عيد الغدير هو من أشرف الأعياد وأفضلها بسبب ربط الامَّة بالإمام، واتّحاد قلوبهم بالولاية، والورود في سلك السالكين، والسائرين على طريق المودّة والمحبّة والإيثار والإنفاق، والعقل والشعور، واتّساع النور الربّاني، والنفحات القدسيّة السبحانيّة، وارتباط الملك بالملكوت.
إن عيد الغدير هو يوم العبوديّة والتسليم أمام الحقّ، والخروج من فرعونيّة النفس الأمّارة، وإلقاء حبل ذلّ الرقِّيَّة للّه، والإقرار والاعتراف بمفردة خاصّة من مفردات عظمته، ووضع القدم في صراط الإيقان المستقيم، والخطو خطوة راسخة على طريق ترك الرسميّات، والتحلي بالحقّ والحقيقة والموضوعيّة خالصاً وتاركاً للرسميّات والخروج من زمرة البهائم، والالتحاق بصفّ البشر.
إن عيد الغدير هو إستجابة النبي الأكرم لنداء القدّوس السبّوح بحصر الولاية في القرآن الكريم في قوله: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ}، والإقرار القلبيّ بكلام نبيّه الأعظم: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، والتفيّؤ بأفياء دعائه: اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، والفرار من دعائه المدمِّر: وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، واستقبال قوله: وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واستدبار كلامه: واخْذلْ مَنْ خَذَلَهُ.
إن عيد الغدير هو النظر إلى الجمال الملكوتيّ لمولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام وهو على يدي النبيّ المعظّم بعد أن ارتقى المنبر المؤلّف من أحداج الإبل، تحت شجيرات السَّمرات في وادي الجُحْفَة في غدير خمّ، وهو عَرْضُ الولاية على كافّة الناس، ونزول الملكوت، والجبروت في عالم الملك هذا منادياً: يا أعداء عليّ! ويا خصوم أهل البيت الذين طالما آذيتم رسول الله بشكاواكم من عليّ! اعلموا: أنّ عليّاً لا يليق بشأنه أن يُؤذَى ويُشْكَى.
هو والى الولاية، وهو الطير الوحيد المحلّق في سماء العرفان، والملاك المقرّب في قصر العرفان. وهو أقرب منكم إلى نفوسكم، وأولى بها منكم. وهو سيّدكم وأميركم ورئيسكم وقائدكم تكويناً وتشريعاً! لقد عرض النبيّ عليّاً على الناس ليروه كلّهم، كما فعلت زليخا إذ عرضت يوسف على نساء مصر، وهي تقول لهنّ: أيّتها النسوة اللائي لُمنني في حبّ هذا الفتى، وقلن: أنتِ امرأة عزيز مصر، وملكة الوجاهة والجمال، أليس من الضياع أن تُفْتَنِي بهذا الفتى المجهول وهو عبدكِ وغلامكِ؟! ودعت زليخا نساء مصر، وأجلستهن في بيت له بابان، وآتت كلّ واحدةٍ منهنّ كبّادة وسكّيناً، وقالت لهنّ: سيأتي يوسف، ويعبر من هنا، ومن شروط الأدب التي ينبغي أن تراعينّها أنّه إذا أقبل ورأيتنّه، فلتقطع كلّ واحدة منكنّ قطعة معطّرة من هذا الكبّاد، وتجامله بها على سبيل الهديّة!
وأدخلت زليخا يوسف من أحد البابين، فعبر من أمام النسوة المصريّات، وخرج من الباب الآخر. وما إن وقعت عيونهنّ على ذلك الجمال الذي هو قبس من جمال الحقّ تعالى. وأردن أن يقطعن الكَبَّاد، ليجاملنه به، دُهِشْنَ وذُهِلْن فلم يميّزن بين اليد والكَبّاد، فقطّعن أيديهنّ مكان الكَبّاد، وسال الدم من غير أن يشعرن به.
ولمّا خرج يوسف، قالت زليخا للنسوة: ما بكنّ؟ ما خطبكنّ؟ ما دهاكنّ؟ ما لكنّ قد أدميتنّ أثوابكنّ البيضاء ولِمَ قطّعتنّ أيديكنَّ؟ ونظرن إلى أيديهنّ وأثوابهنّ وقلن: {حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}.[1]
وقالت زليخا: {فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}.[2] ذلك الفتى الذي هو عبدنا وغلامنا، وقد لمتنّني فيه! ورفع النبيّ عليّاً على يده ليراه جميع الناس، ويعلموا أنّه ذلك الفتى الذي كانوا يُسيئون القول فيه، وأنّ أضغانهم وأحقادهم البَدريَّة والحُنَيْنيَّة، وغيرها، لم تسمح لهم أن يخضعوا أمامه مسلّمين طائعين، فيقرّوا بابّهته وجلالته وشرفه ومنزلته العظيمة في شجاعته وعلمه وعرفانه وإيثاره، وحالاته الروحيّة، وجَذَباته السبحانيّة وغيرها، إذ كان حسدهم القديم المتأصل يحول دون تطويعهم أنفسهم لطاعته، وها هو يُعْرَض على يَدَي خاتم الأنبياء والمرسلين وسيّد وُلْدِ آدم، وشفيع الأنبياء الماضين والشاهد عليهم في عرصات القيامة. وقد انطوت نفسه على الإسلام والإيمان، ولا يقبل عمل إلّا باتّباعه، والاقتداء بنهجه وسنّته. وهو قسيم الجنّة والنار. وهو ميزان العدل والإنصاف. وهو مخزن الأسرار وكنز المعرفة. وهو الذي أولى بكلّ مؤمن من نفسه وأقرب إليه منها. وهو حامل القرآن. وهو الفرقان بين الحقّ والباطل. وهو المكلّف بالحرف على تأويل كتاب الله، كما كان النبيّ مكلّفاً بها على تنزيله. وهو صاحب اللواء لدفع وقمع الناكثين والقاسطين والمارقين. وهو الشهيد في محراب العبادة في بيت الله كما كان ميلاده في بيت الله.
إن عيد الغدير معرض لهذه التجلّيات، وبروز هذه الحقائق وإبرازها، وظهورها وإظهارها.
ومن هذا المنطلق اقتضت عناية الله أن يشتهر حديث الغدير في الآفاق، ويجري ذكره على ألسن الناس. ويصبح يوم الغدير موسماً مهمّاً ليكون حجّة قائمة لأتباع إمام الحقّ ومُقتَدَى الامّة. فلهذا كان الأئمّة الطاهرون عليهم السلام يواظبون على إحياء هذه الواقعة، والاحتجاج بها على المناوئين. وتأسّى بهم الأصحاب العظام الكرام، والتابعون ذوو العزّة والاحترام، وعلماء السَّلَف، خلفاً عن خلف، فأحيوها في المجالس والمحافل والاجتماعات من خلال ذكر الأشعار والقصائد النابضة على الرغم من مرور الدهور وكرور الأيّام، وأودعوها الأجيال القادمة غضّة طرّية.
[1] يقول: «لو رأيته واستطعت أن تميّز يدك من الكبّاد، لجاز لك أن تلوم زليخا».
[2] من الآية 31، من السورة 12: يوسف.