كان لويس الثالث عشر قد اوصى بأن تكون زوجته آن النمسوية وصية على ابنهما لويس الرابع عشر، وأشرك معها مجلسا للوصاية. ولكن البرلمان قرر ان تكون الملكة الوالدة وصية بكامل للسلطات، اي بدون مجلس يشاركها في ذلك. وكانت الملكة ان عدوة للكاردينال ريشيليو، ومع ذلك فأنها عينت الكاردينال مزران رئيسا لمجلس الدولة أو الحكومة.
وكان مزران ايطالي الجنسية، وحصل على الجنسية الفرنسية سنة 1639. بعد ان كان من رجال البابا. وكان يختلف عن ريشيليو في كل شي: فبينما كان ريشيليو جنديا، ويسير وراءه حرس كبير، وله حاشية ملكيه كان مزران بسيطا متواضعا، يحادث الجميع، ويجالسهم، ولم يكن له من الحياة العسكرية اي شيء، ولكنه كان عبقريا في دبلوماسيته وبدرجة تفوق ريشيليو، اما من ناحية الادارة فكان لا يصل الي مستوي ريشيليو.
وهكذا كان على مزران ان يوليه الاوضاع في فرنسا بعد موت كل من ريشيليو ولويس الثالث عشر. وكانت الاوضاع صعبة بالنسبة له: فكان الكبراء يحاولون استعادة سلطنهم، بعد ان كان ريشيليو قد احكم قبضته عليهم. وحاولوا التخلص من مزران حتى عن طريق الاغتيال. وكان الفلاحون، وهم الغالبية العظمي للشعب، يعيشون في ظروف قاسية، نتيجة للضرائب المرتفعة التي كانوا يدفعونها. وكانت المالية في وضع سيء خاصة وان المصروفات كانت تزيد على الايرادات وبكثير. وحاول مزران ان يصلح المالية، كما حاول فرض ضرائب جديدة. وستكون هذه الضرائب اساس وقوف كل من برلمان باريس ثم مجموعة الامراء ضد مزران وسياسته، ويحاولون عن طريق هذه المعارضة فرض شروطهم على السلطة الملكية والحصول بالتالي على جزء من سلطنهم المفقودة.
وبدأت الحركة تحت قيادة مجموعة من الموظفين ومن قضاة برلمان باريس. وكان ريشيليو قد قضي على سلطتهم، ولكن ان النمسوية التجأت إليهم بعد ذلك لتعديل وصية زوجها، مما اعطاهم املا في استعادة سلطتهم المفقودة. وسجل بعض قضاة برلمان باريس اعتراضاتهم، في البرلمان، على فرض الضرائب الجديدة. وحين أصر مزران على ضرورة دفع هذه الضريبة، قرر اعضاء البرلمان ضرورة اجتماعهم في قاعة القديس لويس، للتشاور سويا في مسالة الاصلاح المملكة، وذلك في 13 مايو سنة 1648. ولقد اجتمعوا رغم ان الوصية على العرش منعت هذا الاجتماع وأصدروا بلاغا يشتمل على 27 مادة طالبوا فيها بإلغاء مناصب المراقبين، وبعدم فرض ضرائب الا بعد موافقة البرلمان عليها وبعدم حبس اي شخص بدون محاكمة لمدة تزيد على 24 ساعة. وكانت هذه القرارات تهدف تحديد السلطة المطلقة، كما كان قد حدث في انجلترا، واعجبت الجماهير في باريس بهذه القرارات وكان دوق كونديه قد انتصر في ذلك الوقت على القوات الاسبانية، وجاء لتدعيم سلطة المملكة في باريس وامرت الحكومة بألقاء القبض على الكثير من اعضاء البرلمان، فانتشرت الثورة في باريس، واسرعت الجماهير لأنشاء المتاريس من البراميل والعربات والاحجار، واقفلوا بها الشوارع، لمنع كونديه من السيطرة علي العاصمة، وفرض كلمـة المملكة عليهم، كما قاموا بحصار القصر الملكي نفسه، فاضطرت الوصية الي التراجع، وامرت بأطلاق سراح المقبوض عليهم.
وبعد عقد صلح وستفاليا، جاءت كل قوات دوق كونديه لمحاصرة باريس وللقضاء على الثورة فيها وتركت الوصية ومعها الملك الصغير العاصمة، وتطورت الاحوال الى انقسام واضح، والى نشوب حرب اهلية بين الطرفين، عرفت باسم الفروند، بدأت بانشقاق في البرلمان، وبحرب بين الطرفين، سميت هذه المرحلة بفروند البرلمان. ولكن هذه المرحلة لم تستمر لفترة طويلة، خاصة وان رجال البرلمان كانوا يفتقرون الى الخبرة العسكرية، والى الاموال، والتمويل اللازم لاستمرار الحرب. ولم يكن في سعهم ان يلعبوا ذلك الدور الذي لعبه البرلمان الانجليزي، خاصة وان سلطاتهم كانت قضائية، فالت الاقاليم لا تأبه بحركتهم، مما اضطرهم الي طلب الصلح بعد اقل من ثلاثة أشهر.
ولكن الحركة تطورت بعد ذلك، ودخلت في دور فروند الامراء، وكان كونديه قد اخذ موقف المعارضة الصريحة من مزران، حاول ان يحصل على مكانه. ولكن الملكة أمرت بألقاء القبض عليه وسجنه: فقام اعوانه واتباعه بأثارة، الاقاليم كما ثارت باريس وبرلمانها من جديد، الامر الذي اجبر مزران على تركها، وعلى إطلاق سراح دوق كونديه، وانسحب الي كولونيا في المانيا سنة 1651، ومعه الملكة الوالدة، وظل يحرك الامور من الخارج، وزارت اخطاء دوق كونديه وتخاصم مع البرلمان، وعقد محالفة مع ملك اسبانيا، وعاد مزران على راس جيش صغير، بقيادة الماريشال تورين سنة 1651، وهاجم دوق كونديه، ودارت المعارك حول اسوار باريس. وحين رفض اهالي العاصمة تقديم التمرين لقوات دوق كونديه، اضطر الي الخروج منها، والي العيش في الخارج، وقضي مزران السنوات الاخيرة من حكمه يحاول الوصول الي الصلح مع اسبانيا، وتم له ذلك في سنة 1659، كما ذكرنا. ولقد تمكن مزران من القيام بعمل هام في الداخل، وهو اعادة تعيين المراقبين في الاقاليم، ولكنهم أصبحوا مراقبين دائمين للملك، داخل كل مقاطعة، بعد ان كانوا يخرجون من العاصمة من وقت لأخر للتفتيش على الاقاليم، ويعودون بعد ذلك الي باريس. ورغم الاضطرابات والحروب، فان مزران قد تمكن من تكوين ثروة طائلة قدرت بـ 50 مليون في ذلك العصر. وأصبح يسير في نهاية عهده وراءه حرس من ثلاثمائة من المشاة، وبعض الفرسان، واصبحت له حاشية أكثر فخامة من حاشية ريشيليو، وأصبح يقيم الحفلات في قصره، وهو المكتبة الوطنية حاليا في باريس، والتي جمع فيها الكثير من التحف الفنية واللوحات، والتي كانت اساسا لتكوين متحف اللوفر فيما بعد.
وهكذا انتهت الحرب الاهلية، وعاد الملك مع والدته الي باريس سنة 1652، وان كان مزران لم يدخلها الا بعد بضعة أشهر، حتى لا يثير الاهالي ضده.
ولكن الخراب ساد فرنسا في عصره، وجاء صلح وستفاليا لكي يزيد من عدد العاطلين، وينشر المجاعات في كل مكان واعطت هذه الاحوال الاقتصادية والاجتماعية السيئة، نتائجها السياسية، ودفعت فرنسا الي ان تخضع، وفي ظروف الارهاق، للنظام الملكي المطلق والمستبد فيها.. وحين بلغ لويس الرابع عشر سن الرشد، وتولي سلطته الملكية، كان لا ينسي الاضطراب والفوضى اللذين سادا في صغره، وأجبراه على الهرب من عاصمته ولذلك فانه قرر الا يسمح الفوضى بمكان في بلاده، وطوال حكمه، مهما كلفه ذلك من ثمن، فكان ملكا مطلقا بكل معني الكلمة. اما الفرنسيين، فانهم كانوا في حاجة الي الراحة، ولم يكن لهم من امل سوى طاعة الملك، والخضوع له.