وداع الإمام الحسين لأم سلمة
الإمام الحسين (عليه السلام) مع أم سلمة (رضي الله عنها):
"لَمَّا عَزَمَ [الإمَاْمُ الْحُسَيْنُ] (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَلَى اَلْخُرُوجِ مِنَ اَلْمَدِينَةِ أَتَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لاَ تُحْزِنِّي بِخُرُوجِكَ إِلَى الْعِرَاقِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكَ يَقُولُ: "يُقْتَلُ وَلَدِيَ اَلْحُسَيْنُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، فِي أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: (كَرْبَلاَءُ)". فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاه، وَأَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ ذَلِكَ، وَإِنِّي مَقْتُولٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلَيْسَ لِي مِنْ هَذَا بُدٌّ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ اَلَّذِي أُقْتَلُ فِيهِ، وَأَعْرِفُ مَنْ يَقْتُلُنِي، وَأَعْرِفُ اَلْبُقْعَةَ اَلَّتِي أُدْفَنُ فِيهَا، وَإِنِّي أَعْرِفُ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَقَرَابَتِي وَشِيعَتِي، وَإِنْ أَرَدْتِ يَا أُمَّاه أُرِيكِ حُفْرَتِي وَمَضْجَعِي.
ثُمَّ أَشَارَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِلَى جِهَةِ كَرْبَلاَءِ فَانْخَفَضَتِ الْأَرْضُ حَتَّى أَرَاهَا مَضْجَعَهُ وَمَدْفَنَهُ، وَمَوْضِعَ عَسْكَرِهِ، وَمَوْقِفَهُ وَمَشْهَدَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بُكَاءً شَدِيدًا وَسَلَّمَتْ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهْ قَدْ شَاءَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) أَنْ يَرَانِي مَقْتُولًا مَذْبُوحًا، ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَقَدْ شَاءَ أَنْ يَرَى حَرَمِي وَرَهْطِي وَنِسَائِي مُشَرَّدِينَ، وَأَطْفَالِي مَذْبُوحِينَ مَظْلُومِينَ مَأْسُورِينَ مُقَيَّدِينَ، وَهُمْ يَسْتَغِيثُونَ فَلاَ يَجِدُونَ نَاصِرًا وَلاَ مُعِينًا.
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى:
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَعِنْدِي تُرْبَةٌ دَفَعَهَا إِلَيَّ جَدُّكَ فِي قَارُورَةٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَقْتُولٌ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ أَخْرُجْ إِلَى الْعِرَاقِ يَقْتُلُونِّي أَيْضًا.
ثُمَّ أَخَذَ تُرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي قَارُورَةٍ وَأَعْطَاهَا إِيَّاهَا، وَقَالَ: اجْعَلِيْهَا مَعَ قَارُورَةِ جَدِّي، فَإِذَا فَاضَتَا دَمًا فَاعْلَمِي أَنِّي قَدْ قُتِلْتُ" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج2، ص 264، ط: مدرسة الإيرواني.
وداع الإمام الحُسين (عليه السّلام) لقبر جدّه (صلّى الله عليه وآله) والرؤيا التي رآها حينها:
"خفَّ الحُسين (عليه السّلام) في الليلة الثانية إلى قبر جدّه (صلّى الله عليه وآله)، وهو حزين كئيب؛ ليشكو إليه ظلم الظالمين له، ووقف أمام القبر الشريف بعد أنْ صلّى ركعتين، وقد ثارت مشاعره وعواطفه، فاندفع يشكو إلى الله ما ألمَّ به من المحن والخطوب قائلًا:
«اللّهمّ، إنّ هذا قبر نبيّك محمّد (صلى الله عليه وآله)، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللّهمّ إنّي أُحِبُّ المعروفَ وأُنكِرُ المُنكَرَ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومَنْ فيه إلّا ما اخترت لي ما هو لك رضا ولرسولك رضا».
وأخذ الحُسين يطيل النظر إلى قبر جدّه، وقد وثقت نفسه أنّه لا يتمتّع برؤيته وانفجر بالبكاء، وقبل أنْ يندلعَ نور الفجر غلبه النوم فرأى جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد أقبلَ في كتيبة مِن الملائكة، فضمّ الحُسينَ إلى صدره وقبّل ما بين عينيه، وهو يقول له: «يا بُنيّ، كأنّي عن قريب أراك مقتولًا مذبوحًا بأرض كرب وبلاء، بين عصابة مِنْ أُمّتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقَى، وظمآن لا تُروَى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عند الله مِنْ خلاق. حبيبي يا حُسين، إنّ أباك وأمّك وأخاك قد قدموا عليّ وهم إليك مشتاقون. إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشهادة»" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج2، ص 264، ط: مدرسة الإيرواني.
وصيّة الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه ابن الحنفيّة:
"عهد الإمام (عليه السلام) بوصيّته الخالدة إلى أخيه ابن الحنفيّة، وقد تحدّث فيها عن أسباب ثورته الكبرى على حكومة يزيد، وقد جاء فيها بعد البسملة:
«هذا ما أوصى به الحُسين بن علي إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة.
إنّ الحُسين يشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، جاء بالحقّ مِنْ عنده، وأنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور.
وإنّي لمْ أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله)؛ أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردَّ عليَّ أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين.
وهذه وصيّتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب».
من أجل هذه الأهداف النبيلة فجّر الإمام (عليه السلام) ثورته الخالدة، فهو لمْ يخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولمْ يبغِ أيّ مصلحة مادية له أو لأسرته، وإنّما خرج على حكم الظلم والطغيان، يريد أنْ يُقيمَ صروح العدل بين الناس، وما أروع قوله: «فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردَّ عليَّ أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين»" (1).
السفر إلى العراق:
"لقد انطلق الحسين (عليه السلام) مودّعًا الكعبة، حاملًا روحها بين جنبيه، وشعلتها بكلتا يديه، تواكبه الملائك وتباركه وتطيف به، كأنّها حذرة عليه؛ فإنّه البقيّة من إرث السماء على الأرض"(1).
"لقد خرج الإمام (عليه السلام) وهو يحمل معه التحرير الكامل للأمّة الاسلاميّة، يريد أن يقيم في ربوعها حكم القرآن وعدالة السماء، ويرد عنها كيد المعتدين.
وكان خروجه فيما يقوله أكثر المؤرخين، في اليوم الثامن من ذي الحجّة، سنة ستّين من الهجرة"(2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 53، ط: مدرسة الإيرواني.
(2) المصدر نفسه.
الإمام الحسين (عليه السلام) مع الفرزدق:
"قَالَ الْفَرَزْدَقُ: لَقِيَنِي اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي مُنْصَرَفِي مِنَ الْكُوفَةِ
فَقَالَ: مَا وَرَاكَ يَا أَبَا فِرَاسٍ؟
قُلْتُ: أَصْدُقُكَ؟
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): الصِّدْقَ أُرِيدُ.
قُلْتُ: أَمَّا الْقُلُوبُ فَمَعَكَ، وَأَمَّا السُّيُوفُ فَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلّا صَدَقْتَ، النَّاسُ عَبِيْدُ الْمَالِ، وَاَلدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاَءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الإربلي، الشيخ علي بن عيسى، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج2، ص 241 ــ 242، ط: دار الأضواء.
إلقاء مسلم بن عقيل (عليه السلام) من أعلى القصر:
"لقد ظلّ مسلم [عليه السلام] حتّى الرمق الأخير مِنْ حياته عالي الهمّة، وجابه الأخطار ببأس شديد، فكان في دفاعه ومنطقه مع ابن مرجانة مثالًا للبطولات النادرة.
وآن للقائد العظيم أنْ يُنقَل عن هذه الحياة بعدما أدّى رسالته بأمانة وإخلاص، وقد رُزِقَ الشهادة على يد الممسوخ القذر ابن مرجانة، فندب لقتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم، فقال له: خذ مسلمًا واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك؛ ليكون ذلك أشفى لصدرك... .
واستقبل مسلم الموت بثغر باسم، فصعد به إلى أعلى القصر وهو يسبّح الله ويستغفره بكلّ طمأنينة ورضا، وهو يقول: اللّهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج2، ص 407، ط: مدرسة الإيرواني.
رسالة من الإمام الحسين (عليه السلام) بيد قيس بن مسهر أو عبد الله بن يقطر:
"لمّا بلغَ الحسين (عليه السلام) الحاجرَ من بطنِ الرّمةِ، بعثَ قيسَ بنَ مُسْهرٍ الصّيداويّ، ـ ويُقالُ: بل بعثَ أخاه منَ الرّضاعةِ عبدَ اللّه بن يَقْطُر ـ إِلى أهلِ الكوفةِ، ولم يكن (عليه السلام) عَلِمَ بخبرِ مسلمِ بنِ عقيلٍ رحمةُ الله عليهما وكتبَ معه إِليهم: «بسمَ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، منَ الحسينِ بنِ عليٍّ إِلى إِخوانِه منَ المؤمنينَ والمسلمينَ، سلامٌ عليكم، فإِنِّي أحمدُ إِليكم اللّهَ الّذي لا إِلهَ إلّا هو.
أمّا بعدُ: فإِنّ كتابَ مسلمِ بنِ عقيلِ جاءَني يُخبِرُ فيه بحسنِ رأيِكم واجتماعِ مَلَئِكم على نصرِنا والطّلب بحقِّنا، فسألتُ اللّهَ أن يُحسنَ لنا الصّنيعَ، وأن يُثيبَكم على ذلكَ أعظمَ الأجرِ، وقد شخصتُ إِليكم من مكّةَ يومَ الثُلاثاءِ، لثمانٍ مضينَ من ذي الحجّةِ يومَ التّرويةِ، فإِذا قدمَ عليكم رسولي فانكمِشوا في أمرِكم وجِدُّوا، فإِنِّي قادمٌ عليكم في أيّامي هذه، والسّلامُ عليكم ورحمةُ اللّهِ»" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المفيد، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج2، ص 70، تحقيق: مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
التخطيط العسكري:
"وضع الإمام (عليه السلام) أرقى المخطّطات العسكريّة وأدقّها في ذلك العصر، فنظّم جبهته تنظيمًا رائعًا، وأحاط معسكره بكثير من الحماية، فقد خرج في غلس الليل البهيم، وكان معه نافع بن هلال، فجعل يتفقّد التلاع والروابي وينظر إليها بدقّة؛ مخافة أن تكون مكمنًا لهجوم الأعداء حين الحرب، وقد أمر أصحابه بصنع ما يلي:
أوّلًا: مقاربة البيوت بعضها من بعض، بما في ذلك بيوت الهاشميّين والأصحاب، وفيما نحسب أنّها كانت عدّة صفوف من كلّ جهة، لا صفًّا واحدًا، وإنّما صنع ذلك لئلا يكون هناك مجال لتسرّب العدو وتخلّله من بينها.
ثانيًا: حفر خندق من الخلف محيط بخيم أهله وعياله، وملئه بالحطب؛ لإشعال النار فيه وقت الحرب، وإنّما أمر بذلك لما يلي:
أ ـ أن تكون عوائلهم في مأمن من العدو أثناء العمليّات الحربيّة، فإنّه لا يتمكّن من اقتحام النّار والهجوم عليها.
ب ـ استقبال العدو من جهة واحدة، وعدم تعدّد الجهات القتاليّة؛ نظرًا لقلّة أصحاب الإمام (عليه السلام)" (1).
وممّا اشتُهِرَ على الألسنة ولم يُعثَر له على مصدر، أنَّ الإمامَ (عليه السلام) خرج ليلة عاشوراء، ورآه نافع بن هلال وهو يلتقط حسك السعدان من الأرض، فسأله عن ذلك، فقال له ـ بحسب ما زُعِمَ ـ: يا نافعُ، غداةَ غدٍ تهجمُ الخيلُ على المُخيّمِ، ويُضرمونَ فيها النار، فتفرُّ النساءُ والأطفالُ، وأخشى عليهم مِن أن يصيبَهم حسكُ السعدان، وأريدُ أن أُولي هذا الأمرَ بنفسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 174، ط: مدرسة الإيرواني.
توبة الحر:
"لمّا سمع الحرّ بن يزيد الرياحيّ كلامه واستغاثته [أي: الإمام ـ عليه السلام ـ]، أقبل على عمر بن سعد وقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله، قتالًا أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي. قال: ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال؟ فقال: لو كان الأمر إليَّ لقبلت، ولكن أميرك أبى ذلك. فتركه ووقف مع النّاس، وكان إلى جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة: هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فهل تريد أن تسقيه؟ فظنّ قرّة من ذلك أنّه يريد الاعتزال ويكره أن يشاهده فتركه، فأخذ الحرّ يدنو من الحسين (عليه السلام) قليلًا، فقال له المهاجر بن أوس: أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذته الرعدة، فارتاب المهاجر من هذا الحال، وقال له: لو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة؟ لَما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟ فقال الحرّ: إنّي أُخيِّر نفسي بين الجنّة والنّار، والله لا أختار على الجنّة شيئًا ولو أُحرقت. ثمّ ضرب جواده نحو الحسين (عليه السلام) منكّسًا رمحه، قالبًا ترسه، وقد طأطأ برأسه؛ حياءً من آل الرسول، بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان، على غير ماء ولا كلأ، رافعاً صوته: اللّهمّ إليك أُنيب فتب عليَّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك. يا أبا عبد الله إنّي تائب، فهل لي من توبة؟ فقال الحسين (عليه السلام): «نعم، يتوب الله عليك»" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المقرّم، السيّد عبد الرزّاق، مقتل الحسين (عليه السلام)، ص 236، ط: مؤسّسة البعثة.
صلاة عاشوراء:
"بالرغم ممّا كان الإمام (عليه السلام) يعانيه من الخطوب الفادحة، التي تتصدّع من هولها الجبال فإنَّ فكره كان مشغولًا بأداء فريضة الصلاة، التي هي من أهم العبادات في الإسلام، وطلب من أعدائه أن يمهلوه ليصلّي لربّه، فاستجابوا له، وأقبل على اللّه بقلب منيب فصلّى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف، وكانت صلاته في تلك اللحظات الرهيبة من أصدق مظاهر الإخلاص والطاعة للّه، وانبرى أمام الحسين (عليه السلام) سعيد بن عبد اللّه الحنفيّ، يقيه بنفسه السهام والرماح، التي تواجهه من معسكر الأعداء" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 222 ــ 223، ط: مدرسة الإيرواني.
استشهاد علي الأكبر (عليه السلام):
"جعل علي الأكبر يقاتل أشد القتال وأعنفه حتى قتل تمام المئتين، وقد ضج العسكر فيما يقول المؤرّخون من شدّة الخسائر التي مني بها، فقال الوضر الخبيث مرة بن منقذ العبدي: عليّ آثام العرب إن لم أثكل أباه، وأسرع الخبيث إلى شبيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فطعنه بالرمح في ظهره وضربه ضربة غادرة بالسيف على رأسه ففلق هامته، وأعتق علي فرسه يظن أنّه يرجعه إلى أبيه ليتزوّد بالنظر إليه، إلا أنّ الفرس حمله الى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كلّ جانب ولم يكتفوا بقتله وإنّما راحوا يقطّعونه بسيوفهم إربًا إربًا تشفّيًا منه؛ لما ألحقه بهم من الخسائر الفادحة" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 247 ــ 248 ، ط: مدرسة الإيرواني.
تجهيز القاسم (عليه السلام) للقتال:
"في طليعة أبناء الإمام الحسن القاسم [عليهما السلام]، وكان فيما وصفه المؤرّخون كالقمر في بهائه وجماله، وكرونق الزهور في زهوه ونضارته، وقد أنعم اللّه عليه وهو في سنه المبكّر بإشراق العقل وفطنة النفس وعزّة الإيمان، وقد غذّاه عمّه بمواهبه، وأفرغ عليه أشعّة من روحه حتى صار مثلًا للكمال وقدوة للإيمان.
وكان القاسم يرنو الى عمّه ويتطلّع إلى محنته، ويودّ أن يرد عنه عوادي الأعداء بدمه، وكان يقول: «لا يقتل عمي وأنا أحمل السيف».
ولمّا رأى وحدة عمّه أحاطت به الآلام الهائلة، اندفع يطلب منه الأذن؛ ليجاهد بين يديه، فاعتنقه الإمام (عليه السلام)، وعيناه تفيضان دموعًا، وأذن له بالجهاد بعد إلحاحه" (1).
"فمسك الحسين (عليه السلام) على يد القاسم وأدخله الخيمة، وطلب عونًا وعبّاسًا [عليهما السلام]، وقال لأم القاسم (عليه السلام): ليس للقاسم ثياب جدد؟ قالت: لا، فقال لأخته زينب [عليها السلام]: آتيني بالصندوق، فأتته به، ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن [عليه السلام] وألبسه القاسم [عليه السلام]، ولفَّ على رأسه عمامة الحسن [عليه السلام]" (2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 254 ــ 255، ط: مدرسة الإيرواني.
(2) الطريحي، الشيخ فخر الدين، الفخري (منتخب الطريحي)، ص 342، ط: مؤسّسة التاريخ العربي.
القاسم (عليه السلام) يشدّ شسع نعله في أرض المعركة:
"انطلق الفتى [أي: القاسم (عليه السلام)] ببطولة رائعة، وهو لا يعرف الخوف، ويهزأ من الحياة، ولم يضف على جسده لامة حرب، وإنّما صحب معه سيفه، والتحم مع الأعداء، يضرب الأعناق، ويحصد الرؤوس، كأنّ المنايا كانت طوع أمره، يقذف بها من يشاء، وبينما هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله، فأنف سليل النبوة أن تكون إحدى رجليه بلا نعل، فوقف يشدّه متحدّيا تلك الوحوش الكاسرة، وغير حافل بها، واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزديّ، فقال: واللّه لأشدنّ عليه،...، وشدّ عليه فضربه بالسيف على رأسه الشريف، وهوى [عليه السلام] إلى الأرض صريعًا كما تهوي النجوم" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 255، ط: مدرسة الإيرواني.
مولانا العباس (عليه السلام) يستأذن من الإمام الحسيّن (عليهما السلام)؛ لجلب الماء:
"لمّا رأى [أي: مولانا العبّاس (عليه السلام)] وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين باعوا نفوسهم للّه انبرى إليه يطلب منه الرخصة؛ ليلاقي مصيره المشرق، فلم يسمح له الإمام وقال له بصوت خافت حزين النبرات: «أنت صاحب لوائي»" (1).
"وألحّ عليه أبو الفضل قائلًا: «لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين، وأريد أن آخذ ثأري منهم»، لقد ضاق صدره وسئم من الحياة حينما رأى الكواكب المشرقة، من إخوته وأبناء إخوته وعمومته، صرعى مجزّرين على رمال كربلاء فتحرّق شوقًا؛ للالتحاق بهم، والأخذ بثأرهم، وطلب منه الإمام أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال، الذين صرعهم العطش" (2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 264، ط: مدرسة الإيرواني.
(2) المصدر نفسه، ص 264 ــ 265.
مولانا العبّاس (عليه السلام) عند المشرعة:
"سمع الأبيّ الشهم صراخ الأطفال، وهم يستغيثون وينادون: العطش العطش، الماء الماء، فرآهم أبو الفضل العباس ـ ويا لهول ما رأى ـ قد ذبلت شفاههم، وتغيّرت ألوانهم، وأشرفوا على الهلاك من شدّة الظمأ، فالتاع كأشد ما يكون الالتياع، وسرى الألم العاصف في محيّاه، واندفع ببسالة لإغاثتهم فركب جواده وأخذ معه القربة، فاقتحم الفرات، وقد استطاع بقوّة بأسه، أن يفك الحصار الذي فرض على الماء، وقد انهزم الجيش من بين يديه، فقد ذكّرهم ببطولات أبيه، فاتح خيبر ومحطّم فلول الشرك، وقد انتهى إلى الماء، وكان قلبه الشريف قد تفتّت من العطش، واغترف من الماء غرفة ليشرب منه، إلّا أنّه تذكّر عطش أخيه ومَن معه من النساء والأطفال، فرمى الماء من يده، وامتنع أن يروي غليله، وهو يقول:
يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون *** وتشربين بارد المعين
تالله ما هذا فعال ديني" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 265 ــ 266، ط: مدرسة الإيرواني.
الإمام الحسين عند أخيه العباس (عليهما السلام):
"هوى [أي: مولانا العبّاس (عليه السلام)] الى الأرض، وهو يؤدّي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلًا: «عليك منّي السلام أبا عبد اللّه»، وحمل الأثير كلماته إلى أخيه، فخرقت قلبه، ومزّقت أحشاءه، وانطلق وهو خائر القوى، منهد الركن، فاقتحم بجواده جيوش الأعداء، ووقف على الجثمان المقدّس، وهو يعاني آلام الاحتضار، وألقى بنفسه عليه، فجعل يشمّه، ويضمخه بدموع عينيه، وهو يلفظ شظايا قلبه، الذي مزّقته الكوارث قائلًا: «الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، [وشمت بي عدوّي]»، وجعل الإمام يطيل النظر إلى جثمان أخيه وهو يذكر أخوّته الصادقة، ووفاءه النادر، وشهامته الفذّة" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القرشي، الشيخ باقر شريف، حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، ج3، ص 268، ط: مدرسة الإيرواني.
استشهاد عبد الله الرضيع (عليه السلام):
"ودعا [أي: الإمام الحسين (عليه السلام)] بولده الرضيع يودّعه، فأتته زينب [عليها السلام] بابنه عبد الله، وأُمّه الرباب، فأجلسه في حجره يقبّله، ويقول: «بُعدًا لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى [صلى الله عليه وآله] خصمهم»، ثمّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء، فرماه حرملة بن كاهل الأسديّ بسهم فذبحه، فتلقّى الحسين (عليه السلام) الدم بكفّه، ورمى به نحو السّماء، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «فلم تسقط منه قطرة»" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المقرّم، السيّد عبد الرزّاق، مقتل الحسين (عليه السلام)، ص 272، ط: مؤسّسة البعثة.
جواد الإمام الحسين (عليه السلام):
"وأقبل الفرس يدور حوله [عليه السلام]، ويلطّخ ناصيته بدمه، فصاح ابن سعد:
دونكم الفرس؛ فإنّه من جياد خيل رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فأحاطت به الخيل، فجعل يرمح برجلَيه حتّى قتل أربعين رجلًا وعشرة أفراس.
فقال ابن سعد: دعوه لننظر ما يصنع.
فلمّا أمِن الطلب، أقبل نحو الحسين (عليه السلام) يمرّغ ناصيته بدمه ويشمّه، ويصهل صهيلًا عاليًا، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «كان يقول: الظليمة الظليمة، من أُمّة قتلتْ ابن بنت نبيّها»، وتوجّه نحو المخيّم بذلك الصهيل" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المقرّم، السيّد عبد الرزّاق، مقتل الحسين (عليه السلام)، ص 283، ط: مؤسّسة البعثة.
السيدة زينب (عليها السلام) عند أخيها الحسين (عليهما السلام):
نادت السيّدة الحوراء زينب (عليها السلام) في يوم عاشوراء بعد تلك الفاجعة العظمى:
"وا محمّداه! وا أبتاه! وا عليّاه! وا جعفراه! وا حمزتاه!، هذا حسين بالعراء، صريع بكربلاء، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل" (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المقرّم، السيّد عبد الرزّاق، مقتل الحسين (عليه السلام)، ص 284، ط: مؤسّسة البعثة.