قال تعالى : { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف: 4]
إِسرَائیلُ: هُوَ یَعقُوبُ، وَمَعنَاهُ: عَبدُ اللَّـهِ الخَالِصُ، ابنُ إِسحَاقَ بِن إِبرَاهِیمَ(عليه السلام) خَلِیلُ اللَّـهِ، وَفي الحَدِیثِ: إِنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه واله وسلم) قَالَ: (الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنُ الكَرِيمِ ابنُ الكَرِيمِ، يُوسُف بِن يَعقُوب بِن إِسحَاقَ بِن إِبرَاهِيمَ خَلِیلُ الرَّحمَنِ) [1].
{يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} یَا أَبَتِ: أَصلُهُ یَا أَبِي، فَعُوِّضَ عَن الیَاءِ تَاءُ التَّأنِیثِ؛ لِتَنَاسُبِهمَا في الزِّیَادَةِ قَلبُهَا هَاءً في الوَقفِ، وَکَسرُهَا لأَنَّهَا عِوَضُ حَرفٍ یُنَاسِبُهَا: {إِنِّي رَأَيْتُ} مِنَ الرُّؤیَا لَا مِنَ الرُّؤیَةِ، لِقَولِه: { لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} [يوسف: 5] وَلِقَولِه: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100]
وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ یُوسُف(عليه السلام) رَأَى في المَنَامِ لَیلَةُ الجُمعَةِ، لَیلَةُ القَدرِ أَحَدَ عَشَرَ کَوکَبَاً نَزَلّنَ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَجَدنَ لَهُ، وَرَأى الشَّمسَ وَالقَمَرَ نَزَلَا مِنَ السَّمَاءِ فَسَجَدَا لَهُ؛ فَالشَّمسُ وَالقَمَرُ أَبَوَاهُ، وَالکَوَاکِبَ إِخوَتُهُ.
وَقِیلَ: الشَّمسُ أَبُوهُ، وَالقَمَرُ خَالَتُهُ، لأَنَّ أُمَّهُ رَاحِیل قَد مَاتَتَ، وَیَجُوزُ أَن تَکُونَ الوَاوُ في: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} بِمَعنَى: مَعَ؛ أَي: رَأَيتُ الكَوَاكِبَ مَعَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ، وَأَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لِيَعطِفهُمَا عَلَى الكَوَاكِبِ، عَلَى طَرِيقِ الإِختِصَاصِ، بَيَانَاً لِفَضلَهُمَا، وَاستِبدَادَهُمَا بِالمَزِيَّةِ عَلَى غَيرَهُمَا مِنَ الطَّوَالِعِ [2].
وَ: }رَأَيْتُهُمْ{ کَلَامٌ مُستَأَنَفٌ عَلَى تَقدِیرِ سُؤالٍ وَقَعَ جَوَابَاً لَهُ، کَأَنَّهُ قَالَ لَهُ یَعقُوبُ: کَیفَ رَأَیتَهَا؟ فَقَالَ: }رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِيِنَ{ [3].
وَکَانَ یُوسُفُ رَأى وَهوَ ابنُ إِثنَي عَشرَة سَنَة، وَبَینَ رُؤیَاهُ وَبَینَ مَصِیرِ أَبِیهِ وَإِخوَتِه أَربَعِینَ سَنَة [4].
وَاختُلِفَ في مَعنَى هَذَا السُّجُودِ؛ فَقِیلَ: إِنَّهُ السُّجُود المَعرُوف عَلَى الحَقِیقَةِ، لِتَكرِمَتِهِ لَا لِعِبَادَتِهِ، وَقِیلَ: مَعنَاهُ؛ الخُضُوعُ لَهُ، وَیُقَالُ: إِنَّ إِخوَتَهُ لـمَّا بَلَغَهُم رُؤیَاهُ، قَالُوا: مَا رَضِي أَن يَسجُدَ لَهُ إِخوَتُهُ حَتَّى یَسجُدَ لَهُ أَبَوَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رُؤيَا الأَنبِيَاءَ وَحيٌّ، وَعَلِمَ یَعقُوبُ أَنَّ إِخوَةُ يُوسُف يَعرِفُونَ تَأَوِيلَهَا، وَيَخَافُونَ عُلُوَّ يُوسُف عَلَيهِم، فَيَحسِدُونَهُ وَيَبغُونَهُ الغَوَائلَ [5].
[1] مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي: 5/359.
[2] زبدة التفاسير، الكاشاني: 3/339.
[3] جوامع الجامع، الطبرسي: 2/203.
[4] بحار الأنوار، المجلسي: 58/153.
[5] مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي: 5/360.