لما شاع ذكر العلّامة وعلومه ومقامه وتقدّم مدرسته العلميّة والمذهبيّة في الآفاق، افتضح المخالفون في الأطراف والأكناف وخذلوا، وكانوا يستنسخون كتبه في نسخ متعدّدة، ويدرّسونها الناس في المجالس والمحافل، ومن هذه الكتب: «منهاج الكرامة» الذي وقع بيد ابن تيميّة وعلى الرغم ممّا يكنّه هذا الرجل من حقد وحسد في قلبه بسبب بغض الخلفاء وفقدان منزلتهم في قلوب الناس. وبسبب علوّ شأن أهل البيت والأئمّة الطاهرين ورفع أسمائهم. فإنّه ألّف كتاب «منهاج السُّنَّة» في ردّ مذهب أهل البيت. ومعلوم أنّ كتاباً يكتب في دحض مذهب الحقّ، كيف يكون، وما هو الطابع الذي يتّسم به. {فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}.[1]
إنّه يعتبر الشيعة في كتابه من أتباع اليهود.[2] وخصّص الصفحات الثلاث الاولى من كتابه تقريباً لقياس عقائد الشيعة بعقائد اليهود. ولم يتورّع عن ذلك، ولم يتوان لحظة واحدة عن الافتراء عليهم وإلصاق التهم بهم، ولم يرعوِ عن السبّ والشتم والتفوّه بالكلمات البذيئة.
ثمّ يذكر العلّامة باسم الرافضيّ. وينقل عباراته وجمله من «منهاج الكرامة» واحدة تلو الاخرى، ويدحضها قائلًا: كذب. وبلغت به وقاحته حدّاً أنّه ينكر بيعة الغدير بصراحة ويقول: اختلقها الروافض. وهنا ينبغي أن نقول له أيّها الحَسُودُ العَنُود! ويستشهد بالقرآن وأحاديثه التي لا سند لها ولا دلالة على مراده، ويكتفي بقوله: لما كان السلف الصالح: الخلفاء الثلاثة مع رسول الله، وأعطوا من أموالهم، فلا يحقّ لنا أن نعترض عليهم أبداً. وهم كلّهم صلحاء وعدول، وهم سادة هذه الامّة.
إن نتيجة تكذيب الحقّ والحقيقة، والدوس على المسلّمات والضروريّات على أساس التعصّب الجاهليّ والحميّة الجاهليّة، تكذيب للّه ورسوله وولايته. وهنا تدل الآيات المباركة الآتية على معناها جيّداً: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ، أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ، ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُواً}.[3]
إن عقائد الوهّابيّة الذين يتمسّكون بالمذهب الحنبليّ مأخوذة من ابن تيميّة، وإنّ جميع البدع التي تشاهدونها هذا اليوم من جمود وتعنّت، وقسوة، وعدم مروءة، وعدم امتلاك العقل الصحيح، والمنطق التامّ، كلها من مدرسة ابن تيميّة.
إنّكم لا تستطيعون أن تناقشوا وهّابيّاً! لأنّه لا يدع مجالًا للنقاش. وما إن يتفوّه بشيء إلّا ويكفّر، ويلصق تهمة الشرك بمن هو بريء منها، ويقول: أنتم لستم مسلمين أساساً! أسلموا، حتّى نناقشكم، وبهذا الاسلوب حجبوا أذهان عوامّهم وألجموهم. يقولون: الإسلام هو الوهّابيّة فحسب. كونوا وهّابيّن، ثمّ نناقشكم! انظروا وتأملوا! كيف يصادرون الحقائق، ويعتبرون الدور الذي هو من المستحيلات ممكناً. أي: أنّ المنطق والنقاش والبحث، كلّ ذلك خطأ. ولا وجود إلّا للسوط. افٍّ لَكم!! يقولون: لما ذا تسجدون على التربة؟ لما ذا تقنتون في صلاتكم؟! لما ذا تقولون: حيّ على خير العمل في صلاتكم؟! ونحن نقول: لما ذا لا تسجدون أنتم على التربة؟ ولما ذا لا تقنتون؟! ولما ذا لا تقولون: حيّ على خير العمل؟! هذه مسائل فقهيَّة، وكلّ شخص تابع لكلّيّات مذهبه واصوله، فلما ذا تجعلون النزاع بيننا في هذه الامور؟ والخلاف قائم بين الفقهاء في المسائل الفقهيّة دائماً. وهو موجود بكثرة بين المذاهب السنّيّة الأربعة أيضاً. ونحن لا نقاش لنا في هذه الامور مبدئيّاً. وبعد ثبوت المذهب، كلّ امرئٍ يتبع الفقيه المتخصّص في مذهبه. وينبغي له طبيعيّاً أن ينتهج خطّه على أساس المبادئ المسلّمة الثابتة لذلك المذهب نفسه.
[1] الآيتان 32 و33، من السورة 10: يونس.
[2] عن كتاب «التذكرة» للشيخ نور الدين على بن عراق المصريّ أنّ تَقيّ الدين بن تيميّة الذي كان من جملة علماء السنّة معاصراً للشيخ جمال الدين العلّامة الحلّي، ومنكراً عليه في الخفاء كثيراً، كتب إليه العلّامة هذين البيتين:لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ مَا عَلِمَ الوَرَي***طُرَّاً لَصِرْتَ صَديقَ كُلِّ العَالِمِ لَكِنْ جَهِلْتَ فَقُلْتَ: إنَّ جَمِيعَ***مَنْ يَهْوَى خِلَافَ هَوَاكَ لَيْسَ بِعَالِمِ («روضات الجنّات» ج 2، ص 286).
[3] تعريبه: «لقد وجد العالم شرقه وغربه ذلك النور، وأنت في الحفرة فلن يشعّ عليك».