ثِـــــــمَارُ الأَسفَـــــــــار .. عقيدَتُنا في الجَّورِ والظُّلم

جاءَ في كتابِ (عقائدِ الإماميةِ) للعلامّةِ الشيخ مُحمّد رضا المُظفَّر

مِن أكبَرِ ما كانَ يُعظِمُهُ الأئمّةُ ـ عليهِمُ السّلامُ ـ على الإنسانِ مِنَ الذّنوبِ العُدوانُ على الغيرِ والظُّلمُ للناسِ، وذلكَ اتّباعاً لما جاءَ في القُرآنِ الكريمِ مِن تهويلِ الظُّلمِ واستنكارِهِ، مثلَ قولِهِ تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ}.

وقد جاءَ في كلامِ أميرِ المؤمنينَ ـ عليهِ السَّلامُ ـ ما يبلُغُ الغايَةَ في بشاعَةِ الظُّلمِ والتّنفيرِ منهُ، كقولهِ وهُوَ الصّادِقُ المُصدَّقُ مِن كلامِهِ في نهجِ البلاغةِ: «واللهِ لَو أُعطِيتُ الأقاليمَ السَّبعةَ بِما تحتَ أفلاكِها على أَنْ أعصيَ اللهَ في نَملَةٍ أسلُبُها جُلبَ شَعِيرةٍ ما فَعلتُ». وهذا غايةُ ما يُمكِنُ أنْ يتصوَّرَهُ الإنسانُ في التَّعَفُّفِ عَنِ الظُّلمِ والحَذَرِ مِنَ الجّورِ واستنكارِ عَمَلِهِ، أنَّهُ لا يَظلِمُ «نملةً» في قِشرَةِ شعيرَةٍ وإنْ أُعطِيَ الأقاليمَ السَّبعةَ. فكيفَ حالُ مَن يَلِغُ في دماءِ المسلمينَ وينهَبُ أموالَ النّاسِ ويستهينُ في أعراضِهِم وكراماتِهِم؟ كيفَ يكونُ قياسُهُ إلى فعلِ أميرِ المؤمنينَ؟ وكيفَ تكونُ منزِلَتُهُ مِن فِقهِهِ صلواتُ اللهِ عليهِ؟ إنَّ هذا هُوَ الأدبُ الإلهيُّ الرفيعُ الذي يتطَلَّبُهُ الدينُ مِنَ البشَرِ.

نَعَم، إنَّ الظُّلمَ مِن أعظَمِ ما حَرَّمَ اللهُ تعالى، فلِذا أخَذَ مِن أحاديثِ آلِ البيتِ وأدعيَتِهِم المقامَ الأوّلَ في ذَمِّهِ وتنفيرِ أتباعِهِم عَنهُ.

وهذهِ سياسَتُهُم ـ عليهِمُ السَّلامُ ـ وعليها سُلوكُهُم حتّى معَ مَن يعتدي عَليهِم ويجترئُ على مقامِهِم. وقِصَّةُ الإمامِ الحَسَنِ ـ عليهِ السَّلامُ ـ معروفةٌ في حِلمِهِ عَنِ الشَّاميِّ الذي اجترأَ عليهِ وشَتَمَهُ، فلاطَفَهُ الإمامُ وعَطَفَ عليهِ، حتّى أشعرَهُ بسوءِ فِعلَتِهِ. وقد قرأتُ آنِفاً في دُعاءِ سيِّدِ السّاجدينَ مِنَ الأدبِ الرَّفيع ِفي العَفوِ عَنِ المُعتَدينَ وطَلَبِ المغفِرَةِ لَهُم. وهُوَ غايةُ ما يبلُغُهُ السموُّ النفسيُّ والإنسانيّةُ الكامِلَةُ، وإنْ كانَ الاعتداءُ على الظّالِمِ بمثلِ ما اعتدى جائزاً في الشّريعةِ وكذا الدُّعاءُ عليهِ جائِزٌ مُباحٌ، ولكِنَّ الجوازَ شيءٌ والعَفوَ الذي هُوَ مِن مَكارِمِ الأخلاقِ شيءٌ آخَر، بَل عندَ الأئمةِ أنَّ المُبالَغَةَ في الدُّعاءِ على الظّالمِ قد تُعَدُّ ظُلماً، قالَ الصّادِقُ ـ عليهِ السَّلامُ ـ: «إنَّ العبدَ ليكونُ مظلوماً فما يزالُ يدعو حتّى يكونَ ظالماً». أي حتّى يكونَ ظالماً في دُعائهِ على الظّالمِ بسببِ كَثرَةِ تِكرارِهِ. يا سُبحانَ الله! أيكونُ الدُّعاءُ على الظّالمِ إذا تجاوزَ الحَدَّ ظُلماً؟ إذنْ ما حالُ مَن يبتدئُ بالظُّلمِ والجَّورِ، ويعتدي على النّاسِ، أو ينهَشُ أعراضَهُم، أو ينهَبُ أموالَهُم أو يمشي عليهِم عندَ الظّالمينَ، أو يخدَعُهُم فيُوَرِّطُهُم في المُهلِكاتِ أو يَنبِزُهُم ويُؤذِيهِم، أو يتَجَسَّسُ عليهِم؟ ما حالُ أمثالُ هؤلاءِ في فقهِ آلِ البيتِ -عليهِمُ السَّلامُ-؟ إنّ أمثالَ هَؤلاءِ أبعدُ النّاسِ عَنِ اللهِ تعالى، وأشَدُّهُم إثماً وعِقاباً، وأقبَحُهُم أعمالاً وأخلاقاً.

المزيد

إتصل بنا

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 4895