جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله قواعد اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
الاسرة و المجتمع
عدد المواضيع في القسم ( 2847) موضوعاً
السيرة النبوية

التاريخ: 2 / نيسان / 2015 م 518
التاريخ: 26 / كانون الثاني / 2015 462
التاريخ: 28 / 7 / 2016 330
التاريخ: 22 / 11 / 2015 442
مقالات عقائدية

التاريخ: 5 / تشرين الاول / 2014 م 629
التاريخ: 18 / 12 / 2015 719
التاريخ: 6 / آيار / 2015 م 700
التاريخ: 9 / تشرين الثاني / 2014 م 743
تطوير الثقة  
  
16   01:05 مساءً   التاريخ: 7 / 12 / 2017
المؤلف : ديل كارنيجي
الكتاب أو المصدر : طريقة سهلة وسريعة للحديث الفعال
الجزء والصفحة : ص43-66


أقرأ أيضاً
التاريخ: 1 / 12 / 2016 36
التاريخ: 2 / 9 / 2016 42
التاريخ: 29 / 6 / 2016 158
التاريخ: 24 / 5 / 2017 87

( أيها السيد كارينجي، لقد حضرت منذ خمس سنوات الى الفندق الذي كنت تلقي فيه محاضرة، سرت متجهاً نحو باب غرفة الاجتماع ثم توقفت، كنت أعلم أنني إذا دخلت هذه الغرفة، وانضممت الى الدورة، أضطر إن عاجلاً أم آجلاً – الى إلقاء كلمة، تجمدت يدي على مقبض الباب، ولم أستطع الدخول، فاستدرت خارجاً من الفندق.

(آه لو علمت حينئذ كيف تُسهّل على المرء قهر خوفه، الخوف الصاعق من الجمهور، لما كنت خسرت هذه الأعوام الخمسة الماضية).

الرجل الذي نطق بهذه الكلمات التي تكشف عما في نفسه لم يكن يتحدث عبر مكتب، أو مائدة، بل كان يوجه كلامه الى جمهور مكون من حوالي مائتي شخص، كان ذلك في حفل التخرج من إحدى دوراتي في مدينة نيويورك، أثار الرجل إعجابي بثقته بنفسه، واتزانه وهو يلقي كلمته، ها هو رجل أظن أن مهاراته التنفيذية سوف تزداد بدرجة هائلة، نظراً لما اكتسبه مؤخراً من قدرة على التعبير، وثقة بالنفس، وسُررت كثيراً – بصفتي معلمه – لأني رأيته وقد قهر الخوف، ولم أستطع منع نفسي من التفكير في القدر الهائل من النجاح – بل والأكثر من ذلك هي السعادة، ذلك النجاح – الذي كان الرجل سيحققه لو أن انتصاره على الخوف جاء منذ خمس، أو عشر سنوات.

قال اميرسون: (يهزم الخوف أناساً أكثر من أي شئ آخر في الدنيا). آه لكَمْ أنا وعيت الحقيقة المرة لهذه المقولة. وكم أنا ممتن لأنني – خلال حياتي – تمكنت من إنقاذ الناس من الخوف، وعندما بدأت تدريس دورتي في عام 1912، لم أدرك أن هذا التدريب سيثبت أنه واحد من أفضل الطرق التي تم ابتكارها لمساعدة الناس للقضاء على شعورهم بالخوف، والنقص. لقد وجدت أن تعلم الحديث العام هو الوسيلة الطبيعية للتغلب على الخجل، وبناء الشجاعة، والثقة بالنفس. لماذا؟ لأن الحديث العام يجعلنا نتعامل بجدية مع مخاوفنا.

في السنوات التي أمضيتها أدرب الرجال، والنساء على الحديث العام، توصلت الى بعض الأفكار لو مارستها، فسوف تساعدك – في أسابيع قليلة – على تطوير الثقة، وقهر الخوف من الجمهور.

أولاً: اعرف حقائق الخوف من الحديث العام

الحقيقة الأولى:

لست وحدك الذي تخاف من الحديث العام، تشير الدراسات في الكليات الى أن نسبة 80% الى 90% من الطلاب المقيدين في مقررات الحديث يعانون من رهبة الجمهور في بداية الدورة، وأنا أميل الى الاعتقاد أن الرقم يزيد عن ذلك بين الكبار في بداية دورتي، حيث تصل النسبة الى 100% تقريباً.

الحقيقة الثانية:

هناك مقدار معين من رهبة الجمهور يعتبر مفيداً ! إنها الطريقة التي تستخدمها الطبيعة لإعدادنا لمواجهة التحديات غير العادية في بيئتنا. لذا، فإنك عندما تشعر بنبضك يزداد، وتنفسك يتسارع، فلا تنزعج، فإن جسدك – الذي ينتبه دائماً للمثيرات الخارجية – يستعد لاتخاذ الفعل، وإذا ما تمت السيطرة على هذه الاستعدادات العضوية، فستكون قادراً على التفكير بأكثر سرعة، والتكلم أكثر فصاحة، والتحدث – بشكل عام – بقوة أكبر مما يحدث في الظروف العادية.

الحقيقة الثالثة:

لقد أكد لي كثير من المتحدثين المحترفين أنهم لم يتخلصوا أبداً من رهبة الجمهور بالكامل، فهم غالباً يشعرون بها قبيل بدء حديثهم تماماً، وقد تستمر على مر الجمل القليلة الأولى من حديثهم، وهذا هو ما يدفعه هؤلاء الرجال، والنساء ثمناً لكونهم مثل جياد الرهان، وليس مثل الجياد التي تجر العربات، فالمتحدثون الذين يقولون أنهم (باردون مثل الخيار) في جميع الأوقات إنما هم ذوو جلد سميك مثل الخيار، وهم يُلهمون مثلما يُلهم الخيار).

الحقيقة الرابعة:

السبب الرئيسي وراء خوفك من الحديث العام يرجع فحسب الى عدم اعتيادك التحدث أمام الجمهور. يقول البروفسور روينسون في (العقل في طور التكوين): (إنما الخوف وليد غير شرعي للجهل، والشك)، وبالنسبة لمعظم الناس يعتبر الحديث العام شيئاً مجهولاً، وبالتالي فهو متخم بالقلق وعوامل الخوف، وهو يعتبر بالنسبة للمبتدئ سلسلة معقدة من المواقف الغريبة، وهو أكثر تعقيداً من تعلم لعبة التنس، أو قيادة السيارات على سبيل المثال. ومن أجل تبسيط هذا الموقف المخيف وتيسيره: عليك بالممارسة، ثم الممارسة، ثم الممارسة، كي تجد مثلما حدث مع الآلاف المؤلفة غيرك – أنه يمكن جعل الحديث العام متعة بدلاً من كونه ألماً، كل ذلك من خلال التعرف على تجارب الحديث الناجحة، وجعلها دافعاً لك.

القصة التي تصور كيفية تغلب المحاضر البارز وعالم النفس الشهير ألبرت إدوارد ويجام على مخاوفه تمثل لي دائماً مصدر إلهام منذ قرأتها لأول مرة، وهو يروي لنا كيف كان ينتابه الرعب لفكرة الوقوف في المدرسة الثانوية، وإلقاء كلمة.

كتب يقول: (مع اقتراب ذلك اليوم، أصابني مرض حقيقي، وكلما كانت تخطر ببالي هذه الفكرة البغيضة، كانت تتدفق الدماء الى رأسي، وتتوهج وجنتاي على نحو مؤلم لدرجة أنني كنت أذهب خلف مبنى المدرسة، وألصقهما بالحائط البارد في محاولة لتخفيف إحمرارهما الشديد، ونفس الشئ كان يحدث معي في الكلية.

وفي إحدى المناسبات اعتنيت بحفظ خطبة تقول بدايتها: (آدم وجيفرسون ذهبا الى الأبد)، وعندما واجهت الجمهور أصابني الدوار وكدت أفقد الوعي. أين أنا، بعد محاولات استطعت أن أنطق لاهثاً بالجملة الافتتاحية قائلاً إن (آدمز وجيفرسون قد ماتا)، ولم أستطع التفوه بكلمة أخرى، لذا فقد انحنيت.. وسرت في إجلال عائداً الى مقعدي وسط التصفيق الحاد، فنهض الرئيس وقال (حسناً يا إدوارد، لقد صدمنا لسماع الأخبار السيئة، ولكننا سنبذل قصارى جهدنا لنتحلى بالجلد في ظل هذه الظروف)، وأثناء الضحكة الصاخبة التي أعقبت كلامه تمنيت أن لو جاء الموت ليخلصني، وسقطت صريع المرض لعدة أيام تالية.

(ويقيناً، فإن آخر شئ كنت أتوقعه في الدنيا أن أكون متحدثاً).

بعد أن أنهى ويجام دراسته الجامعية بعام كان موجوداً في (ينفر)، عندما كانت حملة عام 1896 السياسية تغلي حول قضية (فري سيلفر)، وفي أحد الأيام قرأ منشوراً يشرح طروح أعضاء (فري سيلفر)، فثار بشدة على – ما اعتبره – أخطاء برايان وأتباعه ووعودهم الجوفاء، لدرجة أنه رهن ساعة يده ليحصل على المال اللازم لعودته الى موطنه بولاية إنديانا، وذات مرة عرض خدماته لإلقاء كلمة حول موضوع العملة النقدية السليمة، وكان الجمهور يضم كثيراً من أصدقاء مدرسته القدامى، كتب يقول: (عندما بدأت كلمتي سيطرت عليّ صورة حديثي في الكلية عن آدمز وجيفرسون، فشعرت بالاختناق وتلعثمت، وبات واضحاً أن كل شئ قد ضاع، ولكن مثلما كان يقول (تشاوني ديبيو)، كثيراً فإنني أنا والجمهور تمكنا بشكل ما أن ننجح ونتجاوز المقدمة، وقد شجعني هذا النجاح الضئيل على مواصلة الحديث لمدة ظننت أنها حوالي خمس عشرة دقيقة، ولدهشتي فقد اكتشفت أنني ظللت أتحدث لمدة ساعة ونصف! ونظراً لذلك فقد كنت – في غضون السنوات القليلة التالية – أكثر الناس دهشة إذ وجدت أنني أتكسب عيشي من خلال احتراف الحديث.

لقد علمت بنفسي ما الذي كان وليام جيمس يعنيه بعادة النجاح).

نعم، لقد تعلم ألبرت إدوارد ويجام أن واحدة من أنجح الطرق للتغلب على الخوف المدمر من الحديث هي أن تتعرف على التجارب الناجحة، وتستمد منها التشجيع.

وينبغي أن تتوقع قدراً معيناً من رهبتك للجمهور كلازم طبيعي لرغبتك في الحديث، ويجب أن تتعلم الاعتماد كذلك على قدر محدود من رهبة الجمهور لمساعدتك على إلقاء كلمة أفضل.

وإذا ما أفلت زمام رهبة الجمهور من يدك، وأصبحت تحد من فاعليتك بشدة بأن تسبب لك عوائق ذهنية، أو نقص في الفصاحة، أو تقلصات في الوجه يتعذر التحكم فيها، أو تقلصات عضلية مفرطة، فلا تيأس، فهذه الأعراض ليست غريبة على المبتدئين، وإذا بذلت جهداً، فسرعان ما تجد أن درجة رهبتك من الجمهور قد انخفضت الى النقطة التي تجعلها عوناً لك لا عائقاً أمامك.

ثانياً: استعد بالطريقة المناسبة

كان المتحدث الرئيسي في مأدبة الغداء التي أقامها أحد نوادي روتاري نيويورك، منذ عدة سنوات مضت مسؤولاً حكومياً بارزاً، كنا نتطلع الى سماعه، وهو يصف أنشطة إدارته كان واضحاً منذ الوهلة الأولى أنه لم يعد كلمته مسبقاً، فحاول في البداية أن يتحدث إرتجالاً، وعند فشل هذه المحاولة أخرج من جيبه حزمة من الأوراق المبعثرة، وظل لحظة يقلب فيها بارتباك، وفي كل مرة يزداد حرجه، وإخفاقه في إلقاء كلمته، ولحظة بعد لحظة تملكته الحيرة، ووقف عاجزاً تماماً، ولكنه ظل يتعثر ويعتذر محاولاً الوصول الى أقل شئ ذي معنى من أوراقه رافعاً كوباً من الماء بيدين مرتعشتين الى شفتيه الظامئتين. حقاً كان صورة حزينة لرجل قهره الخوف، وهذا مرجعه في الغالب الى عدم الإعداد المسبق، وفي النهاية جلس الرجل وهو في اقصى درجات المهانة التي تعرض لها متحدث من قبل. لقد ألقى كلمته بالطريقة التي تكتب بها خطابات الغرام – كما يقول روسو – حيث بدأ دون معرفة ما سيقوله، وانتهى دون معرفة ما قاله.

أصبح ضمن واجبي المهني منذ عام 1912 أن أتولى تقييم أكثر من خمسة آلاف كلمة سنوياً، ومن خلال هذه التجربة يبرز لي درس عظيم بروز قمة إفرست، ويتضاءل بجواره كل ما عداه، ألا وهو: المتحدث المستعد وحده هو الذي يستحق ثقته بنفسه. كيف لأي شخص مهما كان أن يقتحم قلعة الخوف إذا ما دخل المعركة بأسلحة فاسدة، أو بدون ذخيرة على الإطلاق؟ قال لنكولن: (أعتقد أنني لن أجتاز مرحلة الحرج أثناء الحديث ما دمت لا أمتلك شيئاً أقوله).

وإذا ما كنت تريد تطوير الثقة، فلماذا لا تفعل الشئ الوحيد الذي يمنحك الأمان كمتحدث؟ كتب أحد الدعاة يقول: (الحب الكامل يطرد الخوف)، ومثله تماماً يفعل الاستعداد الكامل، وقال دانيال وبستر أنه يعتبر ظهور المرء أمام الجمهور نصف مستعد بمثابة ظهوره أمامهم نصف عارٍ.

لا تستظهر حديثك كلمة بكلمة

عندما قلت (الإعداد الكامل) هل كنت أعني بذلك استظهار كلمتك؟ إني أجيب على هذا السؤال قائلاً كلا بكل عنف، وكثير من المتحدثين يحاولون حماية أنفسهم من أخطار الفشل أمام الجمهور، فيقعون في شرك الاستظهار، وإذا ما وقع المتحدث فريسة لإدمان هذا المخدر العقلي، فإنه يرتبط – بلا فكاك – بطريقة إعداد مُضيعة للوقت وإطالة فترة المتحدث على المنصة.

عندما كان اتش. في . كاليتنبورن – عميد المعلقين الإخباريين الأمريكيين – طالباً بجامعة هارفارد شارك في مسابقة للخطابة، فاختار قصة قصيرة بعنوان (أيها السادة: (الملك) استظهر هذه القصة كلمة بكلمة، وتدرب على إلقائها مئات المرات، وفي يوم المسابقة أعلن عنوان القصة (أيها السادة: الملك)، ثم نسى كل شئ، وتبخرت القصة من ذاكرته، فأصابه الرعب وفي محاولة يائسة أخذ يسرد القصة من خلال فهمه لها، وقد كان أشد الفتية مفاجأة عندما منحه المحكمون الجائزة الأولى، ومنذ ذلك اليوم، وحتى الآن لم يقرأ إتش. في كالتينبورن، ولم يستظهر كلمة أبداً. كان ذلك هو سر النجاح في عمله الإذاعي، فهو يقوم بإعداد بعض الملاحظات، ثم يتكلم أمام مستمعيه بطبيعته، وبدون نص.

الرجل الذي يكتب أحاديثه ويستظهرها إنما هو يبدد وقته وطاقته، وسيؤدي به أسلوبه هذا الى كارثة، فطوال حياتنا، ونحن نتحدث عفوياً، فلا نفكر في الكلمات، بل نركز على الأفكار، فإذا ما كانت أفكارك واضحة، فإن الكلمات تخرج بطبيعتها، وبلا تكلف مثل الهواء الذي نتنفسه.

حتى ونستون تشرشل كان عليه أن يتعلم ذلك الدرس من خلال التجربة الصعبة، فعندما كان تشرشل شاباً كان يكتب أحاديثه ويستظهرها، ثم حدث ذات يوم أن وقف أمام البرلمان البريطاني لإلقاء كلمة محفوظة عن ظهر قلب، فتوقف عقله تماماً ولم ينطق ببنت شفة. شعر تشرشل بالحرج والمهانة! وأخذ يكرر جملته الأخيرة مرة تلو أخرى. مرة ثانية مُحيت ذاكرته، وأصطبغ وجهه باللون القرمزي، فجلس، ومنذ ذلك الحين لم يحاول أبداً إلقاء كلمة مُستظهرة.

وإذا ما حفظنا كلمتنا عن ظهر قلب، فربما ننساها عندما نواجه مستمعينا، وحتى إذا لم ننسها، فمن المحتمل أن نلقيها بطريقة آلية. لماذا؟ لأنها لن تخرج من قلوبنا بل ستخرج من ذاكرتنا، وعند حديثنا المنفرد مع الناس نفكر دائماً في شئ نريد قوله، ثم نمضي قُدماً ونقوله دون التفكير في الكلمات، ونحن نفعل هذا طيلة حياتنا. فلمَ نحاول تغييره الآن؟ إننا إذا كتبنا أحاديثنا، واستظهرناها فقد نمر بنفس التجربة التي مر بها فانس بوشنيل.

تخرج فانس من مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وفي وقت لاحق أصبح نائباً لرئيس واحدة من كبريات شركات التأمين في العالم، وهي شركة ذي إكويتابل لايف أشورانس سوسايتي. ومنذ سنوات مضت طلب من فانس مخاطبة مؤتمر يضم ألفين من ممثلي الشركة في كل أنحاء أمريكا، والمنعقد في ويست فيرجينيا. في ذلك الوقت كان يعمل في مجال التأمين على الحياة منذ عامين فقط ، ومع ذلك فقد حقق نجاحاً كبيراً، لذا تم اختياره لإلقاء كلمة مدتها عشرون دقيقة.

ابتهج فانس لهذا الأمر، وشعر أنه يمنحه الهيبة، ولكن لسوء الحظ قام فانس بكتابة كلمته واستظهارها، ورددها أربعين مرة أمام المرآة، أصبحت الكلمة بالنسبة له كالماء الجاري، فهو يحفظ كل عبارة، وكل إيماءة، وكل تعبير من تعبيرات وجهه حتى ظن أن الكلمة لا ينقصها شئ.

ولكن عندما وقف فانس لإلقاء خطابه كان شديد الخوف. بدأ كلمته قائلاً: (إن دوري في هذا البرنامج..) ثم تلاشى الكلام من ذهنه، وفي خضم ارتباكه خطا خطوتين الى الخلف، وحاول أن يبدأ من جديد مرة أخرى فلم يجد ما يقوله. مرة أخرى خطا خطوتين الى الخلف، وحاول من البداية. كرر هذه العملية ثلاثة مرات، كان ارتفاع المنصة أربعة أقدام، ولم يكن هناك سور في المؤخرة، بل فضاء عرضه خمسة أقدام يفصل مؤخرة المنصة عن الحائط، لذا في المرة الرابعة سقط خلف المنصة واختفي، انفجر الجمهور ضاحكاً! حتى إن رجلاً سقط من على مقعده، وتدحرج في الممر، ولم يسبق في تاريخ شركة إكويتابل لايف أشورانس سوسايتي قبل ذلك الحدث، أو بعده – أن قدم أحد عرضاً كوميدياً كهذا. الجزء المدهش من القصة هو أن الجمهور ظن أن هذا فاصل كوميدي حقيقي، وما زال قدامى موظفي الشركة يتحدثون عن أداء فانس.

ولكن ماذا عن المتحدث، فانس بوشنيل؟ أخبرني فانس بوشنيل بنفسه أن تلك المناسبة كانت الأكثر إحراجاً له في حياته، وقد شعر بالمهانة لدرجة أنه كتب استقالته.

قام رؤساء فانس بوشنيل لإقناعه بتمزيق الاستقالة، وأعادوا له ثقته بنفسه، وأصبح فانس – في السنوات اللاحقة – واحداً من أكثر المتحدثين فاعلية في شركته، ولكنه لم يستظهر حديثاً مرة أخرى. دعنا نستفيد من تجربته.

سمعت مئات من الرجال، والنساء الذين يحاولون إلقاء كلمات يستظهرونها، ولكن على يقين أنهم لو ألقوا بهذه الكلمات في سلة المهملات لكانوا متحدثين أكثر فاعلية وإنسانية، لو أنهم فعلوا ذلك، فلربما نسوا بعض النقاط، وتلعثموا قليلاً، ولكنهم على الأقل – كانوا سيتسمون بالإنسانية.

ذات مرة قال آب لنكولن: (لا أود سماع خطبة معدة مسبقاً، وعندما أسمع واعظاً أحب أن أراه يتصرف كما لو كان يحارب نحلاً) قال لنكولن أنه يريد سماع الخطيب، وهو يخرج عن وعيه ويهتاج، فليس هناك خطيب يتصرف كما لو كان يحارب نحلاً في الوقت الذي يحاول فيه استرجاع كلمات مستظهرة.

جمّع أفكارك ورتبها مسبقاً

إذن ما هي الطريقة الصحيحة لإعداد كلمة؟ هذه هي الطريقة ببساطة: ابحث في خلفيتك عن التجارب الهامة التي علمتك شيئاً عن الحياة، وجمع خواطرك، وأفكارك وقناعاتك التي استقيتها من هذه التجارب، والإعداد الحقيقي يعني إطالة التفكير في موضوعاتك، وكما قال الدكتور تشارلز رينولد براون منذ بضعة سنوات مضت في سلسلة لا تنسى من المحاضرات في جامعة يال: (فكر ملياً في موضوعك حتى يصبح سلساً، وقابلاً للتوسع... ثم دوّن كل هذه الأفكار على الورق، مجرد كلمات قليلة تكفي لتثبيت الفكرة...، دوّنها على قصاصات من الورق، وسوف تجد من السهل أن ترتب وتنظم هذه القطع المبعثرة عندما يحين وقت ترتيب مادتك). هذا لا يبدو برنامجاً صعباً، أليس كذلك؟ كلا، إنه ليس صعباً، إنما هو يتطلب مجرد القليل من التركيز، والتفكير المفيدين.

تدرب على إلقاء كلمتك أمام أصدقائك

هي ينبغي عليك ترديد كلمتك بعد أن ترتبها بطريقة ما؟ نعم وبأي ثمن، وإليك طريقة مؤكدة وسهلة وفعالة، استخدم الأفكار التي اخترتها لكلمتك في كل محادثاتك اليومية مع أصدقائك وزملائك، وبدلاً من التحدث عن نتائج المباريات، اتكئ على مائدة الغداء، وقل شيئاً من هذا القبيل: (أنت تعلم يا جو أنني مررت بتجربة غريبة ذات يوم، وأريد أن أطلعك عليها)، ربما يكون جو سعيداً لسماع قصتك، ارقب ردود أفعاله، وانصت الى استجابته. فربما كانت لديه فكرة شيقة ذات قيمة، ولن يعرف أنك تعيد على مسامعه كلمتك، وهذا لا يهم في حقيقة الأمر. ولكن المحتمل قوله بأنه استمتع بالمحادثة.

يوجه المؤرخ البارز (آلان نيفينز) نصيحة للكتاب، فيقول: (أمسك بصديق لديه اهتمام بالموضوع واتل على مسامعه ما تعلمته بالكامل، فأنت بهذه الطريقة تكتشف حقائق التفسير التي ربما فاتتك، ونقاط الجدال التي لم تتأكد منها، والشكل الأنسب للقصة التي سترويها)

ثالثاً: اعقد العزم على النجاح

أنت تذكر أن هذه الجملة استخدمت في الفصل الأول عند الإشارة الى اتخاذ الموقف الملائم تجاه التدريب على الحديث العام بشكل واضح، والقاعدة نفسها تنطبق على المهمة المعينة التي تواجهك الآن، وهي أن تجعل من كل فرصة تواتيك للحديث تجربة ناجحة، وهناك ثلاث طرق  لفعل هذا:

استغرق في موضوعك

بعد أن اخترت موضوعك، ورتبته وفقاً لخطة، وتدربت على إلقائه بأن (تلوته) على مسامع أصدقائك، فإن إعدادك للكلمة لم ينته بعد. إذ لابد من إقناع نفسك بأهمية موضوعك، ولابد أن يكون لديك الشئ الذي ألهم كل الشخصيات التاريخية العظيمة، وهو الإيمان بقضيتك. إذن كيف تؤجج مشاعر الإيمان بموضوعك؟ باستكشاف كل مراحله، وفهم معانيه العميقة، وبأن تسأل نفسك كيف تساعد كلمتك الجمهور على ان يكونوا أناساً أفضل من خلال استماعهم لك.

لا تهتم بالمثيرات السلبية التي قد تزعجك

على سبيل المثال إذا فكرت في ارتكابك لأخطاء نحوية، أو في التوقف فجأة وأنت في منتصف كلمتك، فهذا حتماً يعتبر تصوراً سلبياً يمكنه أن يسلبك الثقة قبل البدء، ومن المهم جداً أن تحول الانتباه عن نفسك قبل أن تبدأ الحديث. ركز على ما يقوله المتحدثون الآخرون، وأعرهم اهتمامك الخالص، ولن ينتابك قدر ضئيل من رهبة الجمهور.

وجّه لنفسك كلمة تشجيع

كل متحدث يمر بلحظات من الشك في المادة التي اختارها موضوعاً لكلمته، إلا إذا كان مستغرقاً في قضية عظيمة كرّس لها حياته، وسيسأل نفسه ما إذا كان الموضوع مناسباً له، وهل سيحظى باهتمام الجمهور، وحتماً سيجد ما يغريه بتغيير الموضوع، وفي مثل هذه الأوقات التي يحتمل أن تدمر فيها الأفكار السلبية الثقة بالنفس، ينبغي عليك أن توجه لنفسك كلمة تشجيع، فتقول – بعبارات واضحة ومباشرة – أن كلمتك هي الأنسب لأنها نابعة من تجربتك، ومن رأيك في الحياة. قل أنك مؤهل أكثر من أي شخص آخر بين الجمهور لإلقاء هذه الكلمة بعينها، واقسم أنك ستبذل قصارى جهدك لتوصيلها إليهم. أتردد علينا تعاليم كويُه ذات الأسلوب القديم؟ مُحتمل، ولكن علماء النفس التجريبي الحديث يتفقون الآن على أن الدافع القائم على الإيحاء الذاتي يعتبر واحداً من أقوى حوافز التعلم السريع، حتى عند التظاهر به، إذن فما مدى قوة تأثير الكلمة التشجيعية الصادقة القائمة على الحقيقة.

رابعاً: تصرف بثقة

أشهر عالم نفس أنجبته أمريكا، وهو البروفسور وليام جيمس كتب يقول:

(يبدو أن الأفعال تتبع المشاعر، ولكن في الحقيقة أن الفعل والشعور يسيران جنباً الى جنب، ومن خلال تنظيم الفعل – الموجود تحت السيطرة المباشرة للإرادة – يمكننا – بشكل غير مباشر – تنظيم الشعور، الذي لا يخضع للإرادة.

إذن فالطريق الاختياري الفعال الى البهجة – إذا ما فقدنا بهجتنا الذاتية – هو أن نجلس مبتهجين، ونتصرف ونتحدث كما لو كنا مبتهجين فعلاً، وإذا لم يتمخض ذلك السلوك عن

شعورنا بها، فلا يمكن لشئ آخر في تلك اللحظة تحقيقها لنا.

(لذا فلكي نشعر بأنا شجعان؛ فلنتصرف كما لو كنا شجعان، ولنحشد كل إرادتنا لتحقيق تلك الغاية، ومن الراجح دائماً أن تحل نوبة من الشجاعة عند مواجهتك للجمهور، تصرف كما لو كنت شجاعاً بالفعل، وبالطبع أنك لو لم تكن مستعداً للحديث، فأنت مهما فعلت لن تحقق إلا قليلاً، ومع افتراض معرفتك لموضوع كلمتك، عليك أن تخطو خارجاً برشاقة وتأخذ نفساً عميقاً، وفي واقع الأمر لابد أن تتنفس بعمق لمدة ثلاثين ثانية قبل مواجهة جمهورك، فالزيادة في إمداد الأوكسجين، تدعمك وتمنحك الشجاعة. وكثيراً ما كان التينور العظيم (جان دي ريزك) يقول أنك عندما تتنفس بعمق؛ ستتلاشى عصبيتك.

قف منتصباً بطول قامتك، وانظر مباشرة الى أعين جمهورك، وابدأ حديثك بثقة كما لو كان كل واحد منهم مدين لك بمبلغ من المال، تصور أنهم مدينون لك فعلاً، وأنهم اجتمعوا هنا كي يتسلموا منك تمديد مدة الدين، افعل هذا، وسوف يفيدك الأثر النفسي.

وإذا ما كنت تشك في معقولية هذه الفلسفة، فأنك ستغير رأيك بعد أن تتحدث لبضع دقائق مع أي واحد من أعضاء دوراتي الذين سبقوك في اتباع الأفكار المؤسّسة لهذا الكتاب، وبما أنك لا تستطيع التحدث معهم، فلتأخذ كلمة رجل أمريكي سيبقى دائماً رمزاً للشجاعة في يوم من الأيام كان ذلك الرجل واحداً من أكثر الناس جبناً، ومن خلال ممارسة الثقة بالنفس أصبح واحداً من أكثر الناس جرأة، إنه حائز الثقة، مهيّج الجماهير، صاحب النفوذ القوي، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تيودور روزفلت.

يعترف روزفلت في سيرته الذاتية قائلاً (كنت في صباي أخرقاً ضعيف البنية، واتسمت أيام شبابي الأولى بالعصبية، وعدم الثقة في قدراتي، وكان عليّ أن أدرب نفسي تدريباً شاقاً، ومؤلماً، ليس فقط بالنظر الى بدني، ولكن بالنظر الى نفسي وروحي).

لحسن الحظ أن روزفلت كشف عن كيفية تحقيقه لذلك التحول، إذ كتب يقول: (وأنا صبي قرأت نصاً في أحد كتب ماريات التي كانت تعجبني دائماً. في هذا النص يشرح قبطان إحدى البوارج البريطانية الصغيرة للبطل كيفية اكتساب صفة الجسارة، فيقول أن كل رجل تقريباً يكون في البداية خائفاً عند قيامه بفعل ما، ولكن على الإنسان أن يسيطر على نفسه كي يتصرف كما لم يكن خائفاً. بعد ذلك بفترة كافية يتحول الإدعاء الى واقع، ويصبح الرجل – في الواقع – جسوراً، وذلك بمحض قوة ممارسة الجسارة وهو لا يشعر بها.

(كانت هذه هي النظرية التي سرت عليها، كنت أخشى أشياء كثيرة ومتنوعة في البداية، من الدببة المنقطة الى الخيول (المؤذية) والرجال المسلحين، ولكن عندما تصرفت كما لو لم أكن خائفاً، أخذ خوفي يتلاشى تدريجياً، ومعظم الناس يمكنهم خوض نفس التجربة إن أرادوا).

والتغلب على الخوف من الحديث العام يضفي قيمة تحولية عظيمة على كل ما يفعله، والذين ينجحون في هذا التحدي سيجدوا أنهم تحسنوا بفضله، وأن انتصارهم على الخوف من الحديث العام أدخل السرور على أنفسهم، وجعل حياتهم ثرية ومليئة.

كتب أحد مندوبي المبيعات يقول: (بعد وقوفي للحديث أمام الفصل عدة مرات، شعرت أنه بإمكاني التعامل مع أي شخص. وذات صباح مضيت نحو باب أحد زبائني الأشداء، وقبل أن يقول (لا) بسطت عيناتي على مكتبة، فاتفق معي على واحدة من أكبر الطلبيات التي حصلت عليها مطلقاً).

قالت إحدى ربات المنازل لواحد من ممثلينا: (كنت أخشى دعوة الجيران لزيارتنا خوفاً من عدم

قدرتي على مواصلة الحديث معهم، وبعد حضوري بعض الجلسات، ووقوفي للحديث، قمت بعمل حاسم، وأقمت حفلتي الأولى التي حققت نجاحاً باهراً، ولم أواجه أي متاعب في تحفيز المدعوين للدخول في موضوعات كلامية شيقة).

عند تخرج إحدى الدفعات وقف بائع يقول: (كنت أخشى العملاء، وينتابني الشعور بالخجل، وبعد أن تحدثت أمام الفصل عدة مرات، وجدت أنني أتحدث بصوت عال بمزيد من الثقة والاتزان، وأخذت أجيب على الاعتراضات بحزم، فارتفعت مبيعاتي بنسبة 45% في الشهر الأول عقب تحدثي أمام هذا الفصل).

لقد اكتشف هؤلاء أنه من السهل التغلب على المخاوف، ودواعي القلق الأخرى، وأن تنجح فيما فشلوا فيه في البداية. أنت أيضاً سوف تجد أن الحديث العام سيمكنك من مواجهة مستجدات كل يوم بلمسة أكيدة تجلبها لك ثقتك بنفسك، وتصبح قادراً على معالجة مشكلات الحياة، وصراعاتها بحس جديد من الاتقان والبراعة، فما كان يمثل سلسلة من المواقف المستعصية يمكن أن يصبح تحدياً بارعاً لزيادة متعة الحياة.

سؤال وجواب

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2007
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 1927
التاريخ: 29 / أيلول / 2015 م 1817
التاريخ: 18 / أيلول / 2014 م 1885
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 1642
شبهات وردود

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 1155
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 1088
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 1096
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 1175
هل تعلم

التاريخ: 10 / آيار / 2015 م 852
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 998
التاريخ: 24 / 11 / 2015 742
التاريخ: 29 / أيلول / 2015 م 819

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .