قال محمّد بن طلحة الشافعي : وأما تفصيل قتله عليه السّلام ، فقد نقل أنه عليه السّلام لما فرغ من قتل الخوارج وأخذ في الرجوع إلى الكوفة ، سبقه عبد الرحمن بن ملجم المرادي إلى الكوفة يبشر أهلها بهلاك الشراة الخوارج ، فمر بدار من دور الكوفة فيها جمع فخرج منها نسوة فرأى فيهن امرأة يقال لها قطام بنت الأصبغ التميمي بها مسحة من حسن فنظر إليها فوقعت في قلبه ، فقال لها يا جارية ، أخلية أنت أم ذات بعل ؟ فقالت بل خلية ، قال لها هل لك في زوج لا تذم خلايقه ؟ فقالت نعم ، ولكن لي أولياء أشاورهم فتبعها فلما عاودها قالت : إنّ أوليائي أبوا أن ينكحوني إياك إلاّ على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة ، قال لك ذلك ، قالت : وشرط آخر ، قال وما هذا ؟ قالت : قتل علي بن أبي طالب ، فاسترجع وقال ويحك ومن يقدر على قتل علي وهو فارس الفرسان ؟ فقالت لا تكثر علينا ، أما المال فلا حاجة لنا فيه ولكن قتل علي ، هو الذي قتل أبي ، فقال لها : أما قتل علي فلا ، ولكن إنّ رضيت مني أن أضرب علياً بسيفي ضربة فعلت ، فقالت : قد رضيت فاترك سيفك عندي رهينة ، فدفع إليها سيفه ، وأنصرف ، فلما قدم علي عليه السّلام الكوفة واستقبله الناس يهنونه بالظفر بالخوارج ودخل المسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم صعد المنبر وخطب الناس ، وقال ما تقدم ذكره في فصل كراماته ، ثم دخل منزله ، فلما كان الليلة التي تقدم ذكرها خرج من منزله لأجل صلاة الصبح وكان في داره شئ من الأوز ، فلما صار في صحن الدار تصايح الأوز في وجهه ، فقال عليه السّلام صوايح تتبعها صوارخ ، وقيل نوايح ، فقال له ابنه الحسن عليهما السلام يا أبه ، ما هذه الطيرة ؟ فقال : يا بني لم أتطير ولكن قلبي يشهد أني مقتول ، ثم خرج فلما وقف في موضع الأذان إذن ودخل المسجد وكان عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة في بيت قطام ، فلما سمعت صوت علي عليه السّلام قامت إلى عبد الرحمن ، وقالت : يا أخا مراد هذا أمير المؤمنين علي ، قم واقض حاجتنا وارجع قرير العين ، ثم ناولته سيفه ، فأخذ السيف وجاء فدخل المسجد ورمى بنفسه بين النيام وإذن علي ودخل المسجد فجعل ينتبه من بالمسجد من النيام ، ثم صار إلى محرابه فوقف فيه واستفتح وقرأ ، فلما ركع وسجد سجدة ضربه على رأسه فوقعت الضربة على ضربة عمرو بن عبد ود يوم الخندق بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد تقدم ذكر قتله عمروا ذلك اليوم ، ثم بادر وخرج من المسجد هارباً وسقط علي عليه السّلام لما به ، وتسامع بذلك الناس وقالوا قتل أمير المؤمنين فأقام الحسن الصلاة وصلى بالناس ركعتين خفيفتين وأمسك عبد الرحمن فلما أحضر بين يدي علي جعل الناس يلطمون وجهه من كل ناحية فقال له علي : ويحك يا أخا مراد بئس الأمير كنت لك ؟ قال لا يا أمير المؤمنين ، قال ويحك ما حملك على أن فعلت ما فعلت ، فسكت فقال علي عليه السّلام : كان أمر الله قدراً مقدوراً ، ثم أمر بحبسه وقال : أنا ميت فاقتلوه كما قتلني ، وحثهم على طعامه ، فلما منّ نفسه بالموت جمع بنيه ووصى وصيته المعروفة ، فلما مات عليه السّلام غسله الحسن والحسين ومحمّد يصب الماء ثم كفن وحنط ، ودفن في جوف الليل بالغري . . . "[1].
قال أبو صالح الحنفي : " رأيت علي بن أبي طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه ، ثم قال : إنّهم منعوني ما فيه فأعطني ما فيه ، ثم قال : اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني ، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي وأخلاق لم تكن تعرف ، فأبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم بي شراً مني ، اللهم أمث قلوبهم ميث الملح في الماء يعني أهل الكوفة "[2].
قال عبيد : " سمعت علياً يخطب يقول : اللهم إنّي قد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني فأرحني منهم وأرحهم مني ، ما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم ووضع يده على لحيته "[3].
قال أبو عبد الرحمن السلمي : " رأيت الحسن بن علي في قصر أبيه وكان يقرأ علي وذلك في اليوم الذي قتل فيه علي فقال لي أنه سمع أباه في ذلك السحر يقول له يا بني رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه الليلة في نومة نمتها ، فقلت يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللّدد ، قال ادع الله عليهم ، فقلت : اللهم أبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم بي من هو شرٌ مني ، ثم أتيته وجاء مؤذنه يؤذن بالصلاة فخرج فاعتوره الرجلان ، فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطاق وأما الآخر فضربه في رأسه وذلك في صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان صبيحة بدر "[4].
قال عبد الله بن مالك : " جمع الأطباء لعلي يوم جرح وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكوني وكان يقال له أثير بن عمريا وكان صاحب كسرى يتطبب وهو الذي ينسب إليه صحراء أثير فأخذ أثير رئة شاة حارّة فتتبع عرقاً منها فاستخرجه فأدخله في جراحة علي ، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ وإذا الضربة قد وصلت إلى امّ رأسه فقال : يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنك ميت "[5].
وقالت عايشة لما بلغها قتل علي : " لتصنع العرب ما شائت فليس لها أحدٌ ينهاها "[6].
وقال الحسن بن علي عليه السّلام : " أتيت أبي سحيراً فجلست اليه ، فقال : إنّي بتّ الليلة أرقاً ، ثم ملكتني عيني وأنا جالس فسنح لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقلت له يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللد ؟ فقال : ادع عليهم فقلت : اللهم أبدلني بهم خيراً لي منهم وأبدلهم بي شراً لهم مني ، ودخل ابن النباح عليه فقال : الصلاة ، فأخذت بيده فقام ومشى ابن النباح بين يديه ومشيت خلفه ، فلما خرج من الباب نادى أيها الناس الصلاة الصلاة ، وكذلك كان يصنع في كل يوم ويخرج ومعه درته يوقظ الناس فاعترضه الرجلان ، فرأيت بريق السيف وسمعت قائلا يقول : الحكم يا علي لله لا لك ، ثم رأيت سيفاً ثانياً ، فأما سيف ابن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه ، وأما سيف ابن بجرة فوقع في الطاق . وقال علي : لا يفوتنكم الرجل ، فشدّ الناس عليهما من كل جانب ، فأما شبيب بن بجرة فأفلت ، وأما ابن ملجم فأخذ وأدخل على علي ، فقال : أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فان أعش فأنا ولي دمي ، فأما عفوت وأما اقتصصت ، وإن أمت فألحقوه بي ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين "[7].
وقالوا : وبكت أم كلثوم بنت علي ، وقالت لابن ملجم وهو أسير : يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين ؟ قال : لم أقتل أمير المؤمنين ولكني قتلت أباك ! ! ! فقالت : والله إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس ، قال : فلم تبكين إذاً أعلي تبكين ؟ والله لقد أرهقت السيف ونفيت الخوف وخنثت الأجل وقطعت الأمل وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ - ويقال : بربيعة ومضر - لأتت عليهم ، والله لقد سممته شهراً فان اخلفني فأبعده الله سيفاً وأسحقه[8].
وقال الحسن بن بزيع : إنّ علياً خرج في الليلة التي ضرب في صبيحتها في السحر وهو يقول :
اشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيك
ولا تجزع من الموت * إذا حلّ بواديك
فلما ضربه ابن ملجم قال : فزت ورب الكعبة ، وكان آخر ما تكلم به : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ ) "[9].
روى المتقي باسناده عن الحسن والحسين إنّ علياً قال : " لقيني حبيبي في المنام - يعني نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم - فشكوت إليه ما لقيت من أهل العراق بعده ، فوعدني الراحة منهم إلى قريب ، فلما لبث إلاّ ثلاثاً "[10].
قال محمّد بن علي : إن علياً لما ضربه ابن ملجم ، أوصى بنيه ، ثم لم ينطق إلاّ بلا إله إلاّ الله حتى قبضه الله[11].
وروى عبد الرحمان بن جندب بن عبد الله عن أبيه ، قال : لما فرغ علي من وصيته قال : اقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم لم يتكلم بشئ إلاّ إله الله حتى قبضه الله رحمة الله ورضوانه عليه ، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن وكبر عليه أربعاً وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميصٌ ودفن في السحر[12].
قال المسعودي : وقبض عليه السّلام في ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان فكان عمره خمساً وستين سنة ، وروى ثلاثاً وستين سنة ، منها مع النبي خمس وثلاثون سنة ، وبعده ثلاثون سنة ، ودفن بظاهر الكوفة بالغري[13].
عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : لما قبض أمير المؤمنين عليه السّلام أخرجه الحسن والحسين ورجلان آخران حتى إذا خرجوا من الكوفة تركوها عن أيمانهم ، ثم أخذوا في الجبانة حتى مروا به إلى الغري فدفنوه وسوّوا قبره فانصرفوا[14].
سلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً .
[2] منتخب الكنز بهامش مسند أحمد ج 5 ص 60 .
[4] الاستيعاب القسم الثالث ص 1127 الرقم 1855 .
[7] أنساب الأشراف ج 2 ص 494 و 495 رقم 529 و 530 .
[8] أنساب الأشراف ج 2 ص 494 و 495 رقم 529 و 530 .
[9] أنساب الأشراف للبلاذري ج 2 ص 499 رقم 543 .
[10] منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 61 .
[11] ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام من تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 307 رقم 1406 و 1407 .
[12] ترجمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام من تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 307 رقم 1406 و 1407 .
[13] اثبات الوصية ص 152 .
[14] الكافي ج 1 باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ص 381 .