جميع الاقسام
القرآن الكريم وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه الإسلامي وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد من الاقسام   
القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في القسم ( 11373) موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
السيرة النبوية

التاريخ: 22 / 4 / 2017 61
التاريخ: 29 / 3 / 2016 220
التاريخ: 10 / شباط / 2015 م 264
التاريخ: 10 / كانون الاول / 2014 م 360
مقالات عقائدية

التاريخ: 3 / تشرين الاول / 2014 م 422
التاريخ: 7 / تشرين الاول / 2014 م 450
التاريخ: 9 / تشرين الثاني / 2014 م 497
التاريخ: 9 / تشرين الثاني / 2014 م 415
الاساس النظري للاتجاه العام للتشريع الاسلامي  
  
527   03:20 مساءاً   التاريخ: 2 / حزيران / 2015 م
المؤلف : السيد محمد باقر الصدر
الكتاب أو المصدر : المدرسة القرآنية
الجزء والصفحة : ص 239-258


أقرأ أيضاً
التاريخ: 26 / 11 / 2015 532
التاريخ: 26 / 11 / 2015 499
التاريخ: 26 / 11 / 2015 521
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 626

اعوذ باللّه من الشيطان الرحيم بسم اللّه الرحمن الرحيم وأفضل الصلوات على خير خلقه محمد وعلى آله الميامين الطاهرين خرجنا مما سبق بنظرية تحليلية قرآنية كاملة لعناصر المجتمع ولأدوار هذه العناصر وللعلاقة القائمة بين الخطين المزدوجين في العلاقة الاجتماعية ، خط علاقات الانسان مع اخيه الانسان ، وخط علاقات الانسان مع الطبيعة ، وانتهينا على ضوء هذه النظرية القرآنية الشاملة الى ان هذين الخطين احدهما مستقل عن الآخر استقلالا نسبيا ولكن كل واحد منهما له نحو تأثير في الآخر على الرغم من ذلك الاستقلال النسبي وهذه النظرية القرآنية في تحليل عناصر المجتمع وفهم المجتمع فهما موضوعيا تشكل اساسا للاتجاه العام في التشريع الاسلامي ، فان التشريع الاسلامي في اتجاهاته العامة وخطوطه يتأثر وينبثق ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية والاسلامية الى المجتمع وعناصره وادوار هذه العناصر والعلاقات المتبادلة بين الخطين ، هذه النظريات التي قرأناها والتي انتهينا اليها على ضوء المجموعة المذكورة سابقا من النصوص القرآنية هذه النظريات هي في الحقيقة الاساس النظري للاتجاه العام للتشريع الاسلامي فان الاستقلال النسبي بين الخطين ، خط علاقات الانسان مع اخيه الانسان وخط علاقات الانسان مع الطبيعة ، هذا الاستقلال النسبي يشكل القاعدة لعنصر الثبات في الشريعة الاسلامية والاساس لتلك المنطقة الثابتة من التشريع التي تحتوي على الاحكام العامة المنصوصة ذات الطابع الدائم المستمر في التشريع الاسلامي بينما منطقة التفاعل بين الخطين ، بين خط علاقات الانسان مع الطبيعة وخط علاقات الانسان مع اخيه الانسان ، منطقة التفاعل والمرونة تشكل في الحقيقة الاساس لما أسميناه في كتاب «اقتصادنا» بمنطقة الفراغ تشكل الاساس للعناصر المرنة والمتحركة في التشريع الاسلامي ، هذه العناصر المرنة والمتحركة في التشريع الاسلامي هي انعكاس تشريعي لواقع تلك المرونة وذلك التفاعل بين الخطين ، والعناصر الاولى الثابتة والصامدة في التشريع الاسلامي هي انعكاس تشريعي لذلك الاستقلال النسبي الموجود بين الخطين ، بين خط علاقات الانسان مع اخيه الانسان وخط علاقات الانسان مع الطبيعة ، ومن‏ هنا نؤمن بأن الصورة التشريعية الاسلامية الكاملة لمجتمع هي في الحقيقة تحتوي على جانبين ، تحتوي على عناصر ثابتة ، وتحتوي على عناصر متحركة ومرنة وهذه العناصر المتحركة والمرنة التي ترك للحاكم الشرعي ان يملأها فرضت امامه مؤشرات اسلامية عامة ايضا لكي يملأ هذه العناصر المتحركة وفقا لتلك المؤشرات الاسلامية العامة ، وهذا بحث يحتاج الى كلام اكثر من هذا ، تفصيلا واطنابا ، من المفروض ان نستوعب هذا البحث ان شاء اللّه تعالى لكي نربط الجانب التشريعي من الاسلام بالجانب النظري التحليلي من القرآن الكريم لعناصر المجتمع وبعد ذلك يبقى علينا بحث آخر في نظرية الاسلام عن ادوار التاريخ ، عن ادوار الانسان على الارض فان القرآن الكريم يقسم حياة الانسان على الارض الى ثلاثة ادوار ، دور الحضانة ، ودور الوحدة ، ودور التشتت والاختلاف. وهذه ادوار ثلاثة تحدث عنها القرآن الكريم ، بين لكل دور الحالات والخصائص والمميزات التي يتميز بها ذلك الدور ، هذا أيضا بحث سوف نخرج منه بنظرية شاملة كاملة لهذا الجانب من تاريخ الانسان ، كل ذلك لا يمكن ان يسعه يوم واحد وبحث واحد اذن فمن الافضل ان نؤجل ذلك ، وننصرف الآن من منطقة الفكر الى منطقة القلب ، من منطقة العقل الى منطقة الوجدان ، أريد ان نعيش معا لحظات بقلوبنا لا بعقولنا فقط ، بوجداننا ، بقلوبنا ، نريد ان نعرض هذه القلوب على القرآن الكريم بدلا عن ان نعرض افكارنا وعقولنا ، نعرض صدورنا ، لمن ولاؤها؟ ما هو ذاك الحب الذي يسودها ويمحورها ويستقطبها؟ ان اللّه سبحانه وتعالى لا يجمع في قلب واحد ولاءين ، لا يجمع حبين مستقطبين. اما حب اللّه واما حب الدنيا ، اما حب اللّه وحب الدنيا معا فلا يجتمعان في قلب واحد ، فلنمتحن قلوبنا ، فلنرجع الى قلوبنا لنمتحنها ، هل تعيش حب اللّه سبحانه وتعالى ، او تعيش حب الدنيا ، فان كانت تعيش حب اللّه زدنا ذلك تعميقا وترسيخا ، وان كانت «نعوذ باللّه» تعيش حب الدنيا ، حاولنا ان نتخلص من هذا الداء الوبيل ، من هذا المرض المهلك. ان كل حب يستقطب قلب الانسان يتخذ احدى صيغتين وإحدى درجتين.

الدرجة الاولى ان يشكل هذا الحب محورا وقاعدة لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الانسان قد ينصرف عنه في قضاء حاجة في حدود خاصة ولكن يعود ، سرعان ما يعود الى القاعدة لانها هي المركز ، وهي المحور ، قد ينشغل‏ بحديث ، قد ينشغل بكلام ، قد ينشغل بعمل ، بطعام ، بشراب ، بمواجهة ، بعلاقات ثانوية ، بصداقات ، لكن يبقى ذاك الحب هو المحور ، هذه هي الدرجة الاولى ، والدرجة الثانية من الحب المحور ان يستقطب هذا الحب كل وجدان الانسان ، بحيث لا يشغله شي‏ء عنه على الاطلاق ومعنى انه لا يشغله شي‏ء عنه انه سوف يرى محبوبه وقبلته وكعبته اينما توجه ، اينما توجه سوف يرى ذلك المحبوب ، هذه هي الدرجة الثانية من الحب المحور هذا التقسيم الثنائي ينطبق على حب اللّه وينطبق على حب الدنيا ، حب اللّه سبحانه وتعالى ، الحب الشريف للّه المحور يتخذ هاتين الدرجتين ، الدرجة الاولى يتخذها في نفوس المؤمنين الصالحين الطاهرين الذين نظفوا نفوسهم من اوساخ هذه الدنيا الدنية هؤلاء يجعلون من حب اللّه محورا لكل عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم ، قد ينشغلون بوجبة طعام ، بمتعة من المتع المباحة ، بلقاء مع صديق ، بتنزه في شارع ، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون اليه بمجرد ان ينتهي هذا الانشغال الطارئ ، واما بالدرجة الثانية فهي الدرجة التي يصل اليها اولياء اللّه من الانبياء والائمة عليهم أفضل الصلاة والسلام ، «علي بن‏ ابي طالب» الذي نحظى بشرف مجاورة قبره ، هذا الرجل العظيم كلكم تعرفون ما ذا قال ، هو الذي‏ قال‏ «بأني ما رأيت شيئا الا ورأيت اللّه معه وقبله وبعده وفيه» لان حب اللّه في هذا القلب العظيم استقطب وجدانه الى الدرجة التي منعه من ان يرى شيئا آخر غير اللّه حتى حينما كان يرى الناس ، كان يرى فيهم عبيد اللّه ، حتى حينما كان يرى النعمة الموفورة كان يرى فيها نعمة اللّه سبحانه وتعالى دائما هذا المعنى الحرفي ، هذا الربط باللّه دائما وابدا يتجسد امام عينه لان محبوبه الأوحد ، ومعشوقه الاكمل ، قبلة آماله وطموحاته ، لم يسمح له بشريك في النظر ، فلم يكن يرى الا اللّه سبحانه وتعالى. هذه هي الدرجة الثانية نفس التقسيم الثنائي يأتي في حب الدنيا ، الذي هو رأس كل خطيئة على حد تعبير رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) ، حب الدنيا يتخذ درجتين: الدرجة الاولى أن يكون حب الدنيا محورا للانسان ، قاعدة للانسان في تصرفاته وسلوكه يتحرك حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتحرك ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يسكن ، يتعبد حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتعبد وهكذا ، الدنيا تكون هي القاعدة ، لكن أحيانا أيضا يمكن ان يفلت من‏ الدنيا ، يشتغل اشغال أخرى نظيفة ، طاهرة ، قد يصلي للّه سبحانه وتعالى ، قد يصوم للّه سبحانه وتعالى ، لكن سرعان ما يرجع مرة أخرى الى ذلك المحور وينشد اليه ، فلتات يخرج بها من اطار ذلك الشيطان ثم يرجع الى الشيطان مرة أخرى ، هذه درجة أولى من هذا المرض الوبيل ، مرض حب الدنيا ، واما الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل فهي الدرجة المهلكة ، حينما يعمي حب الدنيا هذا الانسان ، يسد عليه كل منافذ الرؤية ، يكون بالنسبة الى الدنيا كما كان سيد الموحدين وأمير المؤمنين بالنسبة الى اللّه سبحانه وتعالى ، انه لم يكن يرى شيئا الا وكان يرى اللّه معه وقبله وبعده حب الدنيا في الدرجة الثانية يصل الى مستوى بحيث ان الانسان لا يرى شيئا الا ويرى الدنيا فيها وقبلها وبعدها ومعها ، حتى الاعمال الصالحة تتحول عنده وبمنظاره الى دنيا ، تتحول عنده الى متعة ، الى مصلحة شخصية حتى الصلاة ، حتى الصيام ، حتى البحث ، حتى الدرس ، هذه الالوان كلها تتحول الى دنيا لا يمكنه ان يرى شيئا الا من خلال الدنيا ، الا من خلال مقدار ما يمكن لهذا العمل ان يعطيه ، يعطيه من حفنة مال أو من كومة جاه لا يمكن ان يستمر معه الا بضعة أيام معدودة ، هذه هي الدرجة الثانية وكل من الدرجتين مهلكة والدرجة الثانية أشد هلكة من الدرجة الاولى ولهذا قال رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) : «حب الدنيا رأس كل خطيئة» ، قال الامام الصادق (عليه السلام) : «الدنيا كماء البحر من ازداد شربا منه ازداد عطشا».

لا تقل فلآخذ هذه الحفنة من الدنيا ثم أنصرف عنها فالأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثم انصرف الى اللّه ليس الأمر كذلك فان أي مقدار تحصل عليه من مال الدنيا ، من مقامات هذه الدنيا الزائلة ، سوف يزداد بك العطش والنهم الى المرتبة الاخرى ، «الدنيا كماء البحر» ، «الدنيا رأس كل خطيئة».

الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) يقول : «من أصبح واكبر همه الدنيا فليس له من اللّه شي‏ء» . هذا الكلام يعني قطع الصلة مع اللّه ، يعني ان ولاءين لا يجتمعان في قلب واحد من كان ولاؤه للدنيا ، فليس له من الله شي‏ء ، ليس له صلة مع الله سبحانه وتعالى لان ولاءين لا يجتمعان في قلب واحد ، «حب الدنيا رأس كل خطيئة» لان حب الدنيا هو الذي يفرغ الصلاة من معناها ويفرغ الصيام من معناه ويفرغ كل عبادة من معناها ، ما ذا يبقى من معنى لهذه العبادات ، اذا استولى حب الدنيا على قلب الانسان ، أنا وانتم نعرف ان أولئك الذين نأخذهم على ما عملوا مع امير المؤمنين ، اولئك لم‏ يتركوا صلاة ، ولم يتركوا صياما ، ولم يشربوا خمرا ، على الاقل عدد كبير منهم لم يقوموا بشي‏ء من هذا القبيل ، لكنهم مع هذا ما هي قيمة هذه الصلاة ، وما هي قيمة هذا الصيام ، وما هي قيمة العفة عن شرب الخمر اذا كان حب الدنيا هو الذي يملأ القلب . ما قيمة صلاة عبد الرحمن بن عوف ، عبد الرحمن بن عوف كان صحابيا جليل القدر ، كان من السابقين الى الاسلام ، كان ممن أسلم والناس كفار ومشركون تربى على يد رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) ، عاش مع الوحي ، مع القرآن ، مع آيات اللّه تترى ، لكن ما ذا دهاه ؟ ماذا دهاه حينما فتح اللّه على المسلمين بلاد كسرى وقيصر ، وكنوز كسرى وقيصر ، ما ذا دهى هذا الرجل المسكين؟ هذا الرجل المسكين ملأ قلبه حب الدنيا ، كان يصلي وكان يصوم ، ولكن ملأ قلبه حب الدنيا حينما وقف في خيار واحد بين عثمان وعلي (عليه السلام) ، اما أن يكون عثمان خليفة المسلمين واما ان يكون علي خليفة المسلمين وهو يعلم أنه لو أعطى هذه الخلافة لعلي لأسعد المسلمين الى أبد الدهر ولكنه يعلم أيضا انه حينما يعطيها الى عثمان فقد فتح بذلك باب الفتن الى آخر الدهر يعلم بذلك وقد سمع ذلك من عمر نفسه أيضا ، ولكنه في هذا الخيار غلب حب‏ الدنيا على قلبه ، ضرب على يد عثمان وترك يد علي مبسوطة تنتظر من يبايع ، جعل عثمان خليفة ، وأقصى عليّا (عليه السلام) عن الخلافة ، قد تقولون إن هذه معصية هذا كترك الصلاة ، لان رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) جعل عليا خليفة بعده بلا فصل هذا صحيح ، تولي علي بن أبي طالب أهم الواجبات ولكن افرضوا وفرض المحال ليس بمحال ، لو أن رسول اللّه لم ينص على علي بن ابي طالب. أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف مهضوما ؟ أ كان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف صحيحا ؟ ، لو تركنا كل نصوص الرسول وتركنا حديث الغدير وحديث الثقلين! لو تركنا كل ذلك ، لكن بمنطق حب اللّه وحب الدنيا ، بمنطق الحرص على الاسلام بمنطق الغيرة على الدين والمسلمين ، أ كان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف سليما ، ان يطرح يد علي (عليه السلام) مبسوطة دون أن يبايعها ويبايع انسانا غير جدير بأن يتحمل الامانة ، ان يبايع عثمان بن عفان. اذن المسألة هنا ليست فقط مسألة نص وانما المسألة هنا مسألة حب الدنيا ، مسألة خيانة الامانة لان حب الدنيا يعمي ويصم ، حب عبد الرحمن بن عوف للدنيا أفقد الصلاة معناها ، افقد الصيام معناه ، أفقد شهر رمضان معناه ، أفقد كل شي‏ء مغزاه‏ الحقيقي ومحتواه النبيل الشريف‏ «حب الدنيا رأس كل خطيئة» وحب اللّه سبحانه وتعالى اساس كل كمال ، حب اللّه هو الذي يعطي للانسان الكمال ، العزة ، الشرف ، الاستقامة ، النظافة ، القدرة على مغالبة الضعف في كل الحالات ، حب اللّه سبحانه وتعالى هو الذي جعل اولئك السحرة ، يتحولون الى رواد على الطريق ، فقالوا لفرعون : {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه : 72] كيف قالوا هكذا؟ لان حبّ اللّه اشتعل في قلوبهم فقالوا لفرعون بكل شجاعة وبطولة «فاقض ما انت قاض ، انما تقضي هذه الحياة الدنيا» حب اللّه هو الذي جعل عليا عليه الصلاة والسلام دائما يقف مواقف الشجاعة ، مواقف البطولة ، هذه الشجاعة ، شجاعة علي (عليه السلام) ليست شجاعة السباع ، ليست شجاعة الاسود ، وانما هي شجاعة الايمان وحب اللّه ، لماذا ؟ لان هذه الشجاعة لم تكن فقط شجاعة البراز في ميدان الحرب ، بل كانت احيانا شجاعة الرفض ، احيانا شجاعة الصبر ، علي بن ابي طالب ضرب المثل الاعلى في شجاعة المبارزة في ميدان الحرب شد حزامه وهو ناهز الستين من عمره الشريف وهجم على الخوارج وحده فقاتل أربعة آلاف انسان ، هذه قمة الشجاعة في ميدان المبارزة لان حب اللّه اسكره! فلم يجعله يلتفت أن هؤلاء أربعة آلاف وهو واحد! وضرب قمة الشجاعة في الصبر ، في السكوت عن الحق ، حينما فرض عليه الاسلام أن يصبر عن حقه وهو في قمة شبابه ، لم يكن في شيخوخته ، كان في قمة شبابه ، كانت حرارة الشباب مل‏ء وجدانه ، ولكن الاسلام قال له اسكت ، اصبر عن حقك حفاظا على بيضة الدين ، ما دام هؤلاء يتحملون حفظ الشعائر الظاهرية للاسلام وللدين ، سكت ما دام هؤلاء كانوا يتحفظون على الظواهر والشعائر الظاهرية للاسلام والدين ، وكان هذا قمة الشجاعة في الصبر ايضا! هذه ليست شجاعة الاسود ، هذه شجاعة المؤمن الذي اسكره حب اللّه! وكان قمة الشجاعة في الرفض ، وفي الإباء حينما طرح عليه ذلك الرجل أن يبايعه على شروط تخالف كتاب اللّه وسنة رسوله بعد مقتل الخليفة الثاني ، ما ذا صنع هذا الرجل العظيم ؟ هذا الرجل العظيم الذي كان يحترق لان الخلافة ذهبت من يده ، يحترق من أجل اللّه !! لا من أجل نفسه ، يقول «ولقد تقمصها ابن ابي قحافة وهو يعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى» ، هذا الرجل الذي كان يحترق لان الخلافة خرجت من يده ، لو ان انسانا يقرأ هذه العبارة وحدها لقال ما اكثر شهوة هذا الرجل الى السلطان والى الخلافة ! لكن هذا الرجل نفسه ، هذا الرجل بذاته عرضت عليه الخلافة ، عرضت عليه رئاسة الدنيا فرفضها ! لا لشي‏ء الا لانها شرطت بشرط يخالف كتاب اللّه وسنة رسوله. من هنا نعرف ان ذلك الاحتراق لم يكن من أجل ذاته ، وانما كان من اجل اللّه سبحانه وتعالى ، اذن هذه الشجاعة شجاعة البراز في يوم البراز ، وشجاعة الصبر في يوم الصبر ، وشجاعة الرفض في يوم الرفض ، هذه الشجاعة خلقها في قلب علي حبه للّه ، لا اعتقاده بوجود اللّه ، هذا الاعتقاد الذي يشاركه فيه فلاسفة الاغريق ايضا ، أرسطو أيضا يعتقد بوجود اللّه ، افلاطون أيضا يعتقد بوجود اللّه ، الفارابي أيضا يعتقد بوجود اللّه ، ما ذا صنع هؤلاء للبشرية ، وما ذا صنعوا للدين أو للدنيا ، ليس الاعتقاد وانما حب اللّه اضافة الى الاعتقاد ، هذا هو الذي صنع هذه المواقف ونحن أولى الناس بأن نطلّق الدنيا ، اذا كان حب الدنيا خطيئة ، فهو منا نحن الطلبة من اشد الخطايا ، هذا الشي‏ء الذي هو خطيئة من غيرنا هو اكثر خطيئة منا ، نحن أولى من غيرنا بأن نكون على حذر من هذه الناحية ، أولا لأننا نصبنا أنفسنا أدلاء على طريق الآخرة ، ما هي مهمتنا في الدنيا ، ما هي وظيفتنا في الدنيا؟ اذا سألك انسان ، ما ذا تعمل ، وما هو مبرر وجودك ، وما ذا تقول؟ تقول بأني أريد أن اشد الناس الى الآخرة ، اشتد دنيا الناس إلى الآخرة ، الى عالم الغيب ، الى اللّه سبحانه وتعالى . اذن كيف تقطع دنياك عن الآخرة؟ اذا كانت دنياك مقطوعة عن الآخرة فسوف تشد دنيا الناس الى دنياك لا الى آخرة ربك ، سوف نتحول الى قطاع طريق ، ولكن أي طريق ، الطريق الى اللّه ، لا طريق ما بين بلد وبلد ، هذا الطريق الى اللّه نحن رواده ، نحن القائمون على الدلالة اليه ، على الاخذ بيد الناس فيه ، فلو اننا أغلقنا باب هذا الطريق ، لو اننا تحولنا عن هذا الطريق الى طريق آخر اذن سوف نكون حاجبا عن اللّه ، حاجبا عن اليوم الآخر كل انسان يستولي حب الدنيا على قلبه يهلك هو ، أما الطلبة ، أما نحن اذا استولى حب الدنيا على قلوبنا سوف نهلك ونهلك الآخرين ، لأننا وضعنا أنفسنا في موضع المسئولية ، في موضع ربط الناس باللّه سبحانه وتعالى واللّه لا يعيش في قلوبنا ، اذن سوف لن نتمكن من أن نربط الناس باللّه ، نحن اولى الناس واحق الناس باجتناب هذه المهلكة لأننا ندعي أننا ورثة الانبياء وورثة الائمة والاولياء ، اننا السائرون على طريق محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وعلي والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام ، ألسنا نحاول أن نعيش شرف هذه النسبة هذه النسبة تجعل موقفنا أدق من مواقف الآخرين ، لأننا نحن حملة أقوال هؤلاء وافعال هؤلاء ، أعرف الناس بأقوالهم ، واعرف الناس بأفعالهم ، ألم‏ يقل رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) : «انا معاشر الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا عقارا ، انما نورث العلم والحكمة» ألم‏ يقل علي بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام : «ان امارتكم هذه أو خلافتكم هذه لا تساوي عندي شيئا الا أن أقيم حقا أو أدحض باطلا».

ألم يقل علي بن ابي طالب ذلك ، ألم يجسد هذا في حياته ، في كل حياته ، علي بن أبي طالب كان يعمل للّه سبحانه وتعالى ، لم يكن يعمل لدنياه ، لو كان علي يعمل لدنياه لكان اشقى الناس وأتعس الناس ، لان عليا حمل دمه على يده منذ طفولته ، منذ صباه ، يذب عن وجه رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) وعن دين اللّه وعن رسالة اللّه ، لم يتردد لحظة في أن يقدم ، لم يكن يحسب للموت حسابا ، لم يكن يحسب للحياة حسابا ، كان دمه دائما على يده ، كان أطوع الناس لرسول اللّه في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) ، وكان أطوع الناس لرسول اللّه بعد رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) ، كان اكثر الناس عملا في‏ سبيل الدين ، ومعاناة من أجل الاسلام. ما ذا حصل ، ما ذا حصل عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ لو جئنا الى مقاييس الدنيا ، ما ذا حصل عليه هذا الرجل العظيم ؟ ألم يقص هذا الرجل العظيم ، أ لم يكن جليس بيته فترة من الزمن ، ألم يسبّ هذا الرجل العظيم ألف شهر على منابر المسلمين! التي اقيمت اعوادها بجهاده ، بدمه ، بتضحياته ، سب على منابر المسلمين! اذن لم يحصل على شي‏ء من الدنيا لا على حطام ولا على مال ولا على منصب ولا على كناء (1). ولا على تقدير ، ولكنه على الرغم من ذلك حينما ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه (2) . ما ذا قال هذا الامام العظيم ؟

قال‏ «لقد فزت ورب الكعبة» لو كان علي يعمل لدنياه لقال واللّه اني أتعس انسان لأني لم أحصل على شي‏ء في مقابل عمر كله جهاد ، كله تضحية ، كله حب للّه ، لم أحصل على شي‏ء ، لكنه لم يقل ذلك ، قال‏ «لقد فزت ورب الكعبة» انها واللّه الشهادة ، لانه لم يكن يعمل لدنياه ، كان يعمل لربه ، والآن لحظة اللقاء مع اللّه ، هذه اللحظة هي اللحظة التي سوف يلتقي بها علي مع اللّه سبحانه وتعالى فيوفيه حسابه ويعطيه أجره ، يعوضه عما تحمل من شدائد ، عما قاسى من مصائب ، أليس هذا الامام هو مثلنا الاعلى ، أليست حياة هذا الامام هي السنة ، أليست مصادر التشريع عندنا الكتاب والسنة ، أليست السنة هي قول المعصوم وفعله وتقريره . علينا أن نحذر من حب الدنيا ، لانه لا دنيا عندنا لكي نحبها ! ما ذا نحب ؟ نحب الدنيا ؟! نحن الطلبة! ما هي هذه الدنيا التي نحبها ونريد ان نعرق انفسنا فيها ونترك رضوانا من اللّه أكبر ، نترك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا اعترض على خيال بشر ، ما هي هذه الدنيا؟ هذه الدنيا دنيانا هي مجموعة من الاوهام ، كل دنيا وهم ، لكن دنيانا اكثر وهما من دنيا الآخرين ، مجموعة من الاوهام ، ما ذا نحصل من الدنيا الا على قدر محدود جدا ، لسنا نحن أولئك الذين نهبوا أموال الدنيا وتحدثنا عنهم سابقا ، لسنا نحن أولئك الذين تركع الدنيا بين أيدينا لكي نؤثر الدنيا على الآخرة ، دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة ، نقيس انفسنا بهارون الرشيد ، هارون الرشيد نسبّه ليلا نهارا لانه غرق في حب الدنيا ، لكن تعلمون أي دنيا غرق فيها هارون الرشيد ، أي قصور مرتفعة عاش فيها هارون الرشيد ، أي بذخ وترف كان يحصل عليه هارون الرشيد ، أي زعامة وخلافة وسلطان امتد مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد ، هذه دنيا هارون الرشيد ، نحن‏ نقول بأننا أفضل من هارون الرشيد ، أورع من هارون الرشيد ، أتقى من هارون الرشيد ، عجباه نحن عرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها حتى نكون أورع من هارون الرشيد. يا أولادي ، يا إخواني ، يا أعزائي ، يا أبناء علي .. هل عرضت علينا دنيا هارون الرشيد ، لا ..

عرض علينا دنيا هزيلة ، محدودة ، ضئيلة ، دنيا ما أسرع ما تتفتت ، ما اسرع ما تزول ، دنيا لا يستطيع الانسان أن يتمدد فيها كما كان يتمدد هارون الرشيد ، هارون الرشيد يلتفت الى السحابة يقول لها أينما تمطرين يأتيني خراجك ، في سبيل هذه الدنيا سجن موسى بن جعفر (عليه السلام) ، هل جربنا أن هذه الدنيا تأتي بيدنا ثم لا نسجن موسى بن جعفر؟ جربنا أنفسنا ، سألنا انفسنا ، طرحنا هذا السؤال على انفسنا ، كل واحد منا يطرح هذا السؤال على نفسه ، بينه وبين اللّه. ان هذه الدنيا ، دنيا هارون الرشيد كلفته أن يسجن موسى بن جعفر ، هل وضعت هذه الدنيا أمامنا لكي نفكر بأننا أتقى من هارون الرشيد ، ما هي دنيانا ؟ هي مسخ من الدنيا ، هي أوهام من الدنيا ، ليس فيها حقيقة الا حقيقة رضى اللّه سبحانه وتعالى ، الا حقيقة رضوان اللّه ، كل طالب علم حاله حال علي بن أبي طالب ، اذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس انسان ، لان أبواب الدنيا مفتوحة ، خاصة اذا كان طالب له قابلية ، له امكانية ، له ذكاء ، له قابليات ، هذا أبواب الدنيا مفتوحة له ، فاذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس انسان ، لانه سوف يخسر الدنيا والآخرة ، لا دنيا الطلبة دنيا ولا الآخرة يحصل عليها ، فليكن همنا أن نعمل للآخرة ، أن نعيش في قلوبنا حب اللّه سبحانه وتعالى بدلا عن حب الدنيا لانه لا دنيا معتد بها عندنا ، الائمة عليهم السلام علمونا بأن نتذكر الموت دائما يكون من العلاجات المفيدة لحب الدنيا ، أن يتذكر الانسان الموت ، كل واحد منا يعتقد بأن كل من عليها فان ، لكن القضية دائما وابدا لا يجسدها بالنسبة الى نفسه ، من العلاجات المفيدة ان يجسدها بالنسبة الى نفسه ، دائما يتصور بأنه يمكن أن يموت بين لحظة واخرى ، كل واحد منا يوجد لديه أصدقاء ماتوا ، اخوان انتقلوا من هذه الدار الى دار الاخرى ، أبي لم يعش في الحياة اكثر مما عشت حتى الآن ، أخي لم يعش في الحياة اكثر مما عشت حتى الآن ، أنا الآن استوفيت هذا العمر ، من المعقول جدا أن أموت في السن الذي مات فيه أبي ، من المعقول جدا أن أموت في السن التي مات فيها أخي ، كل واحد منا لا بد وأن يكون له قدوة من هذا القبيل ، لا بد وان احباب له قد رحلوا ، أعزة له قد انتقلوا لم يبق من طموحاتهم شي‏ء ، لم يبق من آمالهم شي‏ء ان كانوا قد عملوا للآخرة فقد رحلوا الى مليك مقتدر ، الى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، واذا كانوا قد عملوا للدنيا فقد انتهى كل شي‏ء بالنسبة اليهم ، هذه عبر ، هذه العبر التي علمنا الائمة عليهم السلام ان نستحضرها دائما ، تكسر فينا شره الحياة ، ما هي هذه الحياة ؛ لعلها أيام فقط ، لعلها أشهر فقط ، لعلها سنوات ، لما ذا نعمل دائما ونحرص دائما على اساس انها حياة طويلة ، لعلنا لا ندافع الا عن عشرة ايام ، الا عن شهر ، الا عن شهرين لا ندري عن ما ذا ندافع ، لا ندري اننا نحتمل هذا القدر من الخطايا ، هذا القدر من الآثام ، هذا القدر من التقصير أمام اللّه سبحانه وتعالى وأمام ديننا ، نتحمله في سبيل الدفاع عن ما ذا ، عن عشرة أيام ، عن شهر ، عن أشهر ... هذه بضاعة رخيصة ، نسأل اللّه سبحانه وتعالى ان يطهر قلوبنا وينقي أرواحنا ، ويجعل اللّه اكثر همنا ، ويملأها حبا له ، وخشية منه ، وتصديقا به ، وعملا بكتابه.

______________

(1) كناء جمع كنية .

(2) ضربه في مسجد الكوفة وهو ساجد في صلاة الفجر.

سؤال وجواب

التاريخ: 27 / 11 / 2015 872
التاريخ: 18 / أيلول / 2014 م 1203
التاريخ: 13 / 12 / 2015 1084
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 1235
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 1028
شبهات وردود

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 618
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 675
التاريخ: 23 / تشرين الثاني / 2014 625
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 691
هل تعلم

التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 500
التاريخ: 26 / تشرين الثاني / 2014 517
التاريخ: 26 / تشرين الاول / 2014 م 591
التاريخ: 25 / تشرين الثاني / 2014 558

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .