يُعد مشروع سكة حديد بغداد، أحد أهم أسباب اهتمام بريطانيا بالعراق، فضلا عن كونه أحد أهم الدوافع التي أدت إلى خوض غمار الحرب العالمية الأولى.
كانت بريطانيا تنشد منذ أوائل القرن التاسع عشر طريقا سهلًا قصيرًا إلى جوهرة إمبراطوريتها يومذاك (الهند)، وفي سنة 1837م، أنفقت مالا كثيرًا على مسح وادي الفرات لهذه الغاية، وحصلت من تركيا على امتياز مد خط سكة حديد تصل الإسكندرية على البحر المتوسط بالخليج العربي وكان ذلك سنة 1851 م، إلا أن بريطانيا نبذت مشروع الملاحة في الفرات سنة 1876م، عندما استطاعت شراء ما قيمته (4) أربعة ملايين باون من أسهم قناة السويس، ورأت أنَّ الإفادة من القناة أفضل من الاستفادة من مشروع ملاحة وسكة حديد عبر الفرات وواديه (1) ، وقبل الحرب العالمية الأولى أخذت ألمانيا تفكر في مشروع سكة حديد تمتد من برلين فاستانبول فبغداد فالبصرة، وهذا شيء أقلق مضاجع الساسة البريطانيين، وهم الذين كانوا يسعون جاهدين إلى الحفاظ على حياد تركيا وإبعاد النفوذ الألماني عنها، فلقد أراد الألمان من وراء سكة حديد برلين البصرة، التقرب الهند وخلق المتاعب وإثارة القلاقل في أرجاء العالم الإسلامي، لخلخلة كيان الإمبراطورية البريطانية من جهة، وتهديد استثمار النفط، إذ تعمل شركة النفط الإنكليزية الفارسية منذ سنة 1906م في جنوب إيران وتمتد أنابيبها ومصافيها إلى عبادان على شط العرب(2) ، هذا فضلا . الامتيازات الاقتصادية المتحققة عن مد خط السكة، عن طريق الاستثمار (ومنها النفط) على جانبي امتداد الخط في منطقة بين النهرين.
لقد كان مشروع سكة حديد بغداد من أشد مشكلات الاستعمار التي جابهتها الدول الأوربية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعقيدًا، ومن أقوى العوامل في سوق هذه الدول للانغمار في أتون الحرب الأولى، وكان أيضًا من أهم الدوافع التي جعلت بريطانيا تقرر استعمار العراق، والسيطرة على المنطقة العربية لضمان سلامة أقصر طرق المواصلات إلى الهند، وإبعاد التهديد الأوروبي عنها، فقد شكّل هذا المشروع تنافسًا استعماريًّا، وصراع قوى بين أهم الدول الفاعلة آنذاك على الساحة الأوروبية بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا(3). لقد أثيرت في بريطانيا قضيّة إنشاء الطريق البري للوصول إلى الهند أكثر من أي وقت مضى، بعد أن شرع الفرنسيون في فتح قناة السويس، ف ريس، فقد شعرت بريطانيا أن إيجاد طريق مختصرة كلّيًا لفرنسا للوصول إلى الهند هو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لوجودها ومصالحها في تلك المنطقة من العالم، وهكذا أُثيرت في بريطانيا مسألة إنشاء الطريق البري نحو الهند، على أساس إقامته كمنافس وبديل بريطاني لقناة السويس، ب ، بمد سكة حديد من السويداء على خليج الإسكندرية حتّى قلعة جابر في أعالي الفرات، وكان الأمر معقودًا أن تكون هذه السكة حلقة وصل بين البحر المتوسط والطُّرق النهرية في الفرات، وفي الوقت نفسه إمكانية مد السكة المذكورة نحو بغداد ومنها إلى البصرة(4).
وضمن تقرير اللجنة التي شكلتها الحكومة البريطانية في مجلس العموم البريطاني برئاسة السير نورثكوت لدراسة المشروع، وردت النقاط المهمة الآتية (5): أولا: إنَّ قضية موضوع بناء سكة حديد وادي الرافدين كما أسمتها اللجنة (TRANS MESOPOTMIAN RAIL WAY) هو أمرٌ في غاية الضرورة لبريطانيا ومصالحها الحيوية في المنطقة، وهو من الناحية الأخرى يؤمن سرعة نقل البريد نحو الهند والخليج، وله مزايا وفوائد اقتصادية مهمة لبريطانيا.
ثانيا: إنَّ من الممكن استعمال السكة للأغراض الحربية الخاصة بنقل القطعات والأسلحة والمؤن نحو الهند، ويمكن عدها حاجزًا لإيقاف أي توسع روسي تجاه الخليج (6). وبما أن المشروع كان موضوعًا للمنافسة والصراع الاستعماري، فقد تقدمت روسيا القيصرية بعرض المد سكة حديد من طرابلس على البحر المتوسط إلى الكويت على الخليج العربي عبر الصحراء، على أن يُربط بالعراق بواسطة طريق فرعي يمتد نحو كربلاء (7). كما أن فرنسا تبنت أيضًا إنشاء مشروع سكة حديد بغداد، الأمر الذي رأت فيه بريطانيا تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فإن ذلك إلى جانب حصّة فرنسا الواسعة في قناة السويس يعني سيطرتها على الطريق البري نحو الهند، الأمر الذي يُشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالح وسياسة بريطانيا في الشرق الأوسط والهند (8). ولأسباب عدة لم تلقَ كل تلك المشاريع موافقة السلطان العثماني (9).
وفي الجانب الألماني كان استلام القيصر وليام الثاني (10) الحكم عام 1888م قد شكل تغييرا جذريًا إزاء سياسة التحفظ الألمانية حيال الإمبراطورية العثمانية، تحت تأثير حاجة الاقتصاد الألماني لإيجاد أسواق جديدة في الشرق، ودخول ألمانيا معترك التنافس التجاري والسياسي مع الدول الرأسمالية الكبرى، إذ كان القيصر الألماني يُحبذ فكرة التوسع الألماني في الدولة العثمانية، ويرى في الأمر تقويةً للمراكز الألمانية في آسيا كلها (11).
وفي سنة 1898 م قام القيصر وليام الثاني برحلة إلى بيت المقدس في فلسطين عبر إستانبول، وكان لهذه الرحلة تأثير عميق في نفس السلطان عبد الحميد (12)، إذ كان الرأي العام الأوروبي ناقمًا عليه نقمة شديدة من جراء مذابح الأرمن (13)؛ التي وقعت حوادثها قبيل هذه الرحلة، على أنَّ المنافع الاقتصادية كانت هي ا الأصل في هذه الرحلة كما يتبيَّن من مذكرة الفون بولو وزير الخارجية الألماني، التي نوه فيها بالمنافع التي عادت بها الرحلة، فقال: «... ومما يجب أن ننوه به هنا ذكر تصميم إيصال سكة حديد الأناضول ببغداد، وهو ما نأمل أن تحقق بهِ إكمال الفتح الاقتصادي في آسيا الصغرى(14)».
ونتيجةً لهذا التقارب الألماني التركي فاز الألمان في 27/ تشرين الثاني/ 1899م باستحصال موافقة السلطان العثماني المبدئية على منح البنك الألماني امتياز إنشاء سكة حديد تمتد من قونية إلى بغداد فالخليج، وبعد مرور ثلاث سنوات صدرت الإرادة السلطانية بمنح الامتياز نهائيًا إلى الألمان في العام 1902م، وكانت الشركة الألمانية قد أكملت أثناء هذه المدة أعمال المسح ووضع
الخرائط (15).
أعطي الامتياز النهائي لسكة حديد بغداد في 5/ آذار/ 1902م، ونص الامتياز على مواد عدة، يمكن إجمال أهمها في ما يلي:
1. الحق لشركة سكة حديد الأناضول بتمديد الخط من قونية إلى بغداد والبصرة، عبر أو عند أقرب نقطة من قونية ونصيبين والموصل وتكريت وبغداد وكربلاء والنجف والزبير، مع إقامة فروع للخطّ إلى مناطق عدة، أهمها حلب وخانقين ونقطة على الخليج العربي يتفق بشأنها فيما بعد بين الحكومة التركية وأصحاب الامتياز. والملاحظ أنَّ نص الامتياز لم يشر صراحةً إلى اسم الموقع الذي تم الاتفاق عليه في الخليج العربي لتشييد فرع السكة إليه من الزبير، غير تلك النقطة المقترحة كي تكون نهاية سكة حديد بغداد.
2. حدّدت مدة الامتياز بتسعة وتسعين عامًا.
3. أعطيت الشركة الحق في استغلال كُلّ المناجم التي يُعثر عليها لمسافة عشرين كيلو مترًا من جانبي الخط (16).
لقد كانت إحدى النتائج المهمة التي أدت إليها زيارة القيصر الألماني إلى تركيا والأراضي المقدسة، أن عجلت بريطانيا بالسعي للقيام بعدد من الإجراءات الهادفة إلى حماية خطوط مواصلاتها نحو الهند، إزاء تقدم ألماني محتمل في منطقة وادي الرافدين عن طريق تنفيذ سكة حديد بغداد، وقام اللورد كرزون نائب ملك بريطانيا في الهند باستمالة الشيخ مبارك شيخ الكويت(17)، لعقد معاهدة حماية سرية بين بريطانيا والكويت في حزيران 1899م، وفرضت المعاهدة المذكورة على شيخ الكويت عدم قبول أي ممثل لدولة أجنبية في إمارته دون الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة البريطانية، كما منعته من رهن أي جزء من أراضيه أو بيعه أو إيجاره دون الحصول على تلك الموافقة نفسها(18).
امتازت الحقبة التي أعقبت إعطاء امتياز سكة حديد بغداد عام 1902م وحتّى إعلان الحرب العالمية الأولى بكونها حقبة المفاوضات والمناورات السياسية العنيفة بين الدول الأوروبية الكبرى لأجل التوصل إلى المساهمة أو منع مساهمة الآخرين في مشروع السكة. لقد كادت تلك المفاوضات والمناورات التي كانت تسير صعودًا ونزولًا أن تعطي نتائج قائمة على أساس تفاهم الأطراف المعنية لولا قيام الحرب العالمية الأولى. ولقد عدَّت المشكلات الدولية المتعلقة بسكة حديد بغداد من العناصر الرئيسة للخلافات الأوروبية التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى (19).
على أنَّ كلَّا من بريطانيا وفرنسا وروسيا التي لها أطماعها ومصالحها في تلك المناطق، لم تنظر إلى المشروع بعين الرضا والقبول عندما شرع الألمان في مد السكة، فبريطانيا مثلا اشترطت وفق اتفاقية 15 حزيران/ 1914م مع ألمانيا، على أن تكون البصرة نهاية للسكة مهما كانت الظروف، وكذلك عدم القيام ببناء ميناء أو محطة للسكك الحديد على الخليج العربي، على أنَّ الدبلوماسية الألمانية لم تألُ جهدا في محاولة إنهاء معارضة الدول الكبرى لمشروع السكة ووضع حدّ لتلك المعارضة، ولكنها لم تتمتع بمتّسع من الوقت لجني ثمار جهدها الدبلوماسي وتحقيق حلمها بربط برلين ببغداد، ينقل الوجود الألماني إلى أبواب الهند والشرق، فما أن كادت تصل إلى الاتفاق مع أكبر منافسيها وهي بريطانيا حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى.
وبقيام الحرب العالمية الأولى انهار مشروع سكة حديد بغداد الذي تمت المباشرة به توا، وتحولت الأنظار الأوروبية واهتمامها نحو الصراع الحربي الدائر (20).
.........................................
1. حافظ، طالب حسين النفط والسياسة في العراق، ص 47.
2. ويلسون، آرنولد تي بلاد ما بين النهرين بين ولائين، ص11.
3. حافظ، طالب حسين النفط والسياسة في العراق، ص 47.
4. بحري، لؤي، سكة حديد بغداد، ص 10-12.
5. حسين علي ناصر تاريخ السكك الحديدية في العراق (1914-1945م)، ص 21؛
E. M. Earle, Turkey the Greet Power and The Baghdad Railway, A study in Imperialism, New York: 1966, p.135.
6. Zaki Saleh, Op. cit., p.154.
7. حسين، علي ناصر، تاريخ السكك الحديدية في العراق (1914 - 1945م)، ص 22؛ .135.Earle, Ibid., p
8. المصدر نفسه.
9. بحري، لؤي، سكة حديد بغداد، ص 21.
10. ويليام الثاني William II (1859 ــ 1941م): ملك بروسيا وإمبراطور ألمانيا، والدته ابنة الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا، سعى إلى تبني سياسة النهج الجديد التي أكدت حق ألمانيا في زعامة العالم، تلك السياسة التي أثارت البريطانيين ضده، كان يُعاني من عقدة الشعور بالنقص بسبب عوق في يده اليسرى، وفي تشرين الثاني ، عام 1918م تنازل عن العرش بعد أن انهزمت ألمانيا في الحرب، ونُفي خارج ألمانيا، وعاش في المنفى حتى وفاته في عام 1941م. آلان بالمر، موسوعة التاريخ الحديث (1789 - 1945م)، 391/2-392؛
Encyclopedia Americana, New York: 1968, Vol.28, p.779; Paul Kennedy Randon, The Rise and Fall of the Great Powers, U.S.A: 1987, p.25.
11. بحري، لؤي سكة حديد بغداد، ص 22.
12. السلطان عبد الحميد الثاني: (1842 - 1918م) سلطان عثماني، حكم من (1876-1909م)، كان عهده طافحا بالحروب، حكم البلاد حكمًا استبداديًا قاسيًا، أكره على منح دستور للبلاد عام 1908م، وفي عام 1909م أجبرته حركة تركيا الفتاة على التنحي عن الحكم وتوفي عام 1918م. يُنظر: علي، أورخان محمد، السلطان عبد الحميد الثاني وأحداث عصره، ص 371؛ والدي، عائشة عثمان أوغلي، السلطان عبد الحميد، ص 11-48.
13. مرت القضية الأرمنية بثلاث مراحل تاريخية: حقبة السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م)، والاتحاديين الطورانيين (1909 - 1919م)، وحقبة تركيا الكمالية (1919 - 1923م). للمزيد عن القضية الأرمنية، يُنظر اليافي نعيم وخليل موسى، نضال العرب والأرمن ضد الاستعمار العثماني، ص21.
14. إبراهيم عبد الفتاح على طريق الهند، ص 102.
15. المرجع نفسه، ص 113-115.
16. بحري، لؤي سكة حديد بغداد، ص 69-71.
17. مبارك الصباح: الشيخ مبارك بن صباح الصباح، حاكم الكويت السابع والمؤسس الحقيقي لها، ولد عام 1837م في الكويت، تولَّى الحكم في 17 / مايس / 1896م بعد أن قتل أخويه محمد وجراح، لقب بمبارك الكبير، ازدهرت الكويت في عهده تجاريًا، وشيَّد فيها أول المدارس النظامية والمستشفيات. توفي في 28/ نوفمبر/ 1915م. للمزيد يُنظر: براي، ن، مغامرات لجمن في العراق والجزيرة العربية، ترجمة وتعليق: سليم طه التكريتي، (بغداد، دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع، 1990م)، ص 42.
18. بحري، لؤي سكة حديد بغداد، ص 51-52.
19. م. ن، ص 52.
20. فوستر، هنري، نشأة العراق الحديث، 65-59/1.