روى الخوارزميّ عن محمود بن عمر الزمخشريّ بإسناده المتّصلة عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: لمّا كان في ولاية عمر، اتي بامرأة حامل، فسألها عمر، فاعترفت بالفجور، فأمر بها أن ترجم.
فلقيها عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما بال هذه؟!
فقالوا: أمر بها عمر أن ترجم. فردّها عليّ عليه السلام، وقال لعمر: أمرتَ بها أن ترجم؟ قال: نعم! اعترفتْ عندي بالفجور.
فقال: هذا سلطانك عليها! فما سلطانك على ما في بطنها؟! ثمّ قال له عليّ عليه السلام: فلعلّك انتهرتها أو أخفتها؟!
فقال عمر: قد كان ذاك.
فَقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ: أ ومَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَقُولُ: لَا حَدَّ عَلَى مُعْتَرِفٍ بَعْدِ البَلَاءِ. إنّهُ مَنْ قَيَّدْتَ أوْ حَبَسْتَ أوْ تَهَدَّدْتَ فَلَا إقْرارَ لَهُ.[1]
فخلّى عمر سبيلها، ثمّ قال: عَجَزَتِ النّسَاءُ أنْ تَلِدْنَ مِثْلَ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ، لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.[2]
وروى عليّ بن عيسى الإربليّ هذا الخبر في «كشف الغمّة» عن «مناقب الخوارزميّ».[3]
وقال ابن شهرآشوب بعد عرض هذا الموضوع: قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر: هَبْ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا، فَهَلْ لَكَ سَبِيلٌ عَلَى مَا في بَطْنِهَا واللهُ تعالى يَقُولُ: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؟[4]
قال عمر: فما أصنع بها؟! قَالَ: احْتَطْ عَلَيْهَا حتى تَلِدَ، فَإذَا وَلَدَتْ ووَجَدْتَ لَوَلِدَهَا مَن يَكْفُلُهُ فَأقِمِ الحَدَّ عَلَيْهَا! فَلَمَّا وَلَدَتْ مَاتَتْ؛ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.
وقال الإصفهانيّ في هذه القصّة:
وَبِرَجْمِ اخْرَى مُثْقَلٍ في بَطْنِهَا *** طِفْلٌ سَوِيّ الخَلْقِ أوْ طَفْلَانِ
نُودُوا ألَا انْتَظِرُوا فَإن كَانَتْ زَنَتْ *** فَجِنِينُهَا في البَطْنِ لَيْسَ بِزَانِ[5]
ويستفاد من هاتين الروايتين اللتين نقلناهما عن «مناقب الخوارزميّ»، و«مناقب ابن شهرآشوب» أنّ قصّة رجم المرأة الحامل ومنع أمير المؤمنين عليه السلام ذلك في عهد عمر وقعت مرّتين. إذ جاء في الخبر الأوّل أنّ اعتراف المرأة كان بسبب التهديد والتخويف والزجر والإيذاء، ولا أثر لهذا الإقرار؛ فلهذا خُلِّي سبيل المرأة، ولم يُجْرَ عليها الحدّ بعد الولادة. أمّا الخبر الثاني فلم يذكر فيه تهديد: وإقرار المرأة حجّة، غاية الأمر أنّها لمّا كانت حاملًا، فقد تقرّر إرجاء إقامة الحدّ عليها حتى تلد.
ونصّ محبّ الدين الطبريّ على هذه النقطة في كتابيه: «ذخائر العقبي» و«الرياض النضرة» حيث ذكر فيهما هاتين الروايتين عن زيد بن عليّ بن الحسن، وعبد الله بن الحسن بن الحسن.[6]
وذكر محمّد بن طلحة الشافعيّ قصّة رجم الزانية، وقال: وقال عمر بمحضر من الصحابة: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.[7]
وذكر العلّامة الأمينيّ الصورة الاولى من الحديث نقلًا عن بعض الكتب الأخيرة، وعن «أربعين الفخر الرازيّ» ص 466؛ كما ذكر صورة الحديث الثاني عن كتاب «الكفاية» للحافظ الكنجيّ ص105.[8]
وذكر محبّ الدين الطبريّ في كتابَيْه، في الحديث الثاني أنّ عمر قال ثلاث مرّات: كُلُّ أحَدٍ أفْقَهُ مِنّي.
ونقل الشيخ المفيد الحديث الثاني في «الإرشاد»، وورد فيه أنّ عمر قال: لَا عِشْتُ لِمُعْضَلَةٍ لَا يَكُونُ لَهَا أبُو الحَسَنِ.
وجاء في آخر الحديث أنّ آثار الحزن زالت عن وجه عمر، وعوّل في الحكم به على أمير المؤمنين عليه السلام.[9]
[1] ذكر فقهاؤنا رضوان الله عليهم في كتاب «الإقرار» أنّ من شرائط صحّة الإقرار ونفوذه عدم إكراه المقرّ بالنسبة إلى المقرّ عليه. فكلّ من ضرب وعُذِّب أو اخيف واكره على الإقرار، فلا يوجب تنفيذ الإقرار، مضافاً إلى أنّ هذه الامور فيها حرمة شرعيّة قبل ثبوت الجرم. قال الشهيد الثاني في «المسالك»: ولا يصحّ إقرار المكره، أعمّ ممّن ضرب حتى يلجأ إلى الإقرار أو هدّد عليه بإيقاع مكروه به لا يليق بمثله تحمّله عادة من ضرب أو شتم وأخذ مال ونحو ذلك انتهى.
[2] «مناقب الخوارزميّ» الطبعة الحجريّة، ص 48، وفي طبعة النجف الحديثة، ص 39؛ و«غاية المرام» القسم الثاني ص 531، الحديث 7 عن العامّة عن الخوارزميّ.
[3] «كشف الغمّة» ص 33.
[4] وردت هذه الآية المباركة في خمسة واضع من القرآن الكريم:( الآية 164، من السورة 6: الأنعام»؛ و«الآية 15، من السورة 17: الإسراء؛ والآية 18، من السورة 35: فاطر؛ والآية 7، من السورة 39: الزمر؛ والآية 38، من السورة 53: النجم).
[5] «المناقب» ج 1، ص 494 الطبعة الحجريّة؛ وذكرها الفضل بن شاذان في «الإيضاح» ص 192 مع تعليق الارمويّ.
[6] «ذخائر العقبي» ص 80 و81؛ و«الرياض النضرة» ج 3، ص 208 و209، طبعة مكتبة لبندة. ورواية زيد بن عليّ في هذين الكتابين باللفظ الآتي: إنّهُ مَنْ قُيِّدَ أوْ حُبِسَ أو تُهُدِّدَ فَلَا إقَرَارَ لَهُ. ولذلك فاللفظ المذكور هو من تتمّة كلام رسول الله، لا من إنشاء أمير المؤمنين عليه السلام لعمر، متفرّعاً علي قول رسول الله: لَا حَدَّ عَلَي مُعْتَرِفٍ بَعْدَ البَلَاءِ.
[7] «مطالب السؤول» ص 13. وهذا الكتاب من نفائس الكتب. مؤلّفه شافعيّ. وهو من أعيان العلماء ومشاهير الرجال. وكان معاصراً للسيّد ابن طاووس وعليّ بن عيسي الإربليّ. وقال الإربليّ في «كشف الغمّة» ص 17: «مطالب السؤول في مناقب آل الرسول» تصنيف الشيخ العالم كمال الدين محمّد بن طلحة؛ وكان شيخاً مشهوراً، وفاضلًا مذكوراً. أظنّه مات رضوان الله عليه سنة أربع وخمسين وستمائة. وحاله في ترفّعه وزهده وتركه وزارة الشام وانقطاعه ورفضه الدنيا حال معلومة. قرب العهد بها. وفي انقطاعه عمل هذا الكتاب وكتاب «الدائرة». وكان شافعيّ المذهب من أعيانهم ورؤسائهم.
[8] «الغدير»، ج 6، ص 110 و111.
[9] «الإرشاد» ص 112 و113، الطبعة الحجريّة.