كان على السلطان ألب أرسلان أن يحصل من الخليفة على اعتراف يُضفي على حكمه شرعية في نظر المسلمين جرياً على عادة الدول السلطانية واقتداء بسلفه السطان طغرلبك، ولتحقيق ذلك عمل على التقرب من الخليفة القائم وكسب رضاه، فأعاد ابنته، زوجة السلطان طغرلبك، إلى بغداد مدركاً أن الزواج قد تم من دون رضا الخليفة، ومنحها خمسة آلاف دينار لتستعين بها في طريق العودة، وأرسل معها الأمير أيتكين السليماني ليقوم على خدمتها إلى بغداد وعيَّنه شحنة بها، فوصل الركب إلى بغداد في (15 ربيع الآخر 456هـ 6 نيسان 1064م )، وخرج عميد الدولة ابن الوزير فخر الدولة بن جهير لاستقبال ابنة الخليفة الذي سُرَّ بعودتها، ورحب برسل السلطان السلجوقي الجديد ومنحهم التقليد بالسلطنة وأمر بأن تقام الخطبة للسلطان ألب أرسلان في مساجد بغداد، وأن يكون لقبه السلطان المعظم عضد الدولة وتاج الملة أبا شجاع ألب أرسلان محمد بن داوود(1).
كان السلطان ألب أرسلان مقيماً آنذاك في أذربيجان، فاستقبل رسل الخليفة ولبس الخلع وبايع للقائم العباسي، وكان من الطبيعي أن يُعبر له عن شكره بالهدايا، فأرسل إليه عشرة آلاف دينار وزناً ومائتي ثوب إبريسمية أنواعاً، كما أمر الناظر ببغداد بتسليم الخليفة عشرة آلاف دينار أخرى وعشر أفراس وعشر بغلات (2).
وهكذا حقق السلطان ألب أرسلان ما كان يرنو إليه وهو إضفاء الشرعية على حكمه واستقطاب الخليفة العباسي إلى جانبه، والملفت أنه لم تتح له ظروفه السياسية زيارة العراق، ولم يدخل بغداد طيلة مدة حكمه، لكننا نلاحظ استمرار الحال كما كانت عليه أيام السلطان طغرلبك من استئثار السلطان السلجوقي بالسلطة من دون الخليفة. ففي عام (458هـ / 1066م)، عيَّن السلطان ابنه ملكشاه ولياً للعهد من بعده وأمر بأن يُخطب له في جميع البلاد التي يحكم فيها ومنها بغداد؛ من دون أن يأخذ رأي الخليفة في ذلك التعيين، وفي تلك الخطبة، ولم يُبلغه رسمياً إلا في عام (464 هـ / 1072م) أي بعد ستة أعوام (3).
وبلغ من استئثار السلطان ألب أرسلان بالسلطة أنه عيَّن في العام المذكور أبا العلاء محمد بن الحسين وزيراً، وخلع عليه، ولقبه بوزير الوزراء، وأمر بإقطاعه نصف إقطاع الوزير فخر الدولة بن جهير، ثم أرسله إلى بغداد ليتولى مهام وزارة الخليفة، وجرى ذلك كله من دون علم الخليفة، فاستاء لذلك وعده تدخلاً في شؤون الخلافة الخاصة، ورفض استقبال أبي العلاء ولم يسمح له بمقابلته (4).
وكان الشحن الذين يعينهم السلطان السلجوقي يتمتعون بنفوذ كبير في بغداد يفوق قدرة الخليفة على الحد منه وعلى الرغم من وجودهم في عاصمة الخلافة، فهم لا يأتمرون إلا بأمر السلطان وكان الخليفة لا يملك إلا أن يخضع لنفوذهم وسلطتهم
أو يرفع الشكوى من تصرفاتهم في بعض الأحيان إلى السلطان السلجوقي، من ذلك أنه في عام (464 هـ / 1072م) قدم إلى دار الخلافة أيتكين السليماني، شحنة بغداد، فقصد الخليفة لينال عفوه، وأقام أياماً فلم يُجب إلى ذلك، وكان سبب غضب الخليفة عليه أنه استخلف ابنه في منصب الشحنة ببغداد قبل أن يغادرها لمقابلة السلطان فقتل أحد مماليك دار الخلافة ولم يستطع الخليفة، أن يرد على ذلك العدوان بالاقتصاص منه فكتب إلى السلطان يطالب بإخراجه من المدينة وتعيين غيره. استجاب السلطان لطلب الخليفة فعزل أيتكين السليماني وعين سعد الدولة کوهرائين شحنة بغداد مكانه، فاستقبله الخليفة (5).
......................................................................
(1) ابن الجوزي: جـ 8 ص 234، 235 ابن الأثير: جـ 8 ص 191، 192. ابن كثير، الحافظ،
أبو الفداء البداية والنهاية جـ 12 ص 91.
(2) ابن الجوزي: المصدر نفسه.
(3) ابن الأثير جـ 8 ص 206 ابن كثير: جـ12 ص 94.
(4) البنداري ص211
(5) البنداري: ص210. ابن الأثير جـ 8 ص 228.