اختلفت النهضة في فرنسا عنها في إيطاليا بسبب الخلاف بين العقلية الإيطالية والعقلية الفرنسية فيما يتعلق بالقديم. ففي حين أحيت العقلية الإيطالية القديم في صورة مطابقة للأصل، أي أنها قلدت القديم واستسلمت دون تحفظ إلى المخلفات الكلاسيكية وإخراجها بدقة وأمانة، فقد احتفظت العقلية الفرنسية باستقلالها إزاء القديم، فقد اقتبست منه ما راقها، وطعمته بخصائصها الذاتية، فجاء إنتاجها الأدبي والفني مخالفا لإنتاج إيطاليا الذي كان لحد كبير صورة مطابقة للقديم. ويتمثل ذلك في انتاج فرنسا في النحت والبناء وفي الأدب.
وكانت الحضارة الكلاسيكية مزدهرة دائما في فرنسا في العصور الوسطى المتأخرة، حيث انتشر فيها الاهتمام بالأدب اللاتيني أكثر من أي بلد آخر في أوروبا. على أن الحركة الثقافية مع إنجلترا، وبسبب ما أعقب هذه توقفت بسبب حروب المائة سنة الحروب من صراع داخلي بين الملك لويس الحادي عشر والبلاد الإقطاعية، وهو الصراع الذي انتهى بهزيمة النبلاء وضم برجاندي Burgundy وبيكاردي Picardy ومين Maine وأنجو Anjou وبريتاني Brittany إلى التاج الفرنسي.
وعلى هذا النحو فبينما ازدهرت النهضة في إيطاليا في النصف الأول من القرن الخامس عشر كانت فرنسا تعاني من توقف نموها الثقافي، ولكن بعد أن بدأ الاتصال بين فرنسا وإيطاليا بغزو شارل الثامن لإيطاليا سنة 1494م أخذت عناصر النهضة الإيطالية تتسرب إلى فرنسا.
ولكنها لم تبدأ فجأة عقب الغزو الفرنسي، وإنما بدأت معالمها منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر. ففي سنة 1458م عين جريجوری تیفرناس Tiferas مدرسا لليونانية في جامعة باريس كما حاضر جون لاسكاريس John Lascaris في اليونانية في باريس كذلك حاضر جيروم اليانديز Jerome Alander في اليونانية واللاتينية والعبرية في باريس منذ سنة 1508م وأصبح مديرا لجامعة باريس.
ولكن هذه المحاولات المتفرقة كانت ضعيفة، فظلت الدراسة المدرسية هي المسيطرة في الجامعات الفرنسية وجامعة باريس بالذات، ولم يكن إلا حوالي منتصف القرن السادس عشر حينما استقرت الدراسات الكلاسيكية تماما في باريس.
فقد نشأت حركة واسعة لنشر الكتب اليونانية، كما شجع الملوك الفرنسيون انتشار الدراسات الانسانية ببناء الكليات والأكاديميات.
فقد أنشأ فرانسوا الأول فى سنة 1530م الكلية الملكية في باريس (الكوليج دى فرانس) Le College de France خارج نطاق جامعتها، وذلك لتشجيع هذه الدراسات.
وقد كان الفضل الأكبر فى انتشار الكلاسيكيات في فرنسا إلى جيوم بوديه Guillaum Bude (6 - 1540م) الذي تلقى العلم على يد لاسكاريس وألياندر. وكان هو الذي حث وشجع فرانسوا الأول على تنفيذ فكرته في انشاء الكوليج دي فرانس.
كما كان من أعلام النهضة الفرنسية «رابليه» Rabelais (1495 - 1553م) الذي اشتهر برواياته الفكاهية، وقد أشرنا إليه. وقد كتب بالفرنسية ونقد بشدة الحياة الاجتماعية والعلمية والسياسية السائدة في عصره. كما نقد رجال الكنيسة والرهبان والتفكير الديني عموما وطرق التربية وحالة القضاء. ولما كان من الإنسانيين فقد وضع نظاما للتربية على الأسس التي يرضى عنها الإنسانيون. فقام هذا البرنامج على تعليم اللغات اليونانية واللاتينية والعبرية، وعلم النفس والقانون والفلك والطب وظواهر الطبيعة وقوانينها، وتربية الأجسام.
ويعتبر مونتاني Montaigne أيضا من أعلام النهضة، وفيليب دی کومین Philippe de Commines الذي ترك مذكرات تاريخية قيمة عن عهدي لويس الحادي عشر وشارل الثامن. كذلك تفوق العلماء الفرنسيون في دراسة القانون الروماني القديم. وفي مقدمة فقهائهم جاك كوجاز Jacques Coast (1522 – 1590م).
أما عن الفنون، فلم يبلغ التصوير مبلغه الذي وصل إليه في إيطاليا، حتى إن الملك فرانسوا الأول اضطر إلى استدعاء مصورين أو رسامين إيطاليين لتزيين قصره في فونتين بلو Fontainebleu. وفي الحقيقة أن النهضة الحقيقية تمثلت في النحت والعمارة. غير أن ذلك الفن لم يظهر في الكنائس كما حدث في إيطاليا، بل ظهر في الأماكن العامة وفى القصور. وبلغت نهضة فرنسا في هذا الفن أعلى درجاتها في النصف الثاني من القرن السادس عشر.
ومن أهم الأعمال التي ظهرت في هذا الميدان، بناء قصر اللوفر الذي بدأ في عهد فرانسوا الأول ولم يتم إلا في عهد لويس الرابع عشر. وقد ظهرت أهم أعمال النحت في تزيين قصر اللوفر وخصوصا في التماثيل التي زينت واجهته.