كيف نشأت الخلية الأولى؟

بقلم: موفق هاشم عبيد

يذهب العلميون الطبيعيون الى أن الخلية الأولى بدأت الحياة منذ ما يقرب من 3,7 مليار سنة في أعماق المحيطات, إذ اُكتُشفت مؤخرا كائنات دقيقة تشبه أسلاف البكتريا التي توجد اليوم في عالمنا, وربما بدأت الحياة على سطح الأرض بجوار المحيطات في جو مختزل غني بالهيدروجين وخال من الأوكسجين, إذ إن وجود الأوكسجين يؤكسد المركبات المُخلّقة أولا فلا يسمح بتكوين الجزيئات العضوية الكبيرة.

إن الخطوة المهمة في نشأة الحياة في شكلها الحالي تتمثل في الحصول على جزيء قابل للتوالد الذاتي, وهذا الجزيء هو (الدي أن أي DNA), غير أن الأمر ليس بالسهولة هذه, فهذا المركب أو الجزيء بالغ التعقيد والصعوبة, ويحتاج لكي يؤدي عمله كشفرة وراثية الى مساعدة الانزيمات (بروتينات), وهو ما يقودنا الى حالة شبيهة بحالة البيضة والدجاجة, أيهما أسبق؟! فلكي نحصل على بروتينات لابد من توافر (الدي أن أي)؛ كي يستطيع أن يشفّر لبنائها, ولكن في الوقت نفسه لابد من توافر البروتينات (الانزيمات) كي يؤدي (الدنا DNA) عمله على الوجه الذي ثبت علميا!! وقد وضع الباحثون العلميون عددا من النظريات العلمية للخروج من هذه الإشكالية.

وهنالك عدد من السيناريوهات التي طُرحت لتفسّر تلك الحالة المشكل, وأرجحها هو تراص النيكلوتيدات على سطح بلورات الصلصال بفعل الشحنات الكهربائية, ثم اتصالها بعضها ببعض لتكوين جزيء (الرنا RNA), ولبلورات الصلصال دور آخر في نشأة الحياة, فالمركبات الكربونية حديثة التكوين يتم امتصاصها على سطح الصلصال (خاصية الامتزاز) بما يسمح باستمرار التفاعل في اتجاه تكوين مركبات جديدة, ولا يصبح التفاعل عكسيا, ويشبه (الرنا RNA) في هذه المرحلة الفايروسات من ناحية تكوّنه من تتابع النيكلوتيدات, مع اختلافه عنها في حاجته الى الخلية الحية المضيفة التي يتكاثر الفايروس عن طريقها, لذلك أطلقت عليه النظرية اسم (أشباه الفايروسات), وللحصول على الطاقة اللازمة للتكاثر قام جزيء (الرنا RNA) بتحليل المواد العضوية الموجودة في الحساء المحيط, فكونت بعض أشباه الفيروسات غشاء حولها لتخزن فيه المواد الغذائية الضرورية للحياة, وبذلك نشأت أول كائنات حية وحيدة الخلية وبدائية النواة (بروكاريوتات), وهي تعتبر المرحلة الأولى لنشأة الكائنات الحية على الأرض.

فيما بعد تطوّرت البروكاريوتات التي هي الكائنات الوحيدة الخلية والبدائية النواة, ونتج عن هذا التطوّر الخلايا (اليوكاريوتية) ذوات النواة, وحصل هذا التطور منذ ما يقرب من 2,7 مليار سنة, والسيناريو الأقرب الى الواقع ـ بحسب علم الأحياء الحديث ـ في تكوّن هذه الخلايا أنها قد انبثقت من اتحاد أنواع مختلفة من البروكاريوتات تبعا لنظرية التعايش الداخلي, التي توصّلت إليها عالمة البيولوجيا الأمريكية لين مارجوليس عام 1967م. وتذهب هذه النظرية الى أن الخلايا البروكاريوتية اللاهوائية قامت بالتهام الخلايا البروكاريوتية التي اكتسبت القدرة على التمثيل الضوئي, فأصبحت بداخلها بمثابة الكلوروبلاستات الموجودة بالخلايا النباتية, وكذلك قامت بعض الخلايا اللاهوائية الأخرى بالتهام خلايا هوائية أصبحت بداخلها بمثابة مايتوكوندريا توجد بداخل الخلايا الحيوانية, وبذلك اكتسبت الخلايا اللاهوائية القدرة على التعامل مع الأوكسجين المميت بالنسبة إليها, وفي الوقت نفسه وجدت الخلايا الملتَهَمَة الحماية والغذاء من الخلايا التي التهمتها, فصارت بذلك الفائدة متبادلة, لذلك سُمّيت النظرية بنظرية التعايش الداخلي.

أما المادة الجينية (الوراثية) والمعروفة بـ (DNA)  لبعض تلك البروكاريوتات داخل نواة واحدة من أجل تنظيم انقسام الخلية, هذا ماعدا المادة الوراثية للمايتوكوندريا والكلوروبلاست فإنها بقيت خارج النواة, ونتيجة لذلك فقد تحول عدد من البروكاريوتات الى خلية واحدة من الخلايا حقيقية النواة (يوكاريوتات), وهي المرحلة الثانية من مراحل خلق الخلية.

ويرى العلماء والباحثون بنشأة الحياة أن من المرجح أن تكون الكائنات الحية المبكرة بقيت تستعمل الـ (RNA) كشفرة جينية في كروموسومات في خلاياها لمدة طويلة تقترب من 500 مليون سنة, وتسمى الكائنات في تلك المدة بعالم (RNA), غير أن هذا العالم بدأ بالاضمحلال شيئا فشيئا حتى اندثر وانقرض بسبب هشاشة جزيئات (RNA) هذه, بيد أن هذا العالم ترك لنا بعضا من تلك الجزيئات التي كان لها دور في بيان السيادة التي تمتع بها الـ (RNA) في تلك الحقبة الساحقة في القدم, وهذا الشيء واضح من خلال ما موجود في خلايا أجسادنا من ريبوسومات.

وحدث لاحقا بعض التعديلات على جزيئات (RNA), إذ تم نزع ذرة الأوكسجين من هذا الجزيء, بما أدى الى تكوين جزيء الـ (DNA), الذي يتكوّن من سلاسل مزدوجة أطول كثيرا, تصل الى ملايين النكلوتيدات, ويستطيع أن يخزن المعلومات بآلية أكثر إحكاما ودقة, كما أنه أكثر قدرة على التناسخ لخاصية الازدواج التي هو عليها, وهو أكثر ثباتا من جزيء الـ (RNA), ومنه نشأت الكروموسومات في الخلية, التي تحتوي على النمط الوراثي لأغلب الكائنات التي وجدت في عالم الـ (DNA), الذي يعود عمره حسب أقدم حفرية بكتيرية تألفت مادتها الوراثية من هذا الجزيء الى ما يقرب من 3,7 مليار سنة.

ولا يفوتنا أن نذكر أن أقدم حفريات للكائنات اليوكاريوتية يعود الى ما يقرب من 1400 مليون سنة التي كانت تعود الى نوع معين من الطحالب, في حين ذهب الأبحاث الكيميائية الى أن عمر هذه الكائنات يعود الى ما يقرب من 2700 مليون سنة.

 

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 2594