نظريات الكون الانتفاخي قد تكون بمعنى ما مختلفة عن معظم النظريات الأخرى في الفيزياء. وأنا عندما أقول ذلك لا أشير إلى حقيقة أن النظرية كما يبدو قد ابتكرت أصلاً لإزالة بعض الصعوبات المصاحبة لنظرية الانفجار الكبير. فمن الواضح أنه ليس هناك خطأ في محاولة العثور على نظرية تفسر ما نلاحظه من حقائق تفسيراً أفضل من النظرية التي لدينا فتسطيح الكون وما يلاحظ من اتساقه هي حقائق فيزيائية واقعية تتطلب التفسير.
أما ما أشير إليه فهو حقيقة أن النظريات الانتفاخية قد تكون غير قابلة للاختبار. ونحن عادة نتوقع من أي نظرية جديدة أن تصنع تنبؤات يمكن اختبارها بالتجربة. وخلال تاريخ الفيزياء كله كثيراً ما كان أفضل علماء الفيزياء النظرية يحرصون جـد الحرص على اقتراح التجارب التي يمكن أن تثبت أو تدحض نظرياتهم، وآينشتين هنا هو المثل الأول لذلك. فهؤلاء العلماء يحسون أن الأفكار النظرية إن كان لها أن تؤخذ مأخذاً جدياً فإنها يجب أن تخضع للاختبار.
ويبدو أن الحال هنا ليس كذلك. فنظرية الكون الانتفاخي الأصلية قد صنعت فحسب نبوءة واحدة قابلة للاختبار ، ثم ثبت في النهاية زيف هذه النبوءة. وأنا أشير هنا إلى فكرة أننا ينبغي أن نرى الكثير من المناطق المفردة الأصغر من الكون المرصود. ومن المؤكد أن النسخ الجديدة من النظرية تقول إن هذه المناطق ينبغي أن تكون كبيرة جداً، ولكن هذه النبوءة لا تقبل الاختبار مطلقاً. فليس لدينا أي وسيلة حتى نعرف ما إذا كانت جدران أقرب منطقة هي ببساطة بعيدة جداً بحيث لا يمكن رؤيتها، أم أنها غير موجودة على الإطلاق.
وإذا كان مما يبدو بالفعل أن النظريات الانتفاخية تفسر ملامح معينة مميزة للكون المرصود، إلا أن هذا ليس اختباراً لصحتها، حيث إنها ابتكرت على وجه الخصوص لهذا الهدف وليس لدينا وسيلة حتى نعرف إن كان يمكن، أو لا يمكن وجود نظرية أفضل ومختلفة تماماً تستطيع أيضاً أن تفسر هذه الملامح.
وأنا لا أعني أنه ينبغي إهمال النظريات الانتفاخية. فهذه النظريات فيها الكثير مما يثير الإعجاب الشديد، ورغم كل عيوبها إلا أنها ناجحة جداً. وهناك أسباب فوية جعلتها تدمج فيما أصبح يعد النظرية الكونية المعيارية فوية جعلتها تدمج فيما أصبح يعد النظرية الكونية المعيارية.
وما أقوله هو إن نظريات الكون الانتفاخية لها خاصية نلقاها الآن بتواتر متزايد في علمي الفيزياء والكونيات المعاصرين. ذلك أنه في السنوات الأخيرة صار للنظر بالتخمين نزعة لأن يفوق التجربة في سرعته. وأصبح للأفكار النظرية الجديدة نزعة يتزايد مداها، لأن تنال قبولاً واسعاً هو مما يسبق كثيراً أي أمل لاختبارها تجريبياً. وقد أظهر أعضاء المجتمع العلمي في بعض الحالات استعداداً لقبول أفكار لا يمكن مطلقاً اختبارها. وسوف أطرح في سياق هذا الكتاب بعض أمثلة أخرى لحالات وصل فيها التخمين النظري إلى الانطلاق بعيداً جداً بحيث تخلفت التجربة بعيداً وراءه، كما أنني سوف أذكر المزيد من التعليقات على طبيعة هذه المحاولات النظرية. على أنه قد يكون من الأفضل في لحظتنا هذه أن نواصل موضوع نقاشنا. وأود على وجه الخصوص أن أسأل السؤال التالي هل نظريات الكون الانتفاخي هي فيزيقا ام ميتافيزيقا.