0

بمختلف الألوان
إنَّ القرآن الكريمَ كتابُ هدايةٍ للنّاسِ ليُخرِجَ اللهُ بهِ عبادَهُ مِن ظُلماتِ الشّركِ الى نورِ التوحيدِ ويُرشِدُهُم الى طُرقِ النّجاةِ والسّلامِ في الدُّنيا والآخرةِ ولكنْ كيفَ يكونُ شفاءً؟ لقد استغَلَّ بعضُ ذوي النّفوسِ الدنيئةِ تقديسَ المسلمينَ للقرآنِ فابتدعوا طُرُقاً في معالجةِ الأمراضِ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الصدقة بين استحقاق المحتاج وحرمة الاستغلال

منذ ساعتين
في 2026/10/16م
عدد المشاهدات :106

حسن الهاشمي
ليست الصدقة مالًا يُعطى بلا ضابط، ولا إحسانًا يُبذل من غير بصيرة، بل هي أمانة أخلاقية واجتماعية، شُرعت لتسدَّ خَلَل الحاجة، وتُغيث الملهوف، وتصون كرامة الإنسان من ذلِّ السؤال ومرارة الحرمان، ومن هنا، لم يترك الإسلام باب الصدقة مفتوحًا أمام الاستغلال والاحتيال، بل رسم لها حدودًا تحفظ حقَّ الفقير، وتصون مال المحسن، وتمنع أن تتحوّل عاطفة العطاء إلى وسيلة للإثراء على حساب أهل الإحسان.
وقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، في بيان مَن يستحق الصدقة ومَن لا يستحقها: (إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع، ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة ورضفا يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر) كنز العمال للمتقي الهندي: ١٦٥٤٨. في إشارة إلى أنَّ الغنى والاستطاعة البدنية التي تمكِّن الإنسان من الكسب والعمل لا ينسجمان في الأصل، مع استحقاق الصدقة المخصَّصة لسدِّ الحاجة، فليس من العدل أن تمتدَّ يد القادر إلى أموال المحسنين، بينما يقف العاجز عن تحصيل قوته، أو المثقل بالديون التي لا يستطيع أداءها، ينتظر من يرفع عنه غائلة الفقر، كما أنَّ عبارة "ذي مِرَّةٍ سويّ" تُفسَّر عادةً بالقوي القادر على الكسب، ولا ينبغي فهمها على أنَّ كلَّ قادرٍ بدنيًّا مستغنٍ عن المساعدة؛ فقد تتوافر القدرة البدنية مع انعدام فرصة العمل أو وجود ظروف قاهرة، ويُنظر في الاستحقاق بحسب طبيعة المساعدة وضوابطها الشرعية.
إنَّ المجتمع الذي يريد للصدقة أن تؤدّي رسالتها الإنسانية لابدَّ أن يميّز بين المحتاج الحقيقي، الذي ضاقت به سُبل العيش، وبين مَن يتخذ السؤال حرفةً، ويجعل عاطفة الناس سلَّمًا إلى زيادة أمواله، فالأول ينبغي أن تمتدَّ إليه يد الرحمة، والثاني ينبغي أن يُذكَّر بأنَّ أموال الناس ليست سبيلًا مفتوحًا إلى الثراء، وأنَّ استدرار عطف المحسنين بغير حقٍّ اعتداءٌ على الثقة التي يقوم عليها التكافل الاجتماعي.
ولم يقف التحذير النبوي عند بيان عدم استحقاق بعض الفئات للصدقة، بل اشتدَّ في ذمِّ مَن يسأل الناس ليجمع المال ويزيد ثروته، فقال صلى الله عليه وآله، بحسب النص المتداول للرواية: "ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة ورضفًا يأكله من جهنم، فمن شاء فليقلَّ ومن شاء فليكثر". وهي صورة شديدة الوقع، تستنهض الضمير وتكشف قبح استغلال حاجة الناس إلى فعل الخير؛ إذ كيف يليق بالإنسان أن يتخذ من صدقات المحسنين وسيلةً للتكاثر، فيما قد يكون بين هؤلاء المحسنين مَن يقتطع من قوت عياله ليواسي محتاجًا أو يفرّج كربة مكروب؟
إنَّ خطورة هذا السلوك لا تنحصر في أخذ المال بغير استحقاق، بل تتجاوز ذلك إلى إفساد الثقة بين أفراد المجتمع؛ فحين يُكتشف أنَّ بعض المتصدِّرين للسؤال يستغلون عواطف الناس، قد تتراجع ثقة المحسنين بالمحتاجين، وتُحرم أسرٌ متعففة من المساعدة التي هي بأمسِّ الحاجة إليها، وهكذا لا يكون المحتال قد اعتدى على مال المتصدِّق وحده، بل أسهم أيضًا في إضعاف روح التكافل، وأساء إلى صورة الفقير الصادق الذي يحفظ ماء وجهه، ويأنف من السؤال ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
ومع ذلك، فإنَّ التحذير من استغلال الصدقة لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لاتهام الفقراء أو التضييق عليهم؛ فكم من محتاجٍ أخفى فقره تعفُّفًا، وكم من مديونٍ أثقلته المطالبات، وكم من عاملٍ أعجزته ظروف الحياة عن توفير أبسط متطلبات أسرته! وقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذا الصنف الكريم بقوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) البقرة: 273. فالفقير المتعفف قد لا يمدُّ يده، لكنَّ حاجته لا تقلُّ عن حاجة مَن أفصح عنها، بل إنَّ صيانة كرامته تقتضي أن يسعى أهل الخير إلى معرفته وإعانته من غير أن يضطروه إلى كشف ما يستر من فقره.
ومن هنا، فإنَّ المسؤولية في ترشيد الصدقة مشتركة بين المعطي والآخذ والمجتمع؛ فالمحسن مطالب بأن يتحرّى مواضع إحسانه بقدر استطاعته، والسائل مطالب بأن يتقي الله فيما يأخذه من أموال الناس، والمؤسسات الخيرية مطالبة بأن تعتمد أساليب عادلة وشفافة في تشخيص الاحتياجات وإيصال المساعدات إلى مستحقيها، وبهذا تتجه الصدقة إلى غايتها الحقيقية: إغاثة المحتاج، وحفظ كرامته، ومنع استغلال عاطفة الإحسان.
قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إن الصدقة لا تحل لمحترف، ولا لذي مرة سوي قوي، فتنزهوا عنها) الكافي للكليني: ٣ / ٥٦٠ / ٢.
"لا تحل لمحترف": أي لا تحلّ لمن اتخذ سؤال الناس حرفةً ومصدرًا للتكسّب، مع عدم استحقاقه لها.
"ولا لذي مِرّةٍ سويّ قوي": المِرّة هي القوة، و"سويّ" أي سليم البدن؛ والمقصود القادر على العمل والكسب الذي لا تدعو حاله إلى أخذ الصدقة.
"فتنزّهوا عنها": أي تعفّفوا عن سؤال الناس وأموالهم بغير استحقاق، وصونوا أنفسكم عن التكسّب بما يُعطى للمحتاجين.
الدلالة الأخلاقية والاجتماعية للرواية تؤكد ان قيمة التعفّف وعزّة النفس، تدعو القادر على العمل إلى السعي في طلب رزقه بدل اتخاذ السؤال وسيلةً للكسب، وفي الوقت نفسه، لا يصحّ اتخاذها ذريعةً لحرمان كل قادر بدنيًّا من المساعدة؛ فقد يعجز الإنسان عن تحصيل قوته لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ويُنظر في استحقاقه وفق الضوابط الشرعية الخاصة بكل نوع من أنواع الصدقة.
إنَّ الصدقة في منطق الإسلام ليست مكسبًا لمن يُحسن السؤال، بل حقٌّ يُرعى فيه الاستحقاق، وعبادةٌ تُصان بها كرامة الإنسان، ومسؤوليةٌ يُمتحن بها ضمير المجتمع، وما أجمل أن تمتدَّ يد المحسن إلى المحتاج الحقيقي، فتخفف عنه ثقل الحياة، وتغنيه عن ذل السؤال؛ وما أقبح أن تتحوّل هذه اليد المباركة إلى موردٍ يستنزفه مَن لا يستحق.
فلنُحسن العطاء، ولنحفظ للصدقة طهارتها، وللفقير كرامته، وللمحسن ثقته؛ فإنَّ المجتمع المتكافل لا يقوم على كثرة الأموال المبذولة وحدها، بل على عدالة توزيعها، وصدق النيات في بذلها، ووصولها إلى مَن جعلتهم الحاجة أولى بها.

اعضاء معجبون بهذا

غراب بمظهر الهدهد
بقلم الكاتب : السيد رياض الفاضلي
​العلمُ نورٌ لطيف لا يستقرّ إلّا في وعاءٍ طاهر من الأكدار كالأنانيّة وسائر رعونات النّفس؛ فإذا التبس بالرّياء، وحبّ العلوّ، وفساد النيّة، استحال وبالاً على صاحبه، وتعدّى ضرره إلى تشويه الشّأن العلميّ وأهله الصّادقين. ومن كان على هذا لم يزدد بالعلم إلّا بعداً، فهو كغرابٍ نعب في حمى الجنان... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 4 ايام
2026/10/12
التوتر النفسي ليس مجرد شعور بالقلق أو الخوف، بل هو استجابة كيميائية وعصبية...
منذ 4 ايام
2026/10/12
علي حسين عريبي ‏كل دولة تريد أن تكون عظمى في مختلف المجالات عليها أن تدرك أن...
منذ 1 اسبوع
2026/10/07
من الصعب الفصل بين بيتر توكمان وشخصيته الشهيرة الأخرى، فهو "أينشتاين وول ستريت"...