الطباطبائيّ.. آيةُ المعرِفَة

القرآنُ الكريمُ كتابُ الربِّ الحكيمِ ، رسالةٌ نوريةٌ تهتزُ لها الجبالُ خشوعاً وتواضعاً ، يختلطُ في دمِ الوليدِ الصغيرِ السيّد مُحمد حُسين الطباطبائيّ عام واحدٍ وعشرين وثلاثمئةٍ وألف للهجرةِ ، لفتهُ والدتهُ بقماشِ المعرفةِ واحتضنتهُ لخمسِ سنواتٍ فقط، وبعدَها انقطعَ عن عالمِ الأمومةِ والحنانِ وبقيَ يرتشفُ عنايةَ والدهِ، لكنّهُ سرعانَ ما غادرَهُ حيثُ مثواهُ الأخير، ولم يُنهِ التاسعةَ من عُمرهِ ، فدخلَ كبرياءَ اليُتمِ مِنَ الأبوينِ فعاشَ مرارةَ الفقدِ والحِرمانِ.

شقَّ مُحمدٌ الشابُ اليافعُ طريقَ العِلمِ بقوةٍ، وأخذَ يدرسُ في مدينةِ (تبريز) القرآنَ الكريمَ ودروسَ اللغةِ والأدبِ، ثُمّ تطوّرَ في الدراسةِ فأخذَ يدرسُ مبادئَ العلومِ الدينيةِ، فاستقوى بعدَها وذهبَ حيثُ حوزةِ العلمِ والمعرفةِ النجفِ الأشرفِ عامَ ثمانيةَ عشرَ وتسعمئةٍ وألف للميلاد، برفقةِ أخيهِ السيد مُحمّد حَسن الطباطبائيّ ، حيثُ مكثَ فيها ما يقرُبُ منَ العَشِر سنوات ، فدرسَ الفِقهَ والأصولَ على يدِ أمهرِ أساتذتِها آنذاك؛ هُما الشيخُ مُحمد حُسين الأصفهانيّ المعروفُ بالكمبانيّ ، والميرزا النائينيّ وأما في الفلسفةِ فقد لازمَ الأستاذَ الكبيرَ السيّد حُسين البادكوبيّ، ودرسَ الأخلاقَ والمعارفَ الإلهيةَ على يدِ أستاذهِ الفريدِ السيّد علي القاضي،  فقد تأثّرَ بهِ كثيراً وأخذَ عنهُ معارفَ جمّة ، ولما ضاقتْ حالتُهُ المعيشيةُ اضطرَّ أنْ يغادرَ النجفَ ليرجعَ الى تبريز؛ ليُصبحَ السيدُ فلاحاً مُدّةَ عشرةِ سنواتٍ، يؤمِّنُ لُقمةَ العيشِ من جهةٍ ويُمارسُ الدرسَ والبحثَ من أخرى ، لكنّهُ غادرَها بسببِ الأحداثِ الى مدينةِ قُمِ المُقدّسةِ ، وبدأَ فيها درسَهُ التفسيريّ في سنِّ الأربعينَ، والذي نتجَ عنهُ أشهرُ وأفضلُ تفسيرٍ معاصرٍ لدى الشيعةِ المُعنونُ بـ الميزانِ في تفسيرِ القرآنِ ، فقد بذلَ جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً في تأليفهِ.

لم يتوقفِ العلّامةُ عندَ حدودِ التفسيرِ فحسبْ، بل راحَ يدرُسُ الفلسفةَ الإسلاميةَ ويبحثُ فيها ويتعمّقُ حتى أنتجَ فيها كتابي بدايةِ الحكمةِ ونهايةِ الحكمةِ ، وهما عمادُ الدرسِ الفلسفيّ في الحوزةِ العلميةِ اليوم ، وكتبَ رسائلَ فلسفيةً وعقائديةً كثيرةً منها (عليٌّ والفلسفةُ الإلهيةُ ، الشيعةُ في الإسلامِ ، القرآنُ في الإسلام) ،  ولا نغالي إنْ قُلنا يُعدُّ العلّامُة من أشهرِ حاملي لواءِ الفلسفةِ الإسلاميةِ في زمانِنا هذا.

إنَّ قوةَ درسِهِ وذكائِهِ الكبيرِ جعلَ طلبةَ العلومِ والأخلاقِ والمعرفةِ يذهبونَ إليهِ حيثُما كانَ ، فيُذكَرُ أنَّ حضورَ طلابهِ في سنواتهِ الأخيرةِ قد وصلَ الى المئاتِ ، فخرّجَ أجيالاً من العلماءِ والفقهاءِ والباحثينَ ، ولعلَّ في طليعتِهم ، الشيخ فاضل اللنكرانيّ ، والسيّد موسى شُبيري الزنجانيّ ، والشيخ ناصر مكارم الشيرازّي ، والشيخ جعفر السُّبحانيّ والدكتور حسن نصر والشيخ مرتضى مُطَهّريّ.

ولما بلغَ السابعةَ والسبعينَ من عمرهِ غادرَ الأمّةَ الإسلاميةَ ومُحبيهِ في ظهيرةِ الأحّدِ في الثامنِ عشرَ من محرّمِ سنةَ اثنتينِ وأربعمئةٍ وألف للهجرةِ ، في مدينةِ قمِ المقدسةِ فشُيِّعَ تشييعاً مَهيباً ودُفِنَ بجوارِ السيّدِةِ فاطمةِ المعصومةِ (عليها السلامُ) بعدَ أنْ صلّى عليهِ المرجعُ الدينيُّ الكبيرُ السيّد مُحمد رضا الكلبايكانيّ.

 

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 8435