْلَاهُ ولِسَانُهُ ويُصْلَبُ، ورَجُلٌ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ. فكان من الناس من يهزأ به، ويقول: هذا من أكاذيب أبي تُراب. قال العنزيّ: وكان الذي رُمي به من طَمار هَانِئُ بْنُ عُرْوَة، والذي قُطع وصُلِب رُشَيْدُ الهَجَرِيّ، ومات مَالِكٌ على فراشه.[42]
وروى ابن أبي الحديد أيضاً عن إبراهيم الثقفيّ، عن إبراهيم بن العبّاس النَّهْدِيّ، عن مبارك البَجَليّ، عن أبي بكر بن عيّاش، عن المجالد، عن الشعبيّ، عن زياد بن النضر الحارثيّ، قال: كنتُ عند زياد، وقد اتيَ برشيد الهَجَريّ، وكان من خواصّ أصحاب عليّ عليه السلام.
فقال له زياد: ما قال خليلك لك إنّا فاعلون بك؟ قال: تَقْطَعُونَ يَدَيّ ورِجْلَيّ وتَصْلبُونَنِي. فقال زياد: أمَا واللهِ لُاكَذِّبَنَّ حَدِيثَهُ. خَلُّوا سَبِيلَهُ.
فلمّا أراد رشيد أن يخرج، قال زياد: ردّوه لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت! اقطَعُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ.
فقطعوا يديه ورجليه، وهو يتكلّم، فقال: اصْلُبُوهُ خَنْقاً في عُنُقِهِ. فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شيء قاله مولاي، ما أراكم فعلتموه. فقال زياد: اقْطَعُوا لِسَانَهُ.
ولمّا أخرجوا لسانه ليُقطع، قال: نفِّسُوا عنّي أتكلّم كلمة واحدة، فنفَّسُوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين. أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه.[43]
وكذلك روى ابن أبي الحديد عن إبراهيم الثقفيّ في كتاب «الغارات» عن أحمد بن الحسن الميثميّ قال: كان ميثم التمّار مولى عليّ عليه السلام عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه عليّ عليه السلام منها وأعتقه، وقال له: ما اسمك؟ فقال: سالم. فقال عليه السلام: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أنّ اسمك الذي سمّاك به أبوك في العجم مِيثَم. فقال: صدق الله ورسوله، وصدقتَ يا أمير المؤمنين! فهو والله اسمي. قال: فارجع إلى اسمك، ودع سالماً، فنحن نكنّيك به، فكنّاه أبا سالم. قال الراوي أحمد بن الحسن الميثميّ: وقد كان أطلعه عليّ عليه السلام على علم كثير، وأسرار خفيّة من أسرار الوصيّة، فكان ميثم يحدّث ببعض ذلك، فيشكّ فيه قوم من أهل الكوفة، وينسبون عليّاً عليه السلام في ذلك إلى المخرقة اختلاق الكذب والإيهام والتدليس، حتى قال له أمير المؤمنين عليه السلام يوماً بمحضرٍ من خلقٍ كثير من أصحابه، وفيهم الشاكّ والمخلِص: يَا مِيثَمُ! إنَّكَ تُؤْخَذُ بَعْدِي وتُصْلَبُ، فَإذَا كَانَ اليَوْمُ الثَّانِي ابْتَدَرَ مُنْخُراكَ وفَمُكَ دَمَاً حتى تُخْضَبَ لِحْيَتُكَ. فَإذَا كَانَ اليَوْمَ الثَّالِثُ طُعِنْتَ بِحَرْبَةٍ يُقْضَى عَلَيْكَ، فَانْتَظِرْ ذَلِكَ. والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث. إنّك لعاشر عشرة أنت أقصر هم خشبة، وأقربهم من المطهرة -يعني الأرض- ولُارينّك النخلة التي تصلب على جِذعها. ثمّ أراه إيّاها بعد ذلك بيومين.
فكان ميثم يأتيها، فيصليّ عندها، ويقول: بُورِكْتِ مِنْ نَخْلَةٍ، لَكِ خُلِقْتُ، ولِي نَبَتِّ. ولم يزل يتعاهدها بعد قتل عليّ عليه السلام، حتى قطعت، فكان يرصد جذعها، ويتعاهده، ويتردّد إليه، ويبصره. وكان يلقى عمرو بن حريث، فيقول له: إنّي مجاورك فأحسن جواري. فلا يعلم عمرو ما يريد، فيقول له: أتُريد أن تشتري دار ابن مسعود، أم دار ابن حكيم؟
قال أحمد بن الحسن الميثميّ وحجّ ميثم في السنة التي قُتل فيها، فدخل على امّ سلمة رضي الله عنها، فقالت له: من أنتَ؟ قال: عراقيّ. فاستنسبَتهُ. فذكر لها أنّه مولى عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقالت: أنت هَيْثَمٌ؟ قال: بَلْ أنَا مَيْثَمٌ. فقالت: سُبْحَانَ اللهِ، واللهِ لَرُبَّمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ يُوصِي بِكَ عَلِيَّاً في جَوْفِ اللَّيْلِ.
فسألها ميثم عن الحسين بن عليّ عليه السلام فقالت: هو في حائط بُستان له. قال: أخبريه أنّي أحببتُ السلام عليه، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله. ولا أقدر اليوم على لقائه، واريد الرجوع.
فدعت امّ سلمة بِطيِب، فطيّبت لِحيَتَهُ فقال لها: أمَا إنَّهَا سُتُخْضَب بِدَمٍ. فقالت: من أنبأك هذا؟ قال: أنْبَأنِي سَيِّدي. فبكت، وقالت له: إنَّهُ لَيْسَ بِسَيِّدِكَ وَحْدَكَ، هُوَ سَيِّدِي وسَيِّدُ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ.
ثمّ ودّعَتْهُ، فقدم الكوفة. فاخذ وادخل على عبيد الله بن زياد. وقيل له: هذا كان من آثرِ الناس عند أبي تراب. قال عبيد الله: وَيْحَكُمْ هَذَا الأعْجَمِيّ؟ قالوا: نعم. فقال له عبيد الله: أين ربّك؟ قال: بالمرصاد.
قال عبيد الله: قد بلغني اختصاص أبي تراب لك. قال: قد كان بعض ذلك، فما تريد؟ قال: وإنّه يقال إنّه قد أخبرك بما سيلقاك. قال: نعم، إنّه أخبرني.
قال عبيد الله: ما الذي أخبرك أنّي صانع بك؟ قال ميثم: أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة. وأنا أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة. قال عبيد الله: لُاخالفنّه.
قال ميثم: وَيْحَكَ! كيف تخالفه؟ إنّما أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأخبر رسول الله عن جبرائيل، وأخبر جبرائيل عن الله. فكيف تخالف هؤلاء؟ أما والله لقد عرفتُ الموضع الذي اصلب فيه أين هو من الكوفة، وأنّي لأوّل خلق الله الجم في الإسلام بلجام، كما يُلجَم الخيل. فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثَّقفيّ. فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنّك تُفلِت وتخرج ثائراً بدم الحسين عليه السلام، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدّيه.
فلمّا دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله، طلع البريد بكتاب يزيد ابن معاوية إلى عبيد الله بن زياد، يأمره بتخلية سبيله. وذاك أنّ اخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطّاب. فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع، فأمضى شفاعته، وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد. فوافى البريد، وقد اخرج ليضرب عنقه، فاطلق.
وأمّا ميثم، فاخرج بعده ليُصلَب. وقال عبيد الله: والله لأمضينّ حكم أبي تراب فيه، فلقيه رجل، فقال له: مَا كَانَ أغْنَاكَ عَنْ هَذَا يَا مَيْثَمُ؟ فتبسّم، وقال: لَهَا خُلِقْتُ، ولِي غُذِّيَتْ.
ولمّا رفع على الخشبة، اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث. فقال عمرو: لقد كان يقول لي: إنّي مجاورك. وكان يأمر جاريته كلّ عشيّة أن تكنس تحت خشبته وترشّه، وتجمّر بالمجمر تحته.
فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم، ومخازي بني اميّة، وهو مصلوب على الخشبة. فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد. فقال: ألجموه. فالجم فكان أوّل خلق الله الجم في الإسلام. فلمّا كان في اليوم الثاني، فاضت منخراه وفمه دماً. فلمّا كان في اليوم الثالث، طُعن بحربة فمات. وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين عليه السلام كربلاء بعشرة أيّام.[44]
لقد مرّ بنا أنّ هذه الضروب من الأخبار بالغيب التي ظهرت من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن أخباراً محضة فحسب أخبر بها الإمام عليه السلام، بل كانت تنمّ عن صفاء بصيرة المخبَرين ونقاء ضمائرهم وأذهانهم بسبب تعليم الإمام وتربيته وتزكيته لهم، فكانوا واقفين على كلّ أمر، وكانوا يشاهدون في تلك المرآة حوادث المستقبل التي لم تقع بعد، فيخبروا بها. وبلغ الأمر عند بعضهم مبلغاً أنّهم اشتهروا به كرُشَيْد الهَجَريّ الذي كان يقال له: رُشَيْدُ البَلَايَا.
وكان أمير المؤمنين عليه السلام محيطاً بهذه الامور جميعها. وعُجن علمه الحضوريّ في جميع الأحوال بنفسه الشريفة وامتزج بها. وصار بحكم غريزته وصفاته الأوّليّة والذاتيّة، صلوات الله عليه.
وقال عليه السلام في «نهج البلاغة»: أرْسَلَهُ دَاعِيَاً إلَى الحَقِّ وشَاهِداً عَلَى الخَلْقِ، فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ ولَا مُقَصِّرٍ، وجَاهَدَ في اللهِ أعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ ولَا مُعَذِّرٍ، إمَامُ مَنِ اتَّقَى، وبَصَرُ مَنِ اهْتَدَى.
وقال في جملتها: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إذاً لَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أعْمَالِكُمْ، وتَلْتَدِمُونَ عَلَى أنْفُسِكُمْ، ولَتَرَكْتُمْ أمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا ولَا خَالِفَ عَلَيْهَا، ولَهَمَّتْ كُلَّ امْرِيءٍ نَفْسُهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى غَيْرِهَا، ولَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ، وأمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأيُكُمْ، وتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أمْرُكُمْ[45]- إلى آخر الخطبة.[46]
ومن جملة الأخبار التي أخبر بها أمير المؤمنين عليه السلام إخباره بقتله وخضب لحيته من دم رأسه. ويمكننا أن نعدّ هذا الخبر في جملة الأخبار المتواترة، إذ لا نجد كتاباً في التأريخ والسيرة والحديث إلّا ذكره، سواءً كان للشيعة أم للعامّة، أو كان للمؤالف أم للمخالف.روى الشاذ كونيّ عن حمّاد، عن يحيي، عن ابن عتيق، عن ابن سيرين أنّه قال: إنْ كَانَ أحَدٌ يَعْرِفُ أجَلَهُ فَعَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ.[47]
قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: ومن ذلك (أي من جملة معجزات أمير المؤمنين عليه السلام وإخباره بالغيب) ما تواترت به الروايات من نعيه عليه السلام نفسه قبل وفاته، والخبر عن الحادث في قتله، وأنّه يخرج من الدنيا شهيداً بضربة في رأسه يخضب دمها لحيته، وكان الأمر في ذلك كما قال.
فمن اللفظ الذي رواه الرواة في ذلك قوله عليه السلام: واللهِ لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- ووَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ ولِحْيَتِهِ.[48]
وقوله أيضاً: واللهِ لَيَخْضِبَنَّهَا مِنْ فَوْقِهَا- وأوْمَأ إلَى شَيْبَتِهِ.[49]
وقوله عليه السلام: مَا يَحْبِسُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ؟[50]
وقوله عليه السلام: مَا يَمْنَعُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ؟[51]
وقوله عليه السلام: أتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وهُوَ سَيِّدُ الشُّهُورِ وأوَّلُ السَّنَةِ، وفِيهِ تَدُورُ رَحَى السُّلْطَانِ، ألَا وإنَّكُمْ حَاجُّوا العَامِ صَفّاً وَاحِداً، وآيَةُ ذَلِكَ أنِّي لَسْتُ فِيكُمْ.[52]
وكان بعض أصحابه يقولون: إنّه ينعى إلينا نفسه. فضُرب عليه السلام في ليلة تسع عشرة. ومضى في ليلة إحدى وعشرين من ذلك الشهر.
ومنها ما رواه الثقات عنه أنّه كان عليه السلام يفطر في شهر رمضان ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن عبّاس، لا يزيد على ثلاث لقم. فقال له أحد ولديه -الحسن أو الحسين عليهما السلام- في ذلك، فَقَالَ: يَا بُنَيّ، يَأتِي أمْرُ اللهِ وأنَا خَمِيصٌ. إنَّمَا هِيَ لَيْلَةٌ أوْ لَيْلَتَانِ- فَاصِيبَ مِنَ اللَّيْلِ.[53]
ومنها ما رواه أصحاب الآثار أنّ جُعْدَةَ بْنَ بَعْجَة -رجلًا من الخوارج- قال لأمير المؤمنين عليه السلام: اتَّقِ اللهَ يَا عَلِيّ! فَإنَّكَ مَيِّتٌ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: بَلْ واللهِ مَقْتُولٌ قَتْلًا ضَرْبَةً عَلَى هَذِهِ تُخْضَبُ هَذِهِ -وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ ولِحْيَتِهِ- عَهْدٌ مَعْهُودٌ، وقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى.[54]
ومنها قوله عليه السلام في الليلة التي ضربه الشقيّ في آخرها، وقد توجّه إلى المسجد، فصاح الإوزُّ في وجهه، فطردهنّ الناس عنه، فقال: اتّرُكُوهُنَّ فَإنَّهُنَّ نَوَائِحُ[55].
وروى ابن شهرآشوب في مناقبه عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ عليّاً عليه السلام أمر أن يُكتَبَ له اسم من يدخل الكوفة. فكُتب له اناسٌ ورفعت أسماؤهم في صحيفة فقرأها، فلمّا مرّ على اسم ابن ملجم، وضع إصبعه على اسمه ثمّ قال: قَاتَلَكَ اللهُ، قَاتَلَكَ اللهُ. ولمّا قيل له: إذا علمتَ أنّه يقتلك، فَلِم لا تقتله؟ قال: إنّ الله تعالى لا يعذّب العبد حتى تقع منه المعصية. وتارة يقول: إذا قتلتُه، فمن يقتلني؟![56]
وذكر ابن شهرآشوب أيضاً عن الصفوانيّ في «الإحن والمحن»، عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: سَمِعْتُ عَلِيَّاً عَلَيهِ السَّلَامُ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ بِجُمُعَةٍ يَقُولُ: ألَا مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلْيَدْنُ مِنِّي. لَا تَقْتُلُوا غَيْرَ قَاتِلِي، ألَا لَا الْفِيَنَّكُمْ غَدَاً تُحِيطُونَ النَّاسَ بِأسْيَافِكُمْ تَقُولُونَ: قُتِلَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ.[57]
وخصّص ابن حجر الهيتميّ في الباب التاسع من كتاب «الصواعق المحرقة» للأخبار الواردة في استشهاد الإمام عليه السلام. وذكر أخباراً جمّة عن مصادر موثوقة عند العامّة في إخبار الإمام باستشهاده، وتعيين الليلة التي ضُرب فيها، وخضب لحيته بدم رأسه. وهي خليقة بالمطالعة والإمعان حقّاً.[58]
وورد هذا الموضوع مفصّلًا في ترجمة «تاريخ الأعثم الكوفيّ» إذ ذُكر فيه كيفيّة استشهاد الإمام عليه السلام وإخباره بذلك على نحو مفصّل.
وروى ابن الأثير الجزريّ في كتاب «اسد الغابة» عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ: مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ؟ قُلْتُ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَمَنْ أشْقَى الآخِرِينَ؟ قُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الذي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا- وأشَارَ إلَى يَافُوخِهِ (اليافوخ موضع في مقدّمة الرأس بين العظم الواقع في مقدّمة الرأس وعظم المخّ. وهذا الموضع ليّن عند الأطفال. وإذا ما وضعت عليه اليد، انغمست فيه). وكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أنَّهُ قَدِ انْبَعَثَ أشْقَاكُمْ فَخَضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ دَمِ رَأسِهِ.[59]
وكذلك روى ابن الأثير عن أبي الطُّفِيل انَّ عَلِيَّاً جَمَعَ النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ. فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ المُرَادِيّ، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: مَا يَحْبِسُ أشْقَاهَا؟ فَوَ اللهِ لَيَخْضِبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. ثُمَّ تَمَثَّلَ:
اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ *** فَإنَّ المَوْتَ لَاقِيكَا
وَلَا تَجْزَعْ مِنَ القَتْلِ *** إذَا حَلَّ بِوَادِيكَا[60]
وقال ابن سعد في «الطبقات» بعد ذكر الحديث الأخير عن أبي الطفيل: وزاد غير أبي نعيم فضل بن الدُّكَين في هذا الحديث بهذا الإسناد عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قوله: واللهِ! إنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيّ الامِّي صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ إلَيّ.[61]
وكذلك روى ابن سعد بسنده عن محمّد بن سيرين أنّ عليّ بن أبي طالب قال لابن ملجم:
اريدُ حِبَاءَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي *** عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ[62]
وقال ابن الجزريّ في «النهاية»: جاء في حديث عليّ عليه السلام أنّه قال وهو ينظر إلى ابن ملجم: عذيرك من خليلك من مراد يقال: عذيرك من فلان بالنصب، أي: هات من يعذرك فيه. وفعيل هنا بمعنى اسم الفاعل.
وروى ابن سعد أيضاً بسنده عن أبي مِجلَز قال: جاء رجل من مراد إلى عليّ وهو يصلّي في المسجد، فقال: احترس فإنّ ناساً من مُراد يريدون قتلك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ. وإنَّ الأجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ.[63]
وروى بسنده عن عُبيدة أنّه قال: قال عليّ عليه السلام: مَا يَحْبِسُ أشْقَاكُمْ أنْ يَجِيءَ فَيَقْتُلَنِي؟ اللَهُمَّ قَدْ سَئِمْتُهُمْ وسَئِمُونِي، فَأرِحْهُمْ مِنِّي وأرِحني مِنْهُمْ.[64]
وروى بسنده عن عبد الله بن سَبْع قال: سمعتُ عليّاً عليه السلام يقول: لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. فَمَا يُنْتَظَرُ بِالأشْقَى؟ قَالوا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِين فَأخْبِرْنَا بِهِ نُبِيرُ عِتْرَتَهُ. فَقَالَ: إذَنْ تَقْتُلُوا بِي غَيْرَ قَاتِلِي.[65]
وروى بسنده عن امّ جعفر: سريّة عليّ بن أبي طالب قالت: إنّي لأصبّ على يَدي عَلِيّ الماء إذ رفع رأسه، فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: وَاهاً لَكِ لِتُخْضَبِنَّ بِدَمٍ. قَالَتْ: فَاصِيبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ.[66]
وروى ابن سعد أيضاً بسنده عن محمّد بن الحنفيّة قال: دخل علينا ابن ملجم وأنا وحسن، وحسين جلوس في الحمّام. فلمّا دخل كأنّهما اشمأزّا منه، وقالا: مَا أجْرَأكَ تَدْخُلُ عَلِيْنَا! قال ابن الحنفيّة: قلتُ لهما: دعاه عنكما فَلَعَمْرِي مَا يُرِيدُ بِكُمَا أحْشَمَ مِنْ هَذَا. فلمّا كان يوم اتي به أسيراً، قال ابن الحنفيّة: ما أنا اليوم بأعرف به منّي يوم دخل علينا الحمّام.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنَّهُ أسِيرٌ فَأحْسِنُوا نُزُلَهُ وأكْرِمُوا مَثْوَاهُ، فَإنْ بَقِيتُ قَتَلْتُ أوْ عَفَوْتُ. وإنْ مُتُّ فَاقْتُلُوهُ قِتْلَتِي. ولَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .[67]
وروى سبط ابن الجَوزيّ في كتاب «تذكرة خواصّ الامّة» عن أحمد بن حنبل في «المسند» بسنده المتّصل عن فُضالة بن أبي فُضالة الأنصاريّ، وكان أبو فضالة من أهل بدر قال: خرجتُ مع أبي عائداً لعليّ بن أبي طالب من مرض أصابه قبل منيّته، فقال له أبي: مَا يُقِيمُكَ هَا هُنَا بَيْنَ أعْرَابِ جَهِينَةَ؟ تَحَمَّلْ إلَى المَدِينَةِ فَإنْ أصَابَكَ أجَلُكَ وَلِيَكَ أصْحَابُكَ وأصْحَابُ القُرْآنِ، وصَلُّوا عَلَيْكَ. فقال عليّ عليه السلام: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ عَهِدَ إلَيّ أنْ لَا أمُوتَ حتى تُخْضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- أي: لِحْيَتُهُ مِنْ دَمِ هَامَتِهِ. و قُتل أبو فُضالة مع عليّ عليه السلام بصفّين.[68]
وقال سبط ابن الجَوْزيّ: أنشد عليّ عليه السلام قبيل قتله بأيّام:
تِلْكُمْ قُرَيْشٌ تَمَنَّانِي لِتَقْتُلَنِي *** فَلَا ورَبِّكَ لَا فَازُوا ولَا ظَفَرُوا
فَانْ بَقِيتُ فَرَهْنٌ ذِمَّتِي لَهُمُ *** وإنْ عُدِمْتُ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ أثَرُ
وَسَوْفَ يُورِثُهُمْ فَقْدِى عَلَى وَجَلٍ *** ذُلَّ الحَيَاةِ بِمَا خَانُوا ومَا غَدَرُوا[69]
وقال ابن شهرآشوب في «المناقب»: رُوي أنّه جرح عَمْرُو بن عَبْدُ ودّ رأس عليّ عليه السلام يوم الخندق، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشدّه ونفث فيه وقال: أيْنَ أكُونُ إذَا خُضِبَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؟[70]
ونقل المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار»، في باب إخبار الرسول بشهادته وإخباره بشهادة نفسه أخباراً كثيرة عن «عيون أخبار الرضا» و«أمالي الصدوق» و«أمالي الشيخ الطوسيّ» و«خصال الصدوق»، و«الإرشاد» للشيخ المفيد، و«بصائر الدرجات» للصفّار، و«مناقب آل أبي طالب» لابن شهرآشوب، و«تذكرة الخواصّ» و«الخرائج والجرائح» للراونديّ، و«كشف الغمّة»، و«فرحة الغريّ»، وهي أخبار حقيقةٌ بالإمعان وإنعام النظر.[71] ومن هذه الأخبار خبر رواه عن «كنز جامع الفوائد» عن أبي طاهر المقلّد بن غالب، عن رجاله بإسناده المتّصل إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو ساجد يبكي حتى علا نحيبه وارتفع صوته بالبكاء. فقلنا: يا أمير المؤمنين! لقد أمرضنا بكاؤك وأمضّنا وأشجانا، وما رأيناك قد فعلت مثل هذا الفعل قطّ فقال عليه السلام:
كُنْتُ سَاجِداً أدْعُو رَبِّي بِدُعَاءِ الخَيْرَاتِ في سَجْدَتِي فَغَلَبْتَنِي عَيْنِي، فَرَأيْتُ رُؤْياً هَالَتْنِي وقَطَعْتَنِي: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ قَائِماً وهُوَ يَقُولُ: يَا أبَا الحَسَنِ! طَالَتْ غَيْبَتُكَ فَقَدِ اشْتَقْتُ إلَى رُؤْيَاكَ، وقَدْ أنْجَزَ لِي رَبِّي مَا وَعَدَنِي فِيكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ومَا الذي أنْجَزَ لَكَ في؟ قَالَ: أنْجَزَ لِي فِيكَ وفي زَوْجَتِكَ وابْنَيكَ وذُرِّيَّتِكَ في الدَّرَجَاتِ العُلَى في عِلِّيِّينَ! قُلْتُ: بِأبِي أنْتَ وامِّي يَا رَسُولَ اللهِ فَشِيعَتُنَا؟ قَالَ: شِيعَتُنَا مَعَنَا، وقُصُورُهُمْ بِحِذَاءِ قُصُورِنَا، ومَنَازِلُهُمْ مُقَابِلُ مَنَازِلِنَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا لِشِيعَتِنَا في الدُّنْيَا؟ قَالَ: الأمْنُ والعَافِيَةُ. (أي: الأمن مِن إغواء الشيطان والعافية عن هلاك الدين والإيمان) قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ عِنْدَ المَوْتِ؟ قَالَ: يُحَكَّمُ الرَّجُلُ في نَفْسِهِ ويُؤْمَرُ مَلَكُ المَوْتِ بِطَاعَتِهِ. قُلْتُ: فَمَا لِذَلِكَ حَدٌّ يُعْرَفُ؟ قَالَ: بَلَى، إنَّ أشَدَّ شِيعَتِنَا لَنَا حُبَّاً يَكُونُ خُرُوجُ نَفْسِهِ كَشَرَابِ أحَدِكُمْ في يَوْمِ الصَّيْفِ المَاءَ البَارِدَ الذي يَنْتَقِعُ بِهِ القُلُوبُ. وإنَّ سَائِرَهُمْ كَمَا يَغْبِطُ أحَدُكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ كَأقَرِّ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ بِمَوْتِهِ.[72]
قال ابن شهرآشوب: ذكر أبو بكر مَرْدَوَيْه في كتاب «فضائل أمير المؤمنين»، وأبو بكر الشيرازيّ في كتاب «نزول القرآن» أنّ سعيد بن المسيّب قال: كان عليّ بن أبي طالب يقرأ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها، قال: فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- وأشَارَ إلَى لِحْيَتِهِ ورَأسِهِ.[73]
وقال ابن شهرآشوب أيضاً: وروى الثعلبيّ والواحديّ باسنادهما عن عمّار، وعن عثمان بن صُهَيب، عن الضحّاك، وروى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة؛ وعن صهيب وعن عمار وعن ابن عديّ وعن الضحّاك؛ والخطيب في التاريخ عن جابر بن سمرة؛ وروى الطبريّ، والموصليّ عن عمّار، وروى أحمد بن حنبل عن الضحّاك أنّه قال النبيّ صلى الله عليه وآله: يَا عَلِيّ! أشْقَى الأوَّلِينَ عَاقِرُ النَّاقَةِ، وأشْقَى الآخرِينَ قَاتِلُكَ.[74]
وقال ابن شهرآشوب: وكان عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ التَّجوبِيّ عداده من مراد.[75] قال ابن عبّاس: كان من ولد قدّار عاقر ناقة صالح، وقصّتهما واحدة، لأنّ قدّار عشق امرأة يقال لها رباب كما عشق ابن ملجم قطاماً.[76]
ثمّ قال: و قال أبو مخنف الأزديّ، وابن راشد، والرفاعيّ، والثقفيّ جميعاً: إنّه اجتمع نفر من الخوارج بمكّة فقالوا: إنّا شرينا أنفسنا للّه. فلو أتينا أئمّة الضلال وطلبنا غرّتهم فأرحنا منهم البلاد والعباد.
فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم عليّاً. وقال الحجّاج بن عبد الله السعديّ الملقّب بالبَرَك: أنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر التميميّ: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، واتّعدوا التاسع عشر من شهر رمضان، ثمّ تفرّقوا.
فدخل ابن ملجم الكوفة، فرأى رجلًا من الخوارج من أهل التيم، تيم الرباب عند قَطَام التيميّة. وكان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها الأخضر التيميّ وأخاها الأصبغ بالنهروان. فشغف بها ابن ملجم وخطبها. فأجابته بمهر ذكره العبديّ في شعر له، إذ قال:
فَلَمْ أرَ مَهْراً سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ *** كَمَهْرِ قَطَامٍ مِنْ فَصِيحٍ وأعْجَمِ
ثَلَاثَة آلَافٍ وعَبْدٍ وقِيْنَةٍ *** وضَرْبِ عَلِيّ بِالحُسَامِ المُسَمَّمِ
فَلَا مَهْرَ أغْلَى مِنْ عَلِيّ وإنْ غَلَا *** ولَا قَتْلَ إلَّا دُونَ قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ[77]
فقبل ابن ملجم ذلك، وقال: ويحك! من يقدر على قتل عليّ وهو فارس الفرسان، ومغالب الأقران، والسبّاق إلى الطعان؟ وأمّا المال، فلا بأس عَلَيّ منه. (ولمّا اقترحت قطام أن يكون القتل فتكاً وغيلة، أعلمها ابن ملجم بطويّته وقال: ما أتيتُ الكوفة إلّا لقتل عليّ) قال: أقبلُ.
فبعثت قطام إلى وردان بن مجالد التميميّ، وسألته معونة ابن ملجم واستعان ابن ملجم بشبيب بن بَجَرة، فأعانه. وأعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص بخطٍّ فيه مائة ألف درهم، فجعله مهرها.
فأطعمت قطام لهما ليلة التاسع عشر اللوزينج والجوزينق (طعام يصنع باللوز والجوز) وسقتهما الخمر العُكبري. فنام شبيب، وتمتّع ابن ملجم معها. ثمّ قامت فأيقظتهما، وعصّبت صدورهما بحرير. وتقلّدا سيفيهما وكمنا لعليّ مقابل السدّة. وحضر الأشعث بن قيس لمعونتهما، فقال لابن ملجم: النَّجاء، النَّجاء لحاجتك فقد ضحك الصبح و فضحك.
فأحسّ حُجر بن عديّ، (وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام) بما أراد الأشعث، فقال له: قتلتَه يا أشعث؟ وخرج مبادراً ليمضي إلى أمير المؤمنين، فدخل أمير المؤمنين المسجد، فسبقه ابن ملجم، فضربه على مفرقه بالسيف.[78]
وقال ابن شهرآشوب: أنشد الإمام الحسن عليه السلام في رثاء أبيه قائلًا:
أيْنَ مَنْ كَانَ لِعِلْمِ المُصْطَفَى لِلنَّاسِ بَابَا؟ *** أيْنَ مَنْ كَانَ إذَا مَا قَحَطَ النَّاسُ سَحَابَا؟
أيْنَ مَنْ كَانَ إذَا نُودِيَ في الحَرْبِ أجَابَا؟ *** أيْنَ مَنْ كَانَ دُعَاهُ مُسْتَجَاباً ومُجَابَا؟[79]
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: مَنْ زَارَ عَلِيَّاً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَهُ الجَنَّةُ.[80]
وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: مَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ أمِيرِ المُؤمِنِينَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ، أ لَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ المَلَائِكَةُ والنَّبِيُّونَ؟[81]
وعنه عليه السلام أيضاً: إنَّ أبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفْتَحُ عِنْدَ دُعَاءِ الزَّائِرِ لأميرِ المُؤْمِنينَ، فَلَا تَكُنْ عِنْدَ الخَيْرِ نَوَّامَاً.[82]
وقال ابن مدلّل:
زِرْ بِالغَرِيّ العَالِمِ الرَّبَّانِي *** عَلَمَ الهُدَى ودَعَائِمَ الإيمَانِ
وَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ الوَرَى *** يَا أيُّهَا النَّبَا العَظِيمُ الشَّانِ
يَا مَنْ عَلَى الأعْرَافِ يُعْرَفُ فَضْلُهُ *** يَا قَاسِمَ الجَنَّاتِ والنِّيرَانِ
نَارٌ تَكُونُ قَسِيمَهَا يَا عُدَّتِي *** أنَا آمِنٌ مِنْهَا عَلَى جُثْمَانِي
وَأنَا مُضَيْفُكَ والجِنَانُ لي القِرَى *** إذْ أنْتَ أنْتَ مُوَرِّدُ الضِّيفَانِ[83]
وكُتب على مشهده عليه السلام:
هَذَا وَلِيّ اللهُ في أرْضِه *** فِي جَنَّةِ الخُلْدِ وآلائِهِ
لَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُ زَائِرَاً *** لَمْ يَبْر مِنْ سَائِرِ أعْدَائِهِ[84]
وقال ابن رُزّيك:[85]
كَأنِّي إذْ جَعَلْتُ إلَيْكَ قَصْدِي *** قَصَدْتُ الرُّكْنَ بِالبَيْتِ الحَرَامِ
وَخُيِّلَ لِي بِأنِّي، في مَقَامِي *** لَدَيْهِ بَيْنَ زَمْزَمَ والمَقَامِ
أيَا مَولَايَ ذِكْرُكَ في قُعُودِي *** ويَا مَوْلَايَ ذِكْرُكَ في قِيَامِي
وَأنْتَ إذَا انْتَبَهْتُ سَمِيرُ فِكْرِي *** كَذَلِكَ أنْتَ انْسِي في مَنَامِي
وَحُبُّكَ إنْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ قَلْبِي *** وفي لَحْمِي اسْتَكَنَّ وفي عِظَامِي
فَلَوْ لَا أنْتَ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتِي *** ولَوْ لَا أنْتَ لَمْ يُقْبَلْ صِيَامِي
عَسَى أُسْقَى بِكَأسِكَ يَوْمَ حَشْرِي *** ويَبْرَدُ حِينَ أشْرَبُهَا اوامِي[86]
[1] «الإرشاد» ص 177، الطبعة الحجريّة؛ ورواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 582، طبعة الكمبانيّ، عن «الخرائج» للراونديّ.
[2] «الإرشاد» ص 177 و178.
[3] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 326، الطبعة الحجريّة. الملحوظ هنا أنّ حجراً ذكر سبّ الإمام على سبيل التورية، والضمير في قوله: ألَا فَالْعَنُوهُ يعود إلى «أميركم» لا إلى الإمام. وأنّ صبّ العبارة في قالب هذه الألفاظ، وذكر السبّ بهذا الشكل كانا من أجل هذا الغرض.
[4] «الإرشاد» ص 178.
[5] المصدر السابق.
[6] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 426.
[7] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 427.
[8] جاء في «معجم البلدان» أنّ عذراء قرية معروفة بغوطة دمشق من إقليم خولان. وبها منارة. وبها قُتل حُجر بن عديّ الكنديّ، وبها قبره. وقيل: إنّ حجراً هو الذي فتحها- انتهى. وغوطة موضع بالشام به مياه وأشجار كثيرة. ويقال لها غوطة دمشق. وقال الفيروزآباديّ: عذراء موضع بالشام على بريد (أربعة فراسخ) من دمشق أو قرية بالشام.
[9] «المناقب» ج 1، ص 429.
[10] «الاستيعاب» ج 1، ص 329 إلى 332، رقم التسلسل 487. تشرّف حُجر بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بالحضور عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعه أخوه هاني بن عديّ. شهد فتح القادسيّة، وهو الذي فتح مرج عذراء، وبها استشهد. وكان رجلًا عظيماً ومستجاب الدعوة، ومن خاصّة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. جاءت ترجمته في «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 6، ص 217 إلى 220، طبعة بيروت، مفصّلًا؛ وفي «اسد الغابة» لابن الأثير الجزريّ، ج 1، ص 385 و386؛ وفي «الإصابة» لابن حجر العسقلانيّ، ج 1، ص 313 و314، رقم 1629، مفصّلًا.
[11] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 429، الطبعة الحجريّة.
[12] «المناقب» ج 1، ص 429، الطبعة الحجريّة، ورواها المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 419، طبعة الكمبانيّ، عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد؛ وذكر ابن أبي الحديد هذه الخطبة في شرحه، طبعة مصر، دار الإحياء، ج 4، ص 54 إلى 128، وتطرّق في شرحه إلى سبّ أمير المؤمنين عليه السلام منذ زمن معاوية إلى زمن عمر بن عبد العزيز،
و تناول ذلك مفصّلًا، وذكر الأشخاص الذين كانوا يسبّون، كما ذكر المنحرفين عن الإمام والمعاندين له، والروايات الموضوعة في ذمّه. وشرحه يحتوي على تحقيقات تأريخيّة.
[13] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 429، الطبعة الحجريّة.
[14] «النهاية في غريب الحديث والأثر» ج 2، ص 213، باب الراء مع الدال، كلمة رَدَحَ.
[15] «النهاية في غريب الحديث والأثر» ج 4، ص 304، باب الميم مع الحاء، كلمة مَحَلَ.
[16] «النهاية» لابن الأثير، ج 1، ص 151، باب الباء مع اللام، كلمة بَلَحَ.
[17] «النهاية» لابن الأثير، ج 4، ص 194، باب الكاف مع اللام، كلمة كَلَحَ.
و كلامه هذا عليه السلام ككلامه الذي رواه النعمانيّ في كتاب «الغيبة» عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام صعد المنبر بالكوفة فقال: وإنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَناً مُظْلِمَةً عَمْياءَ مُنْكَسِفَةً لَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا النُّومَةُ. قِيلَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مَا النُّوَمَةُ؟ قَالَ: الذي يَعْرِفُ النَّاسَ ولَا يَعْرِفُونَهُ- الخبر («غيبة النعمانيّ» ص 141، طبعة مكتبة الصدوق. قال ابن الأثير في «النهاية» ج 5، ص 131، مادّة نوم: وفي حديث عليّ عليه السلام أنّه ذكر آخر الزمان والفتن، ثمّ قال: خير أهل ذلك الزمان كلّ مؤمن نُومة بوزن الهُمَزَة الخامل الذكر الذي لا يؤبه له. وقيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشرّ وأهله. وقيل: النُّوَمَة بالتحريك الكثير النوم. وأمّا الخامل الذي لا يؤبه له، فهو بالتسكين. ومن الأوّل حديث ابن عبّاس أنّه قال لعليّ عليه السلام: مَا النُّوَمَة؟ قال: الذي يسكت في الفتنة، فلا يبدو منه شيء.
[18] «المناقب» ج 1، ص 431، الطبعة الحجريّة؛ والآية المذكورة في آخر الخطبة هي الآية 10، من السورة 22: الحجّ.
[19] «بحار الأنوار» ج 9، ص 587 و588، طبعة الكمبانيّ. وورد في نسخة المجلسيّ: يشرد الملك منه شرود النِّقْنِقِ. وقال في شرحه: قال الفيروزآباديّ: النِّقْنِقُ كزِبرج الظليم أو النافر أو الخفيف.
[20] «المناقب» ج 1، ص 431؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 588.
[21] (3 و4)- «بحار الأنوار» ج 9، ص 588؛ و«النهاية» لابن الأثير الجزريّ، ج 4، ص 133.
[22] (3 و4)- «بحار الأنوار» ج 9، ص 588؛ و«النهاية» لابن الأثير الجزريّ، ج 4، ص 133.
[23] «المناقب» ج 1، ص 431، الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 587، طبعة الكمبانيّ.
[24] «بحار الأنوار» ج 9، ص 587.
[25] الآية 58، من السورة 17: الإسراء.
[26] «المناقب» ج 1، ص 431، الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 588، طبعة الكمبانيّ. وقال في شرح هذه العبارات: قال الفيروزآباديّ: نَجْدُ الجاح موضع باليمن. وروضة خاخ بين مكّة والمدينة. وقال: صغانيان كورة عظيمة بما وراء النهر. وصاغاني معرّب جغانيان. وبعض ألفاظه لم يتبيّن معناها.
[27] قال ابن شهرآشوب في «معالم العلماء»، ص 63، رقم 466: عليّ بن محمّد بن عليّ الخزّاز الرازيّ، ويقال له القمّيّ. له كتب في الكلام وفي الفقه. من كتبه: «الأحكام الشرعيّة على مذهب الإماميّة»، «الإيضاح في الاعتقاد»، «الكفاية في النصوص». وقال شيخنا العلّامة الآغا بزرگ الطهرانيّ في «الذريعة» ج 18، ص 86 و87 تحت الرقم 806: «كفاية الأثر في النصوص على الأئمّة الاثني عشر» للشيخ الأقدم عليّ بن محمّد بن عليّ الخزّاز الرازيّ. ويقال له: القمّيّ. الراوي عن الشيخ الصدوق، وأبي المفضّل محمّد بن عبد الله الشيبانيّ، والقاضي أبي الفرج معافا بن زكريا، وأبي عبد الله الحسين بن سعيد الخزاعيّ، وعليّ بن الحسين بن عليّ بن مندة، وأحمد بن محمّد بن عيّاش الجوهريّ صاحب كتاب «مقتضب الأثر». ذكر ابن شهرآشوب هذا الكتاب في «معالم العلماء» معبّراً عنه بالكفاية في النصّ. وقد نقل عنه المولى محمّد باقر المجلسيّ في «بحار الأنوار» فتوهّم أنّه للصدوق أو للمفيد. فلا وَجْهَ لَهُ.
[28] قال في «شرح القاموس»: رُخام كغُراب حجر أبيض رخو سهل. وما كان منه خمريّاً أو أصفر أو زرزوريّاً، فمن أصناف الحجارة.
[29] «كفاية الأثر في النصوص على الأئمّة الأثني عشر» في مجموعة مطبوعة في جزء واحد مجلّد يضمّ «الأربعون» للمجلسيّ، و«الخرائج والجرائح» للراونديّ، ص 315 و316. ومن الطبيعيّ أنّ لهذه الرواية تتمّة لكنّنا ذكرنا منها هنا مقدار الحاجة ممّا يتعلّق بإخباره عليه السلام عن الملوك العبّاسيّين. وهذا المقدار نفسه ذكره ابن شهرآشوب في مناقبه ج 1، ص 429، والمجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 589، طبعة الكمبانيّ، عن «كفاية الأثر».
[30] «بحار الأنوار» ج 9، ص 590.
[31] «كفاية الأثر» ص 316.
[32] «المناقب» ج 1، ص 430، الطبعة الحجريّة.
[33] جاء في النسخة البدل: مزرّع.
[34] «المناقب» ج 1، ص 428.
[35] «الإرشاد» ص 180 و181، الطبعة الحجريّة؛ و«شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 294 و295، طبعة مصر، دار الإحياء، وتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
[36] «المناقب» ج 1، ص 428، الطبعة الحجريّة.
[37] «بحار الأنوار» ج 9، ص 594، طبعة الكمبانيّ، وفي الطبعة الحديثة: ج 41، ص 346 و347؛ و«شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 294 و295، طبعة دار الإحياء، وتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
[38] الخطبة 37، من «نهج البلاغة».
[39] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 289 و190، طبعة مصر، دار الإحياء، وتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 592 و593، طبعة الكمبانيّ؛ والطبعة الحديثة: ج 41، ص 342، عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد.
[40] «الإرشاد» ص 181، الطبعة الحجريّة.
[41] «الإرشاد» ص 181 و182، الطبعة الحجريّة.
[42] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 295، طبعة مصر، دار الإحياء.
[43] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 294، طبعة دار الإحياء؛ وذكره الشيخ المفيد أيضاً في «الإرشاد» ص 180، الطبعة الحجريّة، بهذا السند نفسه، وقال في آخره: وهذا حديث قد نقله المؤالف والمخالف عن ثقاتهم عمّن سميّناه. واشتهر أمره عند علماء الجميع. وهو من جملة معجزات أمير المؤمنين عليه السلام وإخباره بالغيوب؛ ورواه المجلسيّ أيضاً في «بحار الأنوار» ج 9، ص 594، طبعة الكمبانيّ، عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد.
[44] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 291 إلى 294، طبعة مصر، دار الإحياء؛ ورواه المجلسيّ بحذافيره في «بحار الأنوار» ج 9، ص 593 و594، طبعة الكمبانيّ، عن «شرح نهج البلاغة» عن «الغارات» لإبراهيم الثقفيّ؛ كما رواه الشيخ المفيد في «الإرشاد» ص 178 إلى 180، الطبعة الحجريّة، وقال في ذيله: وهذا من جملة الأخبار عن الغيوب المحفوظة عن أمير المؤمنين عليه السلام. وذِكْره شائع والرواية به بين العلماء مستفيضة؛ ونقله ابن حجر العسقلانيّ في كتاب «الإصابة» ج 3، ص 479، تحت الرقم 8474 في ترجمة ميثم بن مؤيّد بن النعمان بعين الألفاظ الواردة في «الإرشاد»، وقال: سكن ميثم الكوفة، وبها ذرّيّته.
[45] «نهج البلاغة» ج 1، ص 230، الخطبة 114 في طبعة مصر، شرح الشيخ محمّد عبده.
[46] نحن ذكرنا تتمّة هذه الخطبة، وهي قوله: ولَوَدِدْتُ أنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وألْحَقْنِي بِمَنْ هُوَ أحَقُّ بِي مِنْكُمْ- إلى آخر قوله.
[47] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 428، الطبعة الحجريّة.
[48] «الإرشاد» ص 176، الطبعة الحجريّة.
[49] المصدر السابق.
[50] المصدر السابق.
[51] المصدر السابق.
[52] «الإرشاد» ص 177؛ ورواه ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 1، ص 428، الطبعة الحجريّة، عن الأصبغ بن نُباتة، وجاء فيه: تَدُورُ رَحَى الشَّيْطَانِ؛ وقال المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 628، طبعة الكمبانيّ: تدور رَحَى السلطان، ولعلّ المراد انقضاء الدوران كناية عن ذهاب ملكه أو هو كناية عن تغيّر الدولة وانقلاب أحوال الزمان. ولا يبعد أن يكون في الأصل: رَحَى الشيطان.
[53] «الإرشاد» ص 177؛ وذكره ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 1، ص 428، وقال: والأصحّ عند عبد الله بن جعفر. أقول: والدليل على ذلك ما رواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 648، عن خرايج الراونديّ، وجاء فيه ما نصّه: وليلة عند عبد الله بن جعفر زوج زينب بنته لأجلها؛ ورواه ابن حجر الهيتميّ في «الصواعق المحرقة» ص 80 عن امّ الهيثم بنت الأسود النخعيّ.
[54] «الإرشاد» ص 177؛ ورواه سبط بن الجوزي في «تذكرة الخواصّ» ص 100، عن أحمد بن حنبل في «المسند» عن عليّ بن حكيم الأوديّ، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن زيد بن وهب قال: قدم على عليّ عليه السلام وفد من الخوارج فيهم رجل يقال له: الجعد بن بعجة. وقال بعد بيان أمير المؤمنين عليه السلام: وعاتب أبو بعجة أميرَ المؤمنين في خشونة لباسه، فقال: هُوَ أبْعَدُ مِنَ الكبر وأجدر أن يقتدى به المسلم.
[55] «الإرشاد» ص 177، الطبعة الحجريّة؛ و«المناقب» ج 2، ص 80.
[56] «المناقب» ج 1، ص 428، الطبعة الحجريّة.
[57] «المناقب» ج 1، ص 428، وفي ج 2، ص 82.
[58] «الصواعق المحرقة» ص 79 و80.
[59] «اسد الغابة» ج 4، ص 34 و35، في سياق ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام؛ ورواه ابن حجر في «الصواعق المحرقة» ص 74؛ وذكر ابن سعد صدره في «الطبقات» ج 3، ص 35، طبعة بيروت؛ ورواه أيضاً سبط بن الجوزيّ في «التذكرة» ص 99 و100، عن أحمد بن حنبل في «الفضائل» عن وكيع، عن قتيبة بن قدامة الرواسيّ، عن أبيه، عن الضحّاك بن مزاحم، عن عليّ عليه السلام. وذكره أيضاً بهذا الإسناد عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب «الزهد» عن أبيه.
[60] «اسد الغابة» ج 4، ص 35؛ وذكره سبط بن الجوزيّ في «التذكرة» عن جدّه أبي الفرج وقال: هذان البيتان اللذان تمثّل بهما الإمام لُاحَيْحَة الأنصاريّ، ولهما ثالث:
فَإنَّ الدِّرْعَ والبَيْضَةَ *** يَوْمَ الرَّوْعِ يَكْفِيكَا
وجاء في «ترجمة تاريخ الأعثم الكوفيّ» ص 314:
كَمَا أضْحَكَكَ الدَّهْرُ *** كَذَاكَ الدَّهْرُ يُبْكِيكَا
فَقَدْ أعْرِفُ أقْوَاماً *** وإنْ كَانُوا صَعَالِيكَا
مَصَارِيعَ إلَى النَّجْدَةِ *** لِلْغَيّ مَتَارِيكَا
وأقول: جاء في «مجمع الأمثال» للميدانيّ، ج 1، ص 366 و376: هذه الأبيات لُاحيحة بن الجلاح كان يحرّض فيها ابنه. وتمثّل بها أمير المؤمنين عليه السلام. وذكرها ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 2، ص 80.
[61] «النهاية» لابن الأثير، ج 3، ص 197.
[62] «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 33، طبعة بيروت؛ ورواه عنه سبط بن الجوزيّ في «تذكرة الخواصّ»؛ وذكره ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 2، ص 80؛ كما ذكره ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 9، ص 118، طبعة مصر، دار الإحياء. وقال محقّق الشرح محمّد أبو الفضل إبراهيم في الهامش: هذا البيت من أبيات في «اللآلئ» ص 63، نسبها إلى عمرو بن معديكرب، وروايته فيها: ارِيدُ حَيَاتَهُ.
[63] «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 34، طبعة بيروت: وروى سبط بن الجوزيّ هذه الأحاديث عن «طبقات ابن سعد» في «تذكرة الخواصّ» ص 100 و101. وجاء في الحديث الرابع قولهم: فأخبرنا به نُبيد عشيرته.
[64] المصدر السابق.
[65] المصدر السابق.
[66] «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 35. ورواه عنه ابن الجوزيّ في «التذكرة» ص 101؛ ورواه أيضاً ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 2، ص 81، الطبعة الحجريّة.
ذكر ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 9، ص 118، طبعة مصر، دار الإحياء، كثيراً من الأخبار الواردة في هذا المجال إجمالًا، ويؤيّد صحّة مضمونها. فقد قال في الخطبة 147 من «نهج البلاغة» التي قال فيها أمير المؤمنين عليه السلام: وكَمْ أطْرَدْتُ الأيَّامَ أبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ فَأبَى اللهُ إلَّا إخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ: هذا الكلام يدلّ على أنّه لم يكن يعرف حال قتله معرفة مفصّلة من جميع الوجوه. وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أعلمه بذلك علماً مجملًا، لأنّه قد ثبت أنّه صلى الله عليه وآله قال له: سَتُضْرَب عَلَى هذا- وأشار إلى هامته- فَتُخْضَبُ مِنْهَا هَذِهِ- وأشار إلى لحيته-. وثبت أنّه صلى الله عليه وآله قال له: أتَعْلَمُ مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ؟ قَالَ: نَعم، عَاقِرُ النَّاقَةِ، فَقَالَ لَهُ: أتَعْلَمُ مَنْ أشْقَى الآخَرِينَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: مَنْ يَضْرِبُكَ هَا هُنَا، فَيخضب هذه. ثمّ قال ابن أبي الحديد بعد شرح مختصر: فإنّ قلت: فما تصنع بقوله عليه السلام لابن ملجم:
اريدُ حِباءَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي *** عَذِيركَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ
و قول الخلّص من شيعته: فهلّا تقتله؟ فقال: فكيف أقتل قاتلي؟ وتارةً قال: إنّه لم يقتلني فكيف أقتل من لم يقتل؟ وكيف قال في البطّ الصائح خلفه في المسجد ليلة ضربه ابن ملجم: دَعُوهنّ فإنّهنّ نوائح؟ وكيف قال تلك الليلة: إنِّي رَأيتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ فَشَكَوْتُ إلَيْهِ وقُلْتُ: مَا لَقِيتُ مِنْ امَّتَكَ مِنَ الأوَدِ واللَّدَدِ؟ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ عَلَيْهِمْ. فَقُلْتُ: اللَهُمَّ أبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وأبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي، وكيف قال: إنِّي لَا اقْتَلُ مُحَارِباً وإنَّمَا اقْتَلُ فَتْكاً وغِيلَةً؟ يَقْتُلُنِي رَجْلٌ خَامِلُ الذِّكْرِ. وقد جاء عنه عليه السلام في هذا الباب آثار كثيرة. قلتُ: كلّ هذا لا يدلّ على أنّه عليه السلام كان يعلم الأمر مفصّلًا من جميع الوجوه. ألا ترى أنّه ليس في الأخبار والآثار ما يدلّ على الوقت الذي يقتل فيه بعينه، ولا على المكان الذي يقتل فيه بعينه؟
أقول: عرض ابن أبي الحديد هنا شرحاً بعضه محلّ نظر!
[67] «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 35. وهذه الآية هي الآية 190، من السورة 2: البقرة. ورواه عنه سبط ابن الجوزيّ في «التذكرة» ص 101؛ وكذلك ذكره ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 2، ص 81، الطبعة الحجريّة.
[68] «تذكرة خواصّ الامّة» ص 100.
[69] «تذكرة خواصّ الامّة» ص 101؛ و«المناقب» لابن شهرآشوب، ج 2، ص 82، رواه عن أبي عثمان المازنيّ أنّ عليّاً عليه السلام أنشد هذه الأبيات.
[70] «بحار الأنوار» ج 9، ص 647، طبعة الكمبانيّ.
[71] «بحار الأنوار» ج 9، ص 646 إلى 648، طبعة الكمبانيّ، وفي الطبعة الحديثة: ج 42، ص 190 إلى 199.
[72] «بحار الأنوار» ج 9، ص 647 طبعة الكمبانيّ؛ وفي الطبعة الحديثة: ج 42، ص 194 و195.
[73] «المناقب» ج 2، ص 79، الطبعة الحجريّة.
ذكر العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 6، ص 268 و269 أنّ الحافظ العاصميّ أخرج في «زين الفتى» في شرح سورة هل أتى عن أبي الطفيل قال: لمّا مات أبو بكر، شهدتُ الصلاة عليه. ثمّ اجتمعنا إلى عمر بن الخطّاب فبايعناه. وأقمنا أيّاماً نختلف إلى المسجد إليه حتى أسموه: أمير المؤمنين. فبينما نحن عنده جلوس إذ أتاه يهوديّ من يهود المدينة وهم يزعمون أنّه من ولد هارون أخي موسى عليهما السلام حتى وقف على عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين! أيّكم أعلم بنبيّكم وبكتاب نبيّكم حتى أسأله عمّا اريد؟ فأشار له عمر إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فقال: هذا أعلم بنبيّنا وبكتاب نبيّنا. قال اليهوديّ: أكذاك أنت يا عليّ؟ قال عليه السلام: سل عمّا تريد. قال: إنّي سائلك عن ثلاث وثلاث وواحدة. قال له عليّ: لم لا تقول إنّي سائلك عن سبع؟ قال اليهوديّ: أسألك عن ثلاث فان أصبتَ فيهنّ، أسألك عن الواحدة. وإن أخطأتَ، لم أسألك عن شيء. (ثمّ عرض الأسئلة والأجوبة إلى آخرها) إلى أن قال: قال له عليّ: سل. قال: أخبرني عن وصيّ محمّد في أهله كم يعيش بعده؟ وهل يموت أو يُقتل؟ قال عليّ عليه السلام: يا يهوديّ! يعيش بعده ثلاثين سنة. ويخضب هذه من هذه- وأشار إلى رأسه- فوثب اليهوديّ وقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله.
[74] «المناقب» ج 2، ص 79، الطبعة الحجريّة.
[75] قال في «القاموس»: تجوب قبيلة من حِميَر منهم ابن ملجم التجوبيّ قاتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
[76] «المناقب» ج 2، ص 79، الطبعة الحجريّة.
[77] «المناقب» ج 2، ص 80 و81. وروى ابن حَجَر الهيتميّ في «الصواعق المحرقة» ص 80، عن «المستدرك» عن السدّيّ قال: كان ابن ملجم عشق امرأة من الخوارج يقال لها نظام، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل عَلِيّ. وفي ذلك يقول الفرزدق:
فلم أر مهراً ساقه ذو سماحة *** كمهر نظام بيّن غير معجم
ثلاثة آلافٍ وعبد وقينة *** وضرب عليّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أعلى من عليّ وإن علا *** ولا فتك إلّا دون قتلِ ابن ملجم
و جاء في الطبعة الحديثة لكتاب «الصواعق المحرقة» ص 135: قطام، في كلا الموضعين.
[78] «المناقب» ج 2، ص 81، الطبعة الحجريّة.
[79] «المناقب» ج 2، ص 82.
[80] «المناقب» ج 2، ص 84.
[81] المصدر السابق.
[82] «المناقب» ج 2، ص 84.
[83] المصدر السابق.
[84] المصدر السابق.
[85] تحدّث العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 4، ص 341 إلى 371 عن الملك الصالح: طالع بن رُزّيك المولود في سنة 495، والمستشهد في 556. ونقل خمس غديريّات له كلّها رائعة وسامقة. أصله من الشيعة في العراق. أصبح وزيراً للفاطميّين بمصر وخدم في منصبه.
[86] «المناقب» ج 2، ص 84.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)