+ يجب التوبة من جميع الذنوب والعزم على ترك العود أبدا، قال اللّه سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [التحريم: 8]، وورد عنهم عليهم السّلام تفسير التوبة النصوح بالتوبة عن الذنب على وجه لا يعود فيه أبدًا [1]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]. وورد عنهم عليهم السّلام أنّ من أحبّه اللّه لم يعذّبه وقال تعالى: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7]، وقال سبحانه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]، وقال جلّ ذكره: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور: 31]، وورد عنهم أنّ اللّه تبارك وتعالى أشدّ فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلته الضائعة حين وجدها [2]، وورد أنّ العبد إذا تاب للّه توبة نصوحا أحّبه [3] اللّه فستر عليه في الدّنيا والآخرة. وفسّره عليه السّلام بأنّه تعالى ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه [4]، ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى اللّه حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب [5].
ثم إنّ الأخبار قد تضمّنت لقبول التوبة شرائط:
أحدها: الإيمان:
فقد قال الصادق عليه السّلام: إنّه لا خير في الدنيا إلّا لرجلين: رجل يزداد في كلّ يوم إحسانا، ورجل يتدارك ذنبه بالتوبة، وأنّى له بالتوبة؟! واللّه لو سجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل اللّه منه إلّا بولايتنا أهل البيت عليهم السّلام [6].
ثانيها: الندم على ما مضى:
جعله أمير المؤمنين عليه السّلام في نهج البلاغة ممّا يتحقّق به التوبة، وظاهر أدعية الصحيفة أنّه هو التوبة، حيث قال عليه السّلام في دعاء التوبة: «إلهي إن كان الندم من الذنب توبة فإنّي وعزتّك من النادمين» وقال في المناجاة الأولى من الأدعية الخمسة عشر: «إلهي إن كان الندم توبة إليك فأنا أندم النادمين». ويساعده جملة من الأخبار، مثل ما رواه مولانا الصادق عليه السّلام من وحي اللّه إلى داود عليه السّلام: يا داود، إنّ عبدي المؤمن إذا أذنب ذنبا ثم رجع وتاب من ذلك الذنب ويستحي منّي عند ذكره غفرت له، وأنسيته الحفظة، وأبدلته الحسنة [7]، [8].
ومن ألفاظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المنقولة: إنّ الندامة توبة [9].
وفي كلمات أهل البيت عليهم السّلام: كفى بالندم توبة [10]، وانّ الرجل ليذنب الذنب فيدخله اللّه به الجنّة، قلت: يدخله اللّه بالذنب الجنة؟! قال: نعم، إنّه يذنب فلا يزال خائفا ماقتا لنفسه، فيرحمه اللّه فيدخله الجنّة [11].
ثالثها: العزم على عدم العود إليه أبدًا:
عدّه أمير المؤمنين عليه السّلام من شرائط التوبة [12]، وقال عليه السّلام في خبر آخر ما معناه: انّه لا يكفي الاستغفار لفظا، بل يعتبر تصديق القلب وإضمار ألّا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه [13]، وقال أبو جعفر عليه السّلام: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ [14].
فالعزم على عدم العود معتبر في تحقّق التوبة. نعم، لا يعتبر وثوقه بحصول مراده، ولا يكون عوده كاشفا عن فساد التوبة، كما كشف عن ذلك أخبارهم عليهم السّلام، ففي الصحيح عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام انّه قال لابن مسلم: يا محمد! ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، اما إنّها ليست إلّا لأهل الإيمان، قال محمد بن مسلم: قلت: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة؟ فقال: يا محمد ابن مسلم! أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل اللّه توبته؟! قال: قلت: فإنّه فعل ذلك مرارًا، يذنب ثم يتوب ويستغفر، فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد اللّه عليه بالمغفرة، وانّ اللّه توّاب رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، وإيّاك أن تقنّط المؤمنين من رحمة اللّه [15]. ومثله أو أصرح منه ما روي من أنّه قال رجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: إنّي أذنب فما أقول إذا تبت؟ قال: أستغفر اللّه، فقال إنّي أتوب ثم أعود، فقال: كلّما أذنبت استغفر اللّه، فقال: إذن تكثر ذنوبي! فقال: عفو اللّه أكثر، فلا تزال تتوب حتّى يكون الشيطان هو المدحور [16].
رابعها: أن يؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم:
حتّى يلقى اللّه عزّ وجلّ أملس ليس عليه تبعة، عدّه أمير المؤمنين عليه السّلام من شروط التوبة [17]، ويساعده قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: من اقتطع مال مؤمن غضبا [18] بغير حلّه لم يزل معرضا عنه ماقتا لأعماله الّتي يعملها من البرّ والخير لا يثبتها في حسناته حتّى [يتوب] ويردّ المال الذي أخذه إلى صاحبه [19].
خامسها: أن يعمد إلى كلّ فريضة عليه ضيّعها فيؤدّي حقّها:
عدّه أمير المؤمنين عليه السّلام من الشروط [20].
سادسها: أن يعمد إلى اللّحم الذي نبت على السحت فيذيبه بالأحزان حتّى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد:
عدّه أمير المؤمنين عليه السّلام من الشروط [21].
سابعها: أن يذيق الجسم ألم الطاعة كما أذاقه حلاوة المعصية:
عدّه أمير المؤمنين عليه السّلام من الشرائط [22].
ثامنها: الاستغفار:
فقد ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: انّ لكلّ داء دواء، ودواء الذنوب الاستغفار[23]، وعنه صلّى اللّه عليه وآله: طوبى لمن وجد في صحيفة عمله يوم القيامة تحت كلّ ذنب أستغفر اللّه [24]، وقال صلّى اللّه عليه وآله: ما أصرّ من استغفر[25]، وقال أمير المؤمنين عليه السّلام: العجب ممّن يقنط ومعه الممحاة، قيل: وما الممحاة؟ قال: الاستغفار [26]، وعن الصادق عليه السّلام انّه: ما من مؤمن يقترف في يوم وليلة أربعين كبيرة فيقول وهو نادم: أستغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام، وأسأله [ان يصلّي على محمد و آل محمد، و] أن يتوب عليّ. إلا غفرها اللّه له، ثم قال عليه السّلام: ولا خير فيمن يقارف كلّ يوم وليلة أربعين كبيرة [27].
ولا يخفى عليك أنّ التوبة الجامعة للأمور الثمانية المزبورة إنّما هي التوبة التامّة المستتبعة للعدالة واللّحوق بدرجة الصالحين وكمّل المؤمنين، والا فلا يعتبر في الخروج عن الذنب الذي ليس إلا حقّا إلهيّا كالصلاة أداء حقوق المخلوقين ولا أداء كلّ فريضة ضيّعها؛ لإطلاق الأخبار المتواترة الناطقة بمحو كلّ ذنب بالتوبة منها.
نعم، لا تتحقّق التوبة من الذنب الراجع إلى حقّ مخلوق إلا بالخروج من ذلك الحقّ، ولا من الذنب الراجع إلى الخالق خاصّة إلّا بالخروج من ذلك الحقّ.
ثمّ إنّ ظاهر جملة من الآيات والروايات مغايرة التوبة للاستغفار، ففي غير موضع من سورة هود عليه السّلام: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90]. وقد عدّهما جندين من جنود العقل في الحديث المشهور في تعداد جنود العقل والجهل المروي في أصول الكافي حيث قال عليه السّلام: التوبة وضدها الإصرار، والاستغفار وضده الاغترار [28]، وقال سيد العابدين عليه السّلام في المناجاة الأولى من الأدعية الخمسة عشر: «إلهي إن كان الندم من الذنب توبة إليك فأنا أندم النادمين، وإن يكن الاستغفار حطّة للذنوب فإنّي لك من المستغفرين». ويؤيد ذلك ظاهر العطف في الاستغفار المشهور المكرّر في الأدعية والألسنة: أستغفر اللّه ربّي وأتوب إليه. وربّما يظهر من أخبار أُخَر الإتّحاد، حيث نطقت بأنّ دواء الذنوب الاستغفار [29]، وانّ التائب من الذنب يغفر له [30]، وانّه كمن لا ذنب له [31].
والذي يقتضيه التدبّر في الأخبار أنّ التوبة تحصل بالندم والعزم على عدم العود، وان الاستغفار مكمّل لذلك، وقد يحتمل حمل التوبة المعطوفة على الاستغفار على الإنابة - أعني التوجّه - إلى اللّه بعد طلب العفو عمّا سلف، وهذا متأخّر عن التوبة إليه يطلب العفو الذي هو أيضًا توجّه إلى اللّه سبحانه، لكونه رجوعا من طريق البطلان، وعود إلى سلوك الطريق المستقيم الموصل إلى جناب الحقّ سبحانه، فهي كلّها توجّهات وإقبالات إلى الحقّ يمكن إطلاق التوبة التي هي لغة الرجوع على كلّ منها، وقد يطلق على المجموع اسم الاستغفار، كما في نهج البلاغة [32] حيث أنّ قائلاً قال بحضرته عليه السّلام: أستغفر اللّه، فقال: ثكلتك أمّك أتدري ما الاستغفار؟! الاستغفار درجة العلّيّين، وهو اسم واقع على ستّة معان: أوّلها الندم... ثم عدّ الخمسة التي بعده من الشروط المزبورة، ثم قال: فعند ذلك تقول: أستغفر اللّه.
+ ينبغي تذكّر الذنب والاستغفار منه، والتحرّز من نسيانه؛ لأنّ الشيطان همّه إنساء العبد الاستغفار، فقد روي انّه لما نزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] صعد ابليس جبلا بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقال عفريت من الشياطين: أنا لها بكذا وكذا، فقال: لست لها، ثم قام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها، فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها، قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأمنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة [33]، وورد أنّ المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتّى يستغفر ربّه فيغفر له، وانّ الكافر لينساه من ساعته [34]، وورد أنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار [35]، وأنّ اللّه يخصّ أولياءه المصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب [36]، وانّ العبد يذنب الذنب فيملي له ويجدّد له عندها النعم فتلهيه عن الاستغفار، فهو مستدرج من حيث لا يعلم [37].
+ يستحب صوم الأربعاء والخميس والجمعة للتوبة، وبه فسّر التوبة النصوح في بعض الأخبار [38]، ويستحب الغسل للتوبة، وكذا صلاة ركعتين [39].
وقد ورد أنّه ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتطهّر وصلّى ركعتين واستغفر اللّه إلّا غفر له وكان حقّا على اللّه أن يقبله؛ لأنّ اللّه سبحانه قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] [40].
+ يستحب تكرار التوبة والاستغفار كل يوم وليلة ولو من غير ذنب، وتجب مع الذنب. وقد ورد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يتوب إلى اللّه في كلّ يوم سبعين مرّة من غير ذنب [41]، وفي خبر آخر مائة مرة [42]، وأنّ من قال: أستغفر اللّه مائة مرة في يوم، غفر اللّه له سبعمائة ذنب، ولا خير في عبد يذنب في يوم سبعمائة ذنب[43]. ويتأكّد استحباب الاستغفار بالأسحار، لقوله سبحانه: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقد ورد أنّ اللّه جلّ جلاله إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي وفيها ثلاثة نفر ناداهم جلّ جلاله: يا أهل معصيتي، لولا من فيكم من المؤمنين المتحابّين بجلالي، العامرين بصلواتهم أرضي ومساجدي، والمستغفرين بالأسحار خوفًا منّي، لأنزلت بكم عذابي ثمّ لا أبالي [44].
+ تصحّ التوبة في آخر العمر ولو عند بلوغ النفس الحلقوم قبل أن يعاين أمر الآخرة؛ لما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله من أنّ من تاب قبل موته بسنة قبل اللّه توبته، ثم قال صلّى اللّه عليه وآله: إنّ السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل اللّه توبته، ثم قال صلّى اللّه عليه وآله: إنّ الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل اللّه توبته، ثم قال صلّى اللّه عليه وآله: وانّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل اللّه توبته، ثم قال صلّى اللّه عليه وآله: إنّ يومًا لكثير، من تاب قبل أن يعاين قبل اللّه توبته [45] . وفي خبر آخر بعد قوله: إنّ يوما لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب اللّه عليه، ثم قال صلّى اللّه عليه وآله: وإنّ ساعة لكثير، من تاب وقد بلغت نفسه هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - تاب اللّه عليه [46]. وقد استفاضت الأخبار بقبول التوبة إلى أن تبلغ النفس الحلقوم. وسُئل الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عز وجل: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] فقال عليه السّلام: ذاك إذا عاين أمر الآخرة [47].
+ ينبغي محاسبة النفس كل يوم وملاحظتها، وحمد اللّه على الحسنات، وتدارك السيّئات؛ لما ورد عنهم عليهم السّلام من أنّه ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسنا استزاد اللّه، وان عمل سيّئا استغفر اللّه منه وتاب إليه [48]، وأنّه إذا أراد أحدكم أن لا يسأل اللّه شيئا إلّا أعطاه، فلييأس من النّاس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من عند اللّه جلّ ذكره، فإذا علم اللّه جلّ وعزّ ذلك من قلبه لم يسأل اللّه شيئا إلّا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإنّ للقيامة خمسين موقفا، كلّ موقف مقدار ألف سنة [49].
وعلى العاقل - ما لم يكن مغلوبا - أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكّر فيها صنع اللّه إليه، وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال، فإنّ هذه الساعة عون لتلك الساعات واستجمام للقلوب وتفريغ لها. الحديث[50].
وانّه لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمن حلال أو من حرام، من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال اللّه من أين أدخله اللّه النّار [51] بل ينبغي المحاسبة في كلّ يوم مرّة وفي كلّ ليلة مرّة. وقد ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله انّه قال: لذكر اللّه بالغدوّ والآصال خير من حطم السيوف في سبيل اللّه عزّ وجلّ ـ يعني من ذكر اللّه بالغدوّ، وتذكّر ما كان منه في ليله من سوء عمله، واستغفر اللّه وتاب إليه انتشر وقد حطّت سيّئاته وغفرت ذنوبه، ومن ذكر اللّه بالآصال - وهي العشيّات - وراجع نفسه فيما كان منه يومه ذلك من سرفه على نفسه وإضاعته لأمر ربّه، فذكر اللّه واستغفر اللّه تعالى وأناب راح إلى أهله وقد غفرت له ذنوبه [52].
+ يلزم زيادة التحفّظ عند زيادة العمر، خصوصا لمن بلغ الأربعين؛ لما ورد عنهم عليهم السّلام من أنّه: إذا أتت على الرجل أربعون سنة قيل له: خذ حذرك، فإنّك غير معذور [53]، وانّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة، فإذا بلغ أربعين سنة أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى ملكيه: قد عمّرت عبدي هذا فغلّظا وشدّدا وتحفّظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره، وصغيره وكبيره [54]، وانّه ينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النزع [55].
+ يلزم من عمل سيّئة - والعياذ باللّه سبحانه - أن يعمل حسنة تمحوها، وقد ورد أنّه ما أحسن الحسنات بعد السيّئات، وما أقبح السيئات بعد الحسنات [56]، وعن علي بن الحسين عليهما السّلام انّه كان يقول: ويل لمن غلبت آحاده أعشاره، وسئل عليه السّلام عن تفسيره فقال عليه السّلام: أما سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] فالحسنة الواحدة إذا عملها كتبت له عشرا، والسيّئة الواحدة إذا عملها كتبت له واحدة، فنعوذ باللّه ممّن يرتكب في يوم واحد عشر سيّئات ولا تكون له حسنة واحدة، فتغلب حسناته سيّئاته [57] .
+ يلزم الحذر من عرض العمل على اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام؛ فقد روي مستفيضا أنّ أعمال العباد تعرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلى الأئمّة عليهم أفضل الصلاة والتحيات كلّ يوم، أبرارها وفجّارها، فاحذروا! وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] فالمراد بالمؤمنين هم الأئمّة عليهم السّلام [58].
وقال مولانا أبو عبد اللّه الصّادق عليه السّلام: ما لكم تسوؤون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله؟! قيل: وكيف نسوؤه قال: أما تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسرّوه [59].
وروي عن عبد اللّه بن الزيّات - وكان مكينا عند الرّضا عليه السّلام- قال: قلت للرضا عليه السّلام: ادعُ اللّه لي ولأهل بيتي، فقال: أو لست أفعل؟ واللّه إنّ أعمالكم لتعرض عليّ في كلّ يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك! فقال عليه السّلام لي: أما تقرأ كتاب اللّه عزّ وجلّ {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...} قال: هو واللّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام [60].
وعن داود بن كثير الرقّي قال: كنت جالسا عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ قال مبتدئا من قبل نفسه: يا داود! لقد عرضت عليّ أعمالكم يوم الخميس، فرأيت فيما عرض عليّ من عملك صلتك لابن عمّك فلان، فسرّني ذلك، إنّي علمت أنّ صلتك له أسرع لفناء عمره وقطع أجله، قال داود: وكان لي ابن عمّ معاند ناصبي خبيث بلغني عنه وعن عياله سوء حال، فصككت [61] له نفقة قبل خروجي إلى مكّة، فلمّا صرت في المدينة أخبرني أبو عبد اللّه عليه السّلام بذلك [62].
ثم انّ الأخبار في وقت العرض مختلفة، ففي جملة منها انّها تعرض عليهم كلّ يوم وليلة [63]، وفي أخرى انّها تعرض عليهم كلّ صباح ومساء [64]، وفي ثالثة انّها تعرض عليهم يوم الخميس [65]، وفي رابعة انّها تعرض عشيّة الإثنين والخميس، فما كان من عمل صالح يحمد اللّه عليه، وما كان من عمل سيّئ يستغفر اللّه لنا [66]، ولعلّ منشأ الاختلاف اختلاف مراتب العرض، فيعرض في كلّ يوم وليلة، ويعرض يوم الإثنين جميع ما بينه وبين الخميس الذي قبله، ويوم الخميس جميع ما بينه وبين الإثنين الذي قبله، والله العالم.
ولنختم هذا الفصل بما روي عن أمير المؤمنين [عليه السّلام] من انّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا وأوّل يوم من أيام الآخرة مثّل له ماله وولده وعمله، فيلتفت الى ماله فيقول: واللّه انّي كنت عليك حريصا شحيحا فما لي عندك؟ فيقول: خذ منّي كفنك، فيلتفت الى ولده فيقول: واللّه انّي كنت لكم محبّا وانّي كنت عليكم محاميا، فماذا عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك الى حفرتك [و] نواريك فيها، قال: فيلتفت الى عمله فيقول: واللّه انّي كنت فيك لزاهدا وانّك [67] كنت لثقيلاً، فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم نشرك حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك [68].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أصول الكافي: 2/432 باب التوبة حديث 4.
[2] أصول الكافي: 2/435 باب التوبة حديث 8.
[3] في المطبوع: أجّله اللّه.
[4] في المطبوع: ذنبه.
[5] أصول الكافي: 2/431 باب التوبة حديث 1.
[6] الخصال: 1/41 لا خير في الدنيا إلاّ لأحد رجلين حديث 29.
[7] الظاهر: بالحسنة [منه (قدس سره)].
[8] ثواب الأعمال: 158 ثواب من أذنب ثم رجع حديث 1.
[9] الفقيه: 4/272 باب 179 النوادر حديث 828 ومن ألفاظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: (الندم توبة).
[10] الخصال: 1/16 كفى بالندم توبة برقم 57.
[11] أصول الكافي: 2/426 باب الاعتراف بالذنوب والندم عليها برقم 3.
[12] معاني الأخبار: 174 باب معنى التوبة النصوح حديث 3.
[13] وسائل الشيعة: 11/361 باب 87 حديث 5 عن تحف العقول.
[14] أصول الكافي: 2/435 باب التوبة برقم 10.
[15] أصول الكافي: 2/434 باب التوبة حديث 6.
[16] وسائل الشيعة: 11/364 باب حديث 5 عن إرشاد الديلمي.
[17] نهج البلاغة: 3/252 حديث 417 وقال عليه السّلام- لقائل قال بحضرته: «أستغفر اللّه» -: ثكلتك أمّك أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العلّيّين، وهو اسم واقع على ستّة معان: أولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا، والثالث أن يؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى اللّه أملس ليس عليك تبعة، والرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقها... .
[18] كذا، والظاهر: غصبًا.
[19] عقاب الأعمال: 322. عقاب من ظلم حديث 9.
[20] نهج البلاغة: 3/252 حديث 417.
[21] المصدر المتقدّم.
[22] ايضا المصدر المتقدّم.
[23] أصول الكافي: 2/439 باب الاستغفار من الذنب حديث 8.
[24] ثواب الأعمال: 197 ثواب الاستغفار حديث 5.
[25] مستدرك وسائل الشيعة: 2/346 باب 85 حديث 10 عن تفسير أبي الفتوح الرازي.
[26] الأمالي للشيخ الطوسي: 1/86 المجلس الثالث حديث 134.
[27] أصول الكافي: 2/438 باب الاستغفار من الذنب حديث 7.
[28] أصول الكافي: 1/21 كتاب العقل والجهل حديث 14 والحديث طويل.
[29] ثواب الأعمال: 197 ثواب الاستغفار حديث 1.
[30] أصول الكافي: 2/434 باب التوبة حديث 6.
[31] أصول الكافي: 2/435 باب التوبة حديث 10.
[32] نهج البلاغة: 3/252 حديث 417.
[33] الأمالي للشيخ الصدوق: 465 المجلس الحادي والسبعون حديث 5.
[34] أصول الكافي: 2/437 باب الاستغفار من الذنب حديث 3.
[35] أصول الكافي: 2/452 باب الاستدراج حديث 1.
[36] أصول الكافي: 2/450 باب نادر أيضا حديث 2.
[37] أصول الكافي: 2/452 باب الاستدراج حديث 2.
[38] وسائل الشيعة: 11/362 باب 88 حديث 1 عن معاني الأخبار.
[39] الفقيه: 1/45 باب 118 الأغسال حديث 177 وقال رجل للصادق عليه السّلام: إنّ لي جيران ولهم جوار يتغنّين ويضربن بالعود فربّما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعًا منّي لهنّ، فقال له الصادق عليه السّلام لا تفعل، فقال واللّه ما هو شيء آتيه برجلي إنّما هو سماع أسمعه بأذني، فقال له عليه السّلام: يا للّه أنت أما سمعت اللّه عزّ و جل يقول: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، فقال الرجل كأننّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه عزّ وجلّ من عربيّ وعجميّ، لا جرم انّي قد تركتها وأنا أستغفر اللّه تعالى، فقال له الصادق عليه السّلام: قم فاغتسل وصلّ ما بدا لك فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك استغفر اللّه واسأله التوبة من كل ما يكره فانّه لا يكره إلّا القبيح، والقبيح دعه لأهله فإنّ لكلٍّ أهلاً.
[40] إرشاد القلوب للديلمي: 1/54 الباب الحادي عشر في التوبة وشروطها.
[41] أصول الكافي: 2/438 باب الاستغفار من الذنب حديث 4.
[42] أصول الكافي: 2/450 باب نادر ايضا حديث 2.
[43] أصول الكافي: 2/439 باب الاستغفار من الذنب حديث 10.
[44] وسائل الشيعة: 11/374 باب 94 حديث 2.
[45] أصول الكافي: 2/440 باب فيما أعطى اللّه عزّ وجلّ آدم عليه السّلام وقت التوبة حديث 2.
[46] الفقيه: 1/79 باب 23 غسل الميت حديث 354.
[47] الفقيه: 1/79 باب 23 غسل الميت حديث 355.
[48] أصول الكافي: 2/453 باب محاسبة النفس حديث 2.
[49] روضة الكافي: 8/143 حديث محاسبة النفس حديث 108.
[50] معاني الأخبار: 334 باب معنى تحيّة المسجد ومعنى الصلاة وما يتّصل بذلك من تمام الحديث حديث 1.
[51] وسائل الشيعة: 11/379 باب 69 حديث 7.
[52] وسائل الشيعة: 11/378 باب 96 حديث 5 عن معاني الأخبار.
[53] الخصال: 2/545 فيمن عمّر أربعين سنة فما فوقها حديث 24 ذيله وتمام الحديث: وليس ابن أربعين سنة أحقّ بالعذر من ابن عشرين سنة، فإنّ الذي يطلبهما واحد، وليس عنهما براقد، فاعمل لما أمامك من الهول، ودع عنك فضول القول.
[54] صدر الحديث المتقدم.
[55] الخصال: 2/545 فيمن عمّر أربعين سنة فما فوقها حديث 23.
[56] الأمالي للشيخ الصدوق: 253 المجلس الرابع والأربعون حديث 1
[57] معاني الأخبار: 248 باب معنى قول علي بن الحسين عليهما السّلام: ويل لمن غلبت آحاده أعشاره حديث 1.
[58] أصول الكافي: 1/219 باب عرض الأعمال على النبي صلّى اللّه عليه وآله الأئمّة عليهم السّلام حديث 1 و2 و3.
[59] أصول الكافي: 1/219 باب عرض الأعمال على النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام حديث 3.
[60] أصول الكافي: 1/220 باب عرض الأعمال على النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام حديث 5.
[61] الصك: الكتاب، معرب چك، يكنّى به عن تعيين الرزق وتقديره؛ لأنّ الأرزاق كانت تخرج مكتوبة [منه (قدّس سره)].
[62] بصائر الدرجات: 429 الجزء التاسع باب 6 باب في عرض الأعمال على الأئمّة الأحياء من آل محمد صلّى اللّه عليه وآله حديث 3.
[63] أصول الكافي: 1/219 باب عرض الأعمال على النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام حديث 4، وبصائر الدرجات: 429.
[64] المناقب لابن شهر آشوب: 4/341 موسى بن سيّار، قال: كنت مع الرضا عليه السّلام وقد أشرف على حيطان طوس، وسمعت واعية فاتّبعتها فإذا نحن بجنازة، فلمّا بصرت بها رأيت سيّدي وقد ثنى رجله عن فرسه ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمّها، ثم أقبل عليّ وقال: يا موسى بن سيّار من شيّع جنازة وليّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه لا ذنب عليه حتّى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيّدي قد أقبل فأفرج الناسّ عن الجنازة حتّى بدا له الميت فوضع يده على صدره ثم قال: يا فلان بن فلان أبشر بالجنّة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة، فقلت جعلت فداك هل تعرف الرجل؟ فواللّه إنّها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا، فقال لي: يا موسى بن سيار أما علمت انّا معاشر الأئمة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحا ومساءً فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا اللّه تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلوّ سألنا اللّه الشكر لصاحبه.
[65] بصائر الدرجات: 426 باب 4 الأعمال تعرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة صلوات اللّه عليهم حديث 16.
[66] وسائل الشيعة: 11/388 باب 101 حديث 9.
[67] في المطبوع: وإنّي.
[68] وسائل الشيعة: 11/385 باب 100 حديث 1.
الاكثر قراءة في إضاءات أخلاقية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة