روى الشيخ المفيد في «الإرشاد» فقال: روى أنّ مجنونة على عهد عمر فَجَرَ بها رجل، فقامت البيّنة عليها بذلك، فأمر عمر بجلدها الحدّ. فمُرّ بها على أمير المؤمنين عليه السلام لتُجلد فقال: ما بال مجنونة آل فلان تُعتل؟ فقيل له: إنّ رجلًا فجر بها وهرب وقامت البيّنة عليها، فأمر عمر بجلدها.
فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: ردّوها إليه وقولوا له: أ ما علمت أنّ هذه مجنونة آل فلان، وأنّ النّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ قَدْ رَفَعَ القَلَمَ عَنِ المَجْنُونِ حتى يُفِيقَ؟! إنّها مغلوبة على عقلها ونفسها و قامت بما قامت به بلا إدارك ولا تعقّل.
فرُدّت إلى عمر، وقيل له ما قال أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: فَرّجَ اللهُ عَنْهُ لَقَدْ كِدْتُ أنْ أهْلِكَ في جَلْدِهَا، فَدَرَأ عَنْهَا الحَدَّ.[1]
ورواها ابن شهرآشوب بهذا اللفظ عن الحسن وعطاء وقَتَادة وشُعبة وأحمد بن حنبل.[2]
وروى ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام بسنده المتّصل عن سعيد بن المسيّب، قال: كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ مُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أبُو حَسَنٍ.
وقال في الزانية المجنونة التي أمر عمر برجمها، وكذلك في المرأة التي ولدت لستّة أشهر، وأراد عمر رجمها أيضاً، وقال له عليّ عليه السلام: إنّ الله تعالى يقول: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً الآية[3] وقال له أيضاً: إنّ اللهَ رَفَعَ القَلَمَ عَنِ المَجْنُونِ الحديث؛ قال عمر: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.
ثمّ قال ابن عبد البرّ: وقد روى مثل هذه القصّة لعثمان مع ابن عبّاس، وعن عليّ أخذها ابن عبّاس، والله أعلم.[4]
وذكر الخوارزميّ هذه الرواية عن محمود بن عمر الزمخشريّ بسنده المتّصل عن الحسن البصريّ، عن عمر بن الخطّاب، وفيها أنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام قال لعمر: أومَا سَمِعْتَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ؟! قَالَ: ومَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حتى يَبْرَأ وعَنِ الغُلَامِ حتى يَحْتَلِمَ وعَنِ النّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ. قَالَ: فَخَلَّى عَنْهَا.[5]
وروى محبّ الدين الطبريّ عن أبي ظبيان أنّه قال: شهدت هذه القصّة. ونقلها كما كانت. وذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله كالآتي: رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وعَنِ الصَّغِيرِ حتى يَكْبُرَ وعَنِ المُبْتَلَى حتى يَعْقِلَ.[6]
ورواه الحاكم في مستدركه بسنده المتّصل عن أبي ظبيان عن ابن عبّاس، وذكر لفظ رسول الله بهذا النحو: رُفِعَ القلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، وعَنِ النّائِمِ حتى يَسْتَيقِظَ وعَنِ الصَّبِيّ حتى يَحْتَلِمَ.[7]
ورواه أبو بكر: أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقيّ بثلاثة أسناد مختلفة، وعبارات متفاوتة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في اللفظ لا فى المعنى.[8]
وذكر العلّامة الأمينيّ بأشكال خمسة من مصادر مختلفة؛ وقال في آخره: لَفْتُ نَظَرٍ: أخرج البخاريّ هذا الحديث في صحيحه[9] غير أنّه عند ما وجد فيه مسّةً بكرامة الخليفة، حذف صدره تحفّظاً عليها؛ ولم يرقه إيقاف الامّة على قضيّة تعرب عن جهله بالسنّة الشائعة أو ذهوله عنها عند القضاء، فقال: قال عليّ لعمر: أمَا عَلِمْتَ أنّ القَلَمَ رُفِعَ عَنِ المَجْنونِ حتى يُفِيقَ وعَنِ الصَّبِيّ حتى يُدْرِكَ وعَنِ النّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ؟![10]
ولكنيّ أقول: كشف شرّاح «صحيح البخاريّ» الغطاء عن هذه القصّة مفصّلًا، كابن حجَر العَسْقَلانيّ في كتاب «فتح الباري»،[11] ومحمود بن أحمد العَيْنيّ في كتاب «عمدة القاري»[12] وكلا الكتابين في شرح «صحيح البخاريّ». كما ذكره أبو داود في صحيحه في باب المجنون الذي يَسْرِق في كتاب «الحدود»،[13] والقاضي عبد الجبّار في كتاب «المغني».
لقد ذكر علماء الشيعة والعامّة في كتبهم حديث رفع القلم الذي رواه أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وجعلوه أصلًا للاستدلال على عدم مؤاخذة المجنون والصغير، والنائم، وعدم تكليفهم؛ وهذا الحديث هو المتمسَّك في فتواهم، بضميمة أحاديث اخرى رووها عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في حالات خاصّة.
وبعد أن ذكر البيهقيّ ثلاثة أحاديث في رجم المجنونة ورفع القلم، نقل حديثاً مستقلًّا عن أبي الحسن عليّ بن محمّد المقري بإسناده عن الحسن، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيّ حتى يَعْقِلَ؛ وعَنِ النّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ؛ وعَنِ المَجْنُونِ حتى يُكْشَفَ عَنْهُ.[14]
وقال الحاكم بعد نقل هذا الحديث عن أبي عبد الله بن أحمد بن موسى القاضي: قال أبو عبد الله: بالحجر على المجنون والمجنونة ممّا لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء.[15]
[1] «الإرشاد» ص 112، الطبعة الحجريّة.
[2] «المناقب» ج 1، ص 497، الطبعة الحجريّة.
[3] جزء من الآية 15، من السورة 46: الأحقاف.( وإذا طرحنا مدة الرضاعة وهي سنتان، فالباقي ستة أشهر. لذلك يمكن للمرأة أن تلد في ستة أشهر).
[4] «الاستيعاب» ج 3، ص 1102 و1103؛ وذكر ابن عساكر صدر الحديث المشار إليه في «تاريخ دمشق» كتاب أمير المؤمنين، ج 2، ص 39، الحديث 1072.
[5] «المناقب» الطبعة الحجريّة، ص 48؛ وطبعة النجف الحديثة، ص 38؛ و«الإيضاح» لابن شاذان ص 194: ورواه صاحب «كشف الغمّة» عن الخوارزميّ. وقال في تتمّته: رواه أحمد في مسنده برواية عليّ عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الطفل حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يبرأ. قال الراوي: فلم يرجم عمر المجنونة وخلّى سبيلها. وهذا الحديث قاله عليّ عليه السلام لعمر عند ما أراد رجم المجنونة. ورواه عليّ عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله. ( «كشف الغمّة» باب في مناقبه، ص 33)؛ وورد في «غاية المرام»، القسم الثاني، ص 531، الحديث السادس عن العامّة، عن موفّق بن أحمد الخوارزميّ. وروى فيه أيضاً الحديث الذي نقلناها عن «كشف الغمّة» عن أحمد بن حنبل، ص 530، الحديث 2 عن العامّة؛ وذكره السيّد ابن طاووس في طرائفه، ص 473 عن أحمد بن حنبل في مسنده، عن قتادة، عن الحسن البصريّ بهذا اللفظ: لمّا أراد عمر أن يرجم المجنونة، قال له عليّ عليه السلام: ما لك ذلك! أ ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رفع القلم عن ثلاثة نفر: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ ويعقل؛ وعن الطفل حتى يحتلم. (أحمد بن حنبل في مسنده، ج 1، رجم المجنون، والبخاريّ في صحيحه، ج 8، ص 21).
[6] «الرياض النضرة» ج 3، ص 209، طبعة مكتبة لبندة؛ «ذخائر العقبي» ص 11.
[7] «المستدرك علي الصحيحين» ج 2، ص 59.
[8] «السنن الكبرى» ج 8، ص 264 و265.
[9] في كتاب المحاربين، باب لا يرجم المجنون والمجنونة.
[10] «الغدير» ج 6، ص 101 إلي 103، باب نوادر الأثر في علم عمر، رقم 7.
[11] «فتح الباري» ج 12، ص 101.
[12] «عمدة القاري» ج 11، ص 151.
[13] «سنن أبي داود» بعدّة طرق، ج 2، ص 227.
[14] «السنن الكبرى» ج 8، ص 265.
[15] «المستدرك» ج 2، ص 59.