إنّ علماء السنّة الكبار نصّوا على كتاب ابن عقدة، وخطبة غدير خمّ فيه بطرق عديدة. ومن هؤلاء: الشيخ تقيّ الدين ابو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحَرَّانيّ الحنبليّ- الذي أثنى عليه الفاضل المعاصر في «مُنتَهَى الكَلَام»[1] وسمّاه: شيخ الإسلام، وتشبّث بإفاداته في مقابلة أهل الحقّ- في كتابه: «مِنْهاج السُّنَّة النَّبويَّة في رَدِّ كَلَامِ الشِّيعَة والقَدَريَّة» الذي ردّ عليه العلّامة الحلّيّ أحَلَّه اللهُ مَظَانَّ الكَرَامَةِ وَبَوّأهُ دَارَ السَّلامَةِ في كتابه «مِنْهَاجِ الكَرامَةِ». فإنّه قال فيه: وَقَدْ صَنَّفَ أبُو العَبَّاسِ ابْنُ عُقْدَة مُصَنَّفاً في جَمْعِ طُرُقِهِ.[2]
ومنهم: الشيخ محمّد بن محمّد بن عليّ أبو الفضل الكنانيّ العَسْقلانيّ المصريّ الشافعيّ المعروف بابن حَجَر الذي لا شكّ في جلالته وفضائله عند مترجمي أهل السنّة كالمقريزيّ، وشمس بن ناصر الدين الدمشقيّ في «تَوضيح المُشْتَبه»، وبدر الدين محمّد بن إبراهيم البستنكيّ القاهريّ في «طبقات الشُّعَراء» وغير هؤلاء، ... ويعتزّ الفاضل المعاصر في «مُنتَهَى الكلام» بتحقيقاته، ويرى أنّ تبحّره في علم الحديث الشريف مُسَلَّم الثبوت. يقول ابن حجر في «فتح الباري» وهو شرح لصحيح البخاريّ، وقد أصبح حكمه كحكم المتن المشروح، أعني، «صحيح البخاريّ» حسب إفادة المخاطب في «بستان المحدّثين» ولشهرته وكثرة النقل عنه والرجوع إليه. يقول في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام:
وَأمَّا حَدِيثُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ» فقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ؛ وهو حديث طرقه كثيرة جدّاً. وقد جمعها ابن عقدة في كتاب مستقلّ. وكثير من أسناد تلك الطرق صحيحة وحسنة- انتهي.[3]
وبعد ذلك تحدّث العلّامة مير حامد حسين بالتفصيل عن ابن عقدة والكبار والأعاظم الذين نقلوا عنه، وذكر كتب التراجم والرجال، التي أثنت على اولئك الأعاظم، ثمّ قال: «وقد ذكر مُحمّد بن جَرير الطبريّ صاحب التاريخ، خبرَ يوم الغدير وطرقه في خمسة وسبعين طريقاً. وأفرد له كتاباً سمّاه «كتاب الوَلَاية». كما أنّ صاحب «العُمْدَة» طاب ثراه ذكر هذا الموضوع بنفس العبارات التي نقلناها. ويقول بعد نقل ما أوردناه عن كتاب «الإقبال» للسيّد ابن طاووس حول كتاب الطبريّ: وقال في «الطرائف»: وقد روى حديث يوم الغدير محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التاريخ من خمس وسبعين طريقاً، وأفرد له كتاباً سمّاه: «كتاب الولاية»؛ ورأيت في بعض ما صنّفه الطبريّ في صحّة خبر يوم الغدير أنّ اسم الكتاب «الردّ على الحُرْقُوصِيَّة» يعني: الحنبليّة، لأنّ أحمد بن حنبل من ولد حُرقُوص بن زُهَير الخارجيّ. وقيل: إنّما سمّاه الطبريّ بهذا الاسم لأنّ البربهاريّ الحنبليّ تعرّض للطعن في شيء ممّا يتعلّق بخبر الغدير.
واعترف العلّامة شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركمانيّ الدمشقيّ الذهبيّ بتأليف الطبريّ كتاباً مستقلًا في طرق حديث الغدير. وقد قصم ظهر المنكرين النُّصَّاب بوقوفه على ذلك الكتاب ودهشته لكثرة طرق الحديث؛ كما قال محمّد بن إسماعيل في «الروضة النَّدِيّة» وهي شرح على «التُّحْفَة العَلَويّة»: قال الحافظ الذهبيّ في «تذكرة الحُفَّاظ» في ترجمة: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ: ألّف محمّد بن جرير الطبريّ في هذا الموضوع كتاباً، وقفتُ عليه فاندهشت لكثرة طرقه.
وقال إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن كثير الشافعيّ الذي ستسمع نبذه من فضائله ومحامده ومناقبه ومفاخره فيما بعد إن شاء الله تعالى، قال في تأريخه عند ذكر محمّد بن جَرير الطبريّ- على ما نُقِل-: وقد رأيت كتاباً جمع فيه [الطبريّ] أحاديث غدير خمّ في مجلّدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير.[4]
وبعد ذكره شرحاً مفصّلًا عن الطبريّ وشهرته وإلمامه وأسماء الذين عظّموه وأثنوا عليه، قال: وصنّف المحدّث الشهير: أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحَسْكانيّ كتاباً أثبت فيه حديث الغدير وجمع طرقه، وقال بعد نقل ما أوردناه عن «الإقبال» للسيّد ابن طاووس: وقال في «الطرائف في معرفة مذاهب الطَّوائف»: وصنّف الحاكم عُبَيد الله بن عَبد الله الحَسكانيّ كتاباً في حديث يوم الغدير سمّاه: «كتاب دعاة الهُداة إلى أداء حقِّ الموالاة» وهو اثنا عشر مجلّداً.
ولا يخفى أنّ أبا القاسم الحَسْكَانيّ من أجلّه العلماء المتقنين، وعمدة الكاملين المحدّثين وأثبات النحارير الممدوحين وثقات الجهابذة المعتمدين؛ يقول جلال الدين السيوطيّ في «طبقات الحفّاظ»: الحَسْكَانِيّ القاضِي المُحَدّثُ عُبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمّد بن حَسكان القرشيّ العامريّ النيسابوريّ، ويعرف بابن الحَذّاءِ، شيخٌ مُتْقِنٌ ذُو عِنَايَةٍ تَامَّةٍ بِعِلْمِ الحَدِيث، عُمِّرَ وَعَلَا إسْنَادُهُ؛ وَصَنَّفَ في الأبْوَابِ وَجَمَعَ؛ حَدَّثَ عَنْ جَدِّهِ: الحَاكِمِ وَأبِي طَاهِرِ بن محمش؛ وَتَفَقَّه بالقاضي أبي العُلَا صَاعِدٍ؛ أمْلي مَجْلِساً صَحَّحَ فِيهِ رَدَّ الشَّمْسِ لِعَليّ، وَهُوَ يَدُلُّ خُبْرَتِهِ بِالحَدِيثِ، وَتَشَيَّعَ، مَاتَ بَعْدَ أرْبَعمِائةٍ وَسَبْعِينَ.
نلاحظ أنّ هذا الكلام يشعّ بالمآثر الجميلة للحسكانيّ، إذ إنّ الواضح فيه هو أنّ الحَسْكَانيّ كان شيخاً متقناً، وله عناية تامّة بعلم الحديث. عمّر طويلًا، وإسناده رفيع. عكف على التصنيف في أبواب الحديث المتنوّعة وجمع الروايات. حدّث عن جدّه الحاكم النيسابوريّ، وأبي طاهر بن محمش. تفقّه على القاضيّ أبي العلا صاعد، وأملي مجلساً صحّح فيه ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك يدلّ على خبرته في الحديث.
ويستبين لنا من هذا الكلام جلالة الحَسْكانيّ ونُبله ومهارته ونباهته وغاية فضله وكماله وحذاقته. وأمّا دلالة تصحيحه حديث ردّ الشمس على تشيّعه، فلا ضير في ذلك، ذلك أنك علمت آنفاً أنّ التشيّع، حسب تصريح العلّامة ابن حَجَر العَسْقلانيّ، هو: حبّ أمير المؤمنين عليه السلام وتقديمه على الصحابة وتِلكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا.[5]
وبعد أن خصّص فصلًا للثناء على الحاكم الحَسْكانيّ، ينتقل إلى السِّجِستانيّ فيقول عنه: وصنّف أبو سعيد مسعود بن ناصر السَّنجَريّ السِّجِستانيّ كتاباً مفرداً في طرق حديث الغدير سمّاه: «كِتابِ دِرَايَةِ حدِيثِ الوَلَاية» في سبعة عشر جزءاً وعدد أسانيده ألف وثلاثمائة سند.
وقال بعد نقل ما ذكرناه عن «الإقبال» للسيّد ابن طاووس حول كتابه: يتبيّن من هذا أنّ السجستانيّ صنّف كتاباً خاصّاً في ضبط طرق حديث الغدير، وهو سبعة عشر جزءاً، سمّاه: «دِرَايَة حَديثِ الوَلَاية». روي فيه هذا الحديث الشريف عن مائة وعشرين صحابيّاً. وقال في «الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف»: قد وقفت على كتاب صنّفه أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستانيّ؛ سمّاه كتاب «دراية حديث الولاية». وهو سبعة عشر جزءاً. ما وقفت على مثله؛ وهذا مسعود بن ناصر من أوثق رجال المذاهب الأربعة. وقد كشف عن حديث يوم الغدير ونصّ رسول الله على عليّ بن أبي طالب بالخلافة بعده. رواه عن مائة وعشرين من الصحابة، بينهم ستّ نساء، ومن عرف ما تضمّنه كتاب «دِراية حَديثِ الوَلَاية»، ما يشكّ في أنّ الذين تقدّموا على عليّ بن أبي طالب عاندوا ومالوا إلى طلب الرئاسة، وعدد أسانيد كتاب «دِراية الوَلَاية» ألف وثلاثمائة سند.
وتدلّ هذه العبارة على أنّ السجستانيّ صنّف كتاباً في جمع طرق حديث الغدير، رواه عن مائة وعشرين صحابيّاً، وعدد أسانيده ألف وثلاثمائة سند. ولا يخفى أنّ مسعود السجستانيّ هو من أجلّة الحفّاظ، وأعاظم المحدّثين، وأكابر المعتمدين والمشايخ المعتبرين وسُبّاق الموثّقين، والحُفَّاظ المتقنين لأهل السنّة.
وقال عبد الكريم السَّمْعانيّ في «الأنساب»: أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السَّنْجريّ الرِّكاب، كان حافظاً متقناً فاضلًا. رحل إلى خراسان والجبال والعراقين والحجاز، وأكثر من الحديث وجمع الجمع، روى لنا عنه جماعة كثيرة بمرو ونيسابور وإصبهان، وتوفّى سنة سبعة وسبعين وأربعمائة.[6]
وقال بعد ترجمته للسجستانيّ: شمس الدين ابن أبي عبد الله محمّد بن أحمد الذهبيّ الذي زيّن مشايخ المحقّقين والعلماء المعتمدين كتبهم بفضائله الجليلة ووشّوها بها. صنّف أيضاً كتاباً مفرداً في طرق حديث الغدير، وصرّح بأنّ له طرقاً جيّدة.
وجاء في كتاب «مِفْتاح كَنْز دِرَايَةِ رِوَايَةِ المَجْمُوع مِنْ دُرَرِ المُجَلَّدِ المَسْمُوع» ما نصّه: قال الخطيب البغداديّ: «كان الحاكم ثقة وكان يميل إلى التشيّع. جمع أحاديث وزعم أنها صحاح على شرط البخاريّ، ومسلم، منها: حديث الطير، وحديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعلى مَوْلَاهُ، فأنكره عليه أصحاب الحديث ولم يلتفتوا إلى قوله».
قال الحافظ الذهبيّ: «و لا ريب أنّ في «المستدرك» أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحّة، بل فيه أحاديث موضوعة، يليق بـ«المستدرك» إخراجها منه. وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّاً، قد أفردتها بمصنّف بمجموعها يوجب أنّ الحديث له أصل. وأمّا حديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ فله طرق جيّدة، وقد أفردت ذلك أيضاً».
إلى أن قال: «ذكر الخطيب البغداديّ عن الحاكم أنه كان ثقة، وكان يميل إلى التشيّع. وقال بعض العلماء بالنسبة إلى تشيّعه إنّه كان يقول بتفضيل عليّ على عثمان، وهو مذهب جماعة من الأسلاف، والله أعلم».
وقال: «والأهمّ من ذلك كلّه أنّ بعض العلماء صنّف في جمع طرق حديث الغدير ثمانية وعشرين مجلّداً أو أكثر».
وقال محمّد بن عليّ بن شَهْرآشوب المازندرانيّ الذي أثنى عليه صلاح الدين خليل بن بيك الصفديّ في «الوافي بالوفيّات»، والشيخ مجد الدين أبو طاهر محمّد بن يعقوب الفيروزآباديّ في كتاب «البُلْغَة في تَرَاجِمِ أئِمَّةِ النَّحْوِ وَاللُّغَه»، وجلال الدين عبد الرّحمن بن أبي بكر السيوطيّ في «بُغْيَةُ الوَعَاةِ في طَبَقاتِ النُّحاة» ومجّده هؤلاء بالمدائح العظيمة والمناقب الفخيمة والمحاسن الجليلة والأوصاف الجميلة، وصرّح الصفديّ أنه كان صَدوق اللَّهْجَة. قال في كتاب «المناقب» بناءً على نقل حسين بن خير[7] في كتاب «نُخَب المَناقِبِ لآلِ أبي طَالِبٍ»: قال جدّي شهرآشوب: «سمعت أبا المعالى الجوينيّ يتعجّب ويقول: شاهدت مجلّداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر الغدير مكتوباً عليه: المجلّد الثامن والعشرون من طرق قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ويتلوه المجلّد التاسع والعشرون».
ونقل ابن كثير الشاميّ عن أبي المعالى الجوينيّ في تأريخه، قال: «إنَّهُ كَانَ يَتَعَجَّبُ وَيَقُولُ: شَاهَدْتُ مُجَلَّداً بِبَغْدَادَ في يَدِ صَحَّافٍ فِيهِ رِوَايَاتُ هَذَا الخَبَرِ مَكْتُوباً عَلَيْهِ المُجَلَّدَةُ الثَّامِنةُ وَالعِشْرُونَ مِنْ طُرُقِ «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ»؛ وَيَتْلُوهُ المُجَلَّدُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ.[8]
ماذا تعني هذه الزيادة في التواتر والاستفاضة، إذ صُنِّف ثمانية وعشرون مجلّداً أو أكثر في نقل طرق هذا الحديث؟ وأيّ حديث عند أهل الإسلام أكثر تواتراً من هذا الحديث الذي رواه ما يربو على مائة صحابي، وأكثر أسانيده صِحَاح وحِسَان، وصنّف الأعلام من أهل السنّة كتباً في جمع طرقه، حتّى أنّ بعضهم كتب في طرقه ثمانية وعشرين مجلّداً أو أكثر؟[9]
[1] كتاب «مُنتهي الكلام» صنّفه مولويّ حيدر بن شيخ محمّد حسن فيضآبادي، و كان تصنيفه بعد تصنيف «التحفة الاثنا عشريّة».
[2] «العبقات» جزء الغدير، ص 10، 11.
[3] «العبقات» جزء الغدير، ص 10 و 11.
[4] «العبقات» جزء الغدير، ص 34 و 35.
[5] «العبقات»، جزء الغدير، ص 37.
الشَّكاة موضع العيب و الذمّ؛ أي أنه ليس بعارٍ بل هو ما يُفتخر به.(م)
[6] «العبقات» جزء الغدير، ص 41.
[7] جاء في «الذريعة»: حسين بن جبير.
[8] هذه الحكاية نقلها الشيخ سليمان الحنفيّ القندوزيّ في «ينابيع المودّة» ص 36 عن الجوينيّ؛ و نقلها العلّامة الأمينيّ في ج 1 من «الغدير» ص 158 عن القندوزيّ في ينابيعه؛ و جاءت في «غاية المرام» ج 1، ص 103 نقلًا عن ابن شهرآشوب، عن جدّه شهرآشوب، عن الجوينيّ.
[9] «العبقات» جزء الغدير، ص 42 و 43.