0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
تصدّق على المتعفف والقريب والمحروم

منذ 8 ساعات
في 2026/10/06م
عدد المشاهدات :60

حسن الهاشمي
ليست الصدقة في منطق الإسلام مجرّد إعطاء مالٍ لمن طلبه، وإنما هي رحمةٌ تبحث عن موضع الحاجة، وكرامةٌ تحفظ للإنسان عزّته، وصلةٌ تمتد إلى القريب، ورعايةٌ للمحروم الذي قد تحول عفّته دون أن يمدّ يده إلى الناس، ولذلك وجّه القرآن الكريم النظر إلى فئة قد لا تُرى حاجتها بسهولة، فقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) البقرة: ٢٧٣. فهؤلاء متعففون؛ لا يسألون الناس إلحافًا، أي لا يلحّون في السؤال، ولا يبالغون فيه، ولا يكررون الطلب بإلحاحٍ وضغطٍ على المسؤول، ولا يجعلون فقرهم حديثًا على الألسن، ولذلك قد يخفى احتياجهم على من لا يتفقد أحوال الناس، ومن هنا كانت الصدقة الأجمل تلك التي لا تنتظر أن يطرق المحتاج الباب، بل تبحث عن المحتاج قبل أن تضطره الحاجة إلى السؤال.
وإذا كان المتعفف جديرًا بالعناية، فإن القريب أولى بالبر والصلة؛ لأن الصدقة عليه تجمع بين فضيلتين: فضيلة الصدقة وفضيلة صلة الرحم، وفي ذلك بناءٌ للأسرة على التكافل، وإشعارٌ للقريب بأن حاجته لا تجعله غريبًا بين أهله.
أما المحروم فهو أوسع من صورة الفقير السائل؛ فقد يكون إنسانًا قليل ذات اليد، أو صاحب عيال، أو مبتلى بظرفٍ قاهر، أو متعففًا عن السؤال، لكنه محروم من ضروريات الحياة، ولهذا ينبغي للمؤمن أن يمتلك بصيرةً اجتماعية تجعله يقرأ ما وراء المظاهر، فلا يحصر عطاؤه بمن يرفع صوته بالشكوى، بل يتفقد الصامتين الذين أرهقهم العوز وأعزّتهم النفس عن السؤال.
والصدقة على المتعفف أرفع أثرًا في حفظ الكرامة الإنسانية؛ فهي عطاءٌ يصل إلى صاحبه من غير أن يجرحه بسؤال، ولا يحمّله منّة، ولا يشعره بأنه موضع شفقة، وهنا تتحول الصدقة من مجرد نقل مالٍ من يدٍ إلى أخرى إلى ممارسةٍ راقية لحفظ كرامة الإنسان.
ولعلّ أجمل ما في هذا اللون من الإنفاق أن يكون صاحبه كمن يزرع الخير في مواضعه الخفية؛ فلا يبحث عن شهرة العطاء، بل عن حاجة العبد، ولا يسأل: من الذي طلب؟ وإنما يسأل: من الذي يحتاج؟ فربّ متعففٍ لا يعرف الناس فقره، وقريبٍ ينتظر التفاتةً تحفظ وشائج الرحم، ومحرومٍ أرهقته الحياة ولم يجد من يمدّ إليه يد العون.
وهكذا تصبح الصدقة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مشروعًا للتكافل وصيانة الكرامة وصلة الأرحام؛ صدقةٌ تصل إلى المتعفف قبل أن يسأل، وإلى القريب قبل أن يشعر بالغربة، وإلى المحروم قبل أن يشتد عليه الحرمان.
وتكريسا لهذه المعادلة القيمية في التكافل الاجتماعي قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لما سئل عن الصدقة على من يسأل على الأبواب، أو يمسك ذلك عنهم ويعطيه ذوي قرابته؟ قال: لا، بل يبعث بها إلى من بينه وبينه قرابة، فهو أعظم للأجر) ثواب الأعمال للصدوق: ١٧١ / 20. هذا النص يعبّر بدقة عن أولوية الصدقة على ذوي القربى، وفيه لفتة تربوية مهمة: أن الصدقة لا ينبغي أن تنفصل عن مسؤولية الإنسان تجاه أسرته ورحمه.
حين تتعدد أبواب المحتاجين، لا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن بابٍ قريب منه، قد يكون صاحبه أشد حاجةً إلى العون، لكنه لا يمد يده بالسؤال؛ ولذلك جاءت تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) لتربط بين الصدقة وصلة الرحم، وتجعل إعانة القريب المحتاج لونًا مضاعف الأجر.
فالمؤمن حين يتصدق على قريبه المحتاج لا يؤدي مجرد واجب مالي أو مستحب شرعي، وإنما يرمم وشائج الأسرة، ويحفظ كرامة القريب، ويمنع الحاجة من أن تفكك عرى الرحم، وربما كان القريب المتعفف أحوج إلى هذه الالتفاتة من غيره؛ لأنه لا يسأل الناس، ولا يكشف حاجته، انتظارًا لمن يعرف حاله من غير سؤال.
وهنا تتجلى عظمة المنهج الإسلامي في صناعة مجتمعٍ متكافل؛ فالعطاء لا يكون عشوائيًا، وإنما يراعي الأقرب فالأقرب، والأشد حاجةً فالأشد حاجةً، حتى لا يكون في المجتمع إنسانٌ غريب عن محيطه العائلي، ولا قريبٌ يبيت محتاجًا بينما تُرسل الصدقات إلى من هو أبعد منه.
فالصدقة على ذي القربى صدقةٌ وصلة، والعطاء هنا لا يسدّ خلةً مادية فحسب، بل يبعث رسالةً إنسانية عميقة: لست وحدك، وأهلك أولى بك، وحاجتك لا تنتقص من كرامتك، ومن هنا كان الإنفاق على القريب المحتاج من أجمل صور الرحمة، لأنه يجمع بين إغاثة المحتاج، وصيانة الكرامة، وتقوية الأسرة، وتعظيم الأجر.
أما المحروم ليس بالضرورة هو من لا يملك شيئًا أو من يسأل الناس، بل قد يكون إنسانًا يعمل ويتحرك ويبيع ويشتري، ويبذل جهده، ولكن لا يحصل من سعيه على الكفاية والرزق الذي يستحقه بحسب ظاهره، لذا فان الإمام الصادق (عليه السلام): فسّر قوله تعالى: ("للسائل والمحروم": المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع) الكافي للكليني: ٣ / ٥٠٠ / ١٢. المحارف هو الرجل إذا منع الرزق أو ضُيّق عليه فيه، أو كان قليل الحظ من الكسب، ومن معانيه في الاستعمال العربي: المحروم من الرزق، المكدود الذي لا يبارك له في كسبه، أو لا تأتيه ثمرة سعيه وكدّه كما ينبغي.
المحروم في هذا المعنى أوسع من صورة الفقير الذي يمد يده؛ فقد يكون المحروم متعففًا، عاملاً، صاحب حرفة أو تجارة، لكن أبواب الرزق لا تفتح له بما يسد حاجته، والحال ان بعض المحرومين لا يُعرفون من السؤال، وإنما يُعرفون من آثار العسر على حياتهم، فربّ إنسانٍ يكدّ بيده، ويعمل صباحًا ومساءً، ولكن دخله لا يكفيه، أو تتعثر تجارته، أو يمرض، أو تتكرر خسارته؛ فهذا قد يدخل في معنى المحروم المحارف.
والخلاصة ان ليس كل محرومٍ سائلاً، فبين الناس محرومون يمشون في الأسواق بأيديهم العاملة ووجوههم المتعففة، يبذلون الكدّ ويطلبون الرزق، غير أن ثمرة السعي لا تبلغ بهم حدّ الكفاية، هؤلاء هم الذين ينبغي أن تبحث الصدقة عنهم، لا أن تنتظر وقوفهم على الأبواب.

اعضاء معجبون بهذا

موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
بقلم الكاتب : حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن، تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه. على حين غُرةً، تجري الرياح بما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 7 ساعات
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ 1 اسبوع
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...
منذ اسبوعين
2026/09/23
تخوض البنوك المركزية حول العالم واحدة من أعقد اختبارات السياسة النقدية منذ عقود،...