English
       
جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله علوم اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
علوم اللغة العربية
عدد المواضيع في القسم ( 1805) موضوعاً
النحو
الصرف
المدارس النحوية
فقه اللغة
علم اللغة
علم الدلالة
السيرة النبوية

التاريخ: 15 / 6 / 2017 616
التاريخ: 21 / 6 / 2017 635
التاريخ: 4 / 4 / 2017 765
التاريخ: 1 / 8 / 2016 845
مقالات عقائدية

التاريخ: 25 / أيلول / 2014 م 1627
التاريخ: 16 / 12 / 2015 1407
التاريخ: 25 / أيلول / 2014 م 1547
التاريخ: 22 / 12 / 2015 1369
الهوامش الدلالية (هامش الانتقال من المواد الحسية الى المعاني الذهنية المجردة)  
  
294   09:15 صباحاً   التاريخ: 2 / 5 / 2018
المؤلف : د. فايز الداية
الكتاب أو المصدر : علم الدلالة
الجزء والصفحة : ص335- 351

 

‏اننا نلجأ الى هذا النمط من التهميش رغبة في الوصول الى البرهنة الواضحة على قضية تناول التطور الدلالي في التراث القديم، وكيلا نثقل فصل التطور بالتكرار والنماذج المتقاربة فههنا نورد سائر ما نعرف من مواضع عرضت للقضية اما بشكل مباشر ونشير اليه بالقسم (أ) واما بشكل غير مباشر وهو القسم (ب)، وسنعمل على ذكر كلام الناقد - الشارح مع شاهده الشعري ثم نتبعه بتعليقنا مختصراً .

(أ)

1- أنكرتُ باطلها وبؤت بحقها          يوماً ولم يفخر عليّ كرامها

(لبيد)

‏قيل : اصل الفخر الارتفاع والتعظيم، ويقال : دار فاخرة، اي مرتفعة عظيمة وناقة فخور : عظيمة الضرع . قال القطامي :

‏وتراه يفخر ان تحل بيوته                   بمحلة الزمر القصير عنانا (1)

‏* يتدرج المعنى لمادة (فخر) من الارتفاع المكاني والعظم المحسوس في الدار، والناقة، الى ان يص الى الدلالة الذهنية المجردة .

2- رجعاً بأمرها الى ذي مرة                 حصدٍ، ونجحُ صريمة ابرامُها

‏(لبيد)

 رجعا بأمرها الى ذي مرة، معناه كان ينازعها وتنازعه ثم رجعا بأمرها اي صار الشأن اليه . و (المرة) الرأي . واصل المرة احكام الفتل، فضربه مثلاً .

ص335

‏وقال ابو زيد : يقال ان فلانا لذو مرة، اذا كان قويا محتالا . قال الله عز وجل { ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى } [النجم 53/6]،‏ معناه ذو عقل وشدة . وانشد الفراء :

قد كنت قبل لقائكم ذا مرة                    عندي لكل مخاصم ميزانه (2)

‏ * يبدو المعنى الحسي مرتبطا بالحبل واحكام فتله ثم يطلق على كل من اشتدت قوته كحبال جيدة الصنع وبعدها ينتقل الى التجريد والدلالة الذهنية : ‏الرأي، العقل .

3- أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل            وان كنت قد ازمعت صرمي فأجملي

(امرؤ القيس)

‏قال يعقوب : " الصرم : القطيعة . يقال : صرمت الثيء اصرمه صرماً، اذا قطعته، والصرم الاسم، ومنه سيف صارم، ومنه زمن الصِّرام والصُّرام . ومنه الصرائم : قطع من الرمل تنقطع من معظمه، ومنه الصريمة : العزيمة (3) " .

* ‏ان الدلالة المجردة الذهنية لمادة (صرم) : القطيعة، العزيمة تجد اصلها الحسي في معنى القطع للشيء اسماً وفعلاً وصفة، صارم .

4- فتأوّت لهم قراضبة من                 كل حيّ كأنهم ألقاء

‏(الحارث بن حلزة)

‏" قوله : كأنهم ألقاء - واحد الألقاء لقى وهو الشيء المطروح الذي لا يكترث به، واللقى من الرجال : الخامل الذي لا يعرف، فذكره مطروح ملقى . ويقال لثياب المحرم اذا ألقاها عند فراغه من الحج : لقى وألقاء (4) " .

‏* في هذا المثال نجد الدلالة المرتبطة بالحسيات، الاشياء، وثياب المحرم خاصة، وهي بعد ذلك تتخذ طريقها لتغدو في اطار ذهني مجرد تتعلق بالذكر

ص336

‏والمرتبة العلمية والاجتماعية . ونلاحظ تجاور الدلالتين بعد الاسلام .

‏5- لا تخلنا على غرائك انا                          قبل ما قد وشى بنا الاعداء

(الحارث بن حلزة)

‏(الغراء) مأخوذ من قولك غريت بالشيء اغرى به، اذا أولعت به ولزمته . يقال : غريت بالشيء اغرى به غراء . والغرا : ولد البقرة مقصور وانشدنا ابو العباس في المعنى الاول لكثير :

‏اذا قلت مهلاً غارت العن بالبكا               غراء ومدتها مدامع حفل

قال الاصمعي : " غارت فاعلت من غريت بالشيء، اغرى، اذا لزمته، والغراء الذي يلزق به، اذا كسر مد واذا فتح قُصِر، وقيل هو الغرى (5) ".

‏* المعنى الحسي لمادة (لزق) يبدو مرتبطا بمادة الصمغ التي تعلق بجذوع الشجر- وهنا يتبادر الى الذهن لفظ اللحاء القريب مكاناً ووزناً - ثم يتحول الى القرب والتجاور الطويل وبعد ذلك يدل على : الهوى والولع المجردين .

6- فصالوا صولة فيمن يليهم                      وصلنا صولة فيمن يلينا

‏ (عرو بن كلثوم)

‏" فصالوا صولة . معناه فحملوا حملة فيمن يليهم وحملنا فيمن يلينا، والاصل في قولهم : صال فلان علي اي ترفع علي واصل الصيال تخمط الفحل على الفحل ووثوبه عليه(6) .

‏ * ترتيب المعنى كما يتبدى 1- الحي في الوثوب والارتفاع في مشاهد الحيوان، ثم ٢- الوثوب في القتال والصراع 3- ثم (الترفع، والتعالي) في المجتمع - معنى ذهني مجرد- .

‏ص337

7- ام علينا جرى حنيفة ام ليـ                 ـس علينا فيما جنوا انداء

(حارث بن حلزة)

‏" (والانداء) جمع ندى وهو ما يلحق الانسان من الشر يقال . لحقنى من فلان ندى، وماله علي ندى اي شر، واصله من ندى الارض لأنه يبلّ ما حوله ‏ويفسده (7) ".

‏* تنتقل الدلالة من الجال المحسوس في هيئة معينة : (الندى) في الارض ‏الى المجال الذهني (الاذى والشر) عموماً .

8- اذا القوم قالوا من فتى خلت أنني                  عنيت فلم اكسل ولم أتبلد

‏(طرفه)

‏" يقال رجل بليد ومتبلد : اذا اثر فيه الجهل، حق يذهب به عن فطن الناس واحتيالهم وكذلك يقال في الدواب، واصل البلادة والتبلد : من التأثير ويقال : في جلده - بلد - اذا كانت فيه آثار وكذلك يقال في غير الجلد، ويقال لكركرة البعير (بلدة) لأنها تؤثر في الارض كما ‏قال الشاعر :

‏انيخت فألقت بلدة فوق بلدة                   قليل بها الاصوات الا بغامها

ومن هذا سميت البلدة من البلد لأنه موضع مواطن الناس وموضع تأثيرهم (8) " .

* تنتقل المادة (بلد) من المعنى الحسي : التأثير (بعد تقلب بين المحسوسات : الجلد، الارض، البلدة) الى المعنى المجرد الذهني : البليد : المسلوب القدرة على الفعل الصحيح تحت مؤثر قوي : الجهل) .

9- يميناً لنعم السيدان وجدتما                على كل حال من سحيل ومبرم

(زهير بن ابي سلمى)

ص338

‏" يقال رجل مبرم . وقد أبرمني، وقد برمت منه اذا ألح ومنه سميت البرمة لإلحاح الناس عليها بالنار " (9) .

‏ * في القاموس المحيط : ابرم الحبل جعله طاقين ثم فتله، وأبرم الامر أحكمه والظاهر ان معنى الإلحاح المؤدي الى الملل النفسي المجرد فترتب على التكرار المألوف في إحكام فتل الحبل وهذا المعنى المادي الحي ظاهر ايضاً في البرمة وانضاجها .

10- ومن يك قلبٌ كقلبي له                   يشق الى العز قلب التوى

‏ (المتنبي)

(التوى) الهلاك، و (التوى) الفرد سمي بذلك لانفراده وضعفه (10) .

‏* ههنا عكس طريف فإبن جني يرى التحول من المعنى الذهني : الهلاك الى المدلول الحسي لدى الانسان .

‏11- ولقد اقود الجيش احمل رايتي              للجيش يقدمهم كميّ اسود

(أبو ضب الهذلي)

" لام (الكمي) ياء لأنه عندهم ‏من كمي الرحل شهادته يكميها اذا سترها .

والتقاؤهما أنه يستر بشجاعته من أن يعرض ضرب الخلل له وحكى ابو زيد في تكسيره (أكماء) (11) " .

* ‏الاصل في المادة اللغوية (ك م ا، ك م ي) حسي ومنه انتقل الى الذهني المجرد – نفسي - ومما يؤكد هذا اصالة الاستعمال المحسوس في الحرب، وفي القاموس المحيط حول مادة كمأ وكمأة (وهي مما ينبت في باطن ارض البوادي في الشتاء شبيهاً بثمار البطاطس) ... تكمأت عليه الارض : غيبته، ولعل لهذا صلة بـ كمي وأكماء .

ص339

١٢ ‏- في تسدى طيف ام مسافع            قد نام يا ابن القوم من هو ناعس

‏" لام تسدى ياء لأنه من تفعل من سدى الثوب، وهو من الياء يجوز امالته، وقد قالوا ايضا : سدى إليه يدي سدياً، في معنى اسدى، إليه والمعنيان منضمان ألا ترى انم يصفون السخي بانبساط يده، واللئيم بانقباضها، والسدى ما انبسط من غزل الثوب . ويجوز ان يكون تسدى تفعل من السدو وهو بسط البعير في سيره وهذا من الواو(12)"‏.

‏ * الاصل في المحسوس للمادة اللغوية (س د ى، س د و) اما متعلق غزل الثوب او الثوب نفسه فيما بعد، واما متصل بحركة منبسطة للبعير، وينتقل المعنى الى التجريد أسدى المعروف وأسدى النصح / في القاموس : السدى من الثوب مامدّ منه، وقد أسدى الثوب وسداه وتسداه واسدى بينهما اصلح - بينهما -، أسدى إليه : احسن / .

13- ومدقعين بسبروت صحبتهم               عارين من حلل كاسين من درن

‏ (المتنبي)

‏" السبروت، والسبرات والسبريت، كله الارض التي لا نبت فيها، ومدقع فقير قد بلغ الدقعاء وهي التراب (13) " .

‏* الانتقال تم من الحسي / الارض والتراب الى معنى الفقر المجرد .

        ١٤- ولا تلاوات سور                 يمسح مرفانا يسر

‏(ارجوزة ابي نواس)

‏" السور جمع سورة، وكأنها - والله اعلم - سميت سورة لارتفاع قدرها، لأنها

ص340

‏كلام الله تعالى وفيها معرفة الحلال والحرام، ومنه قيل : رجل سوار اي معربد . وانما قيل له سوار لأنه يغلو في فعله ويشتط . ومنه قيل : السورة لأنها ترفع من يتلوها، ومنه قيل : سور المدينة لأنه بناء مرتفع، ويجوز ان يكون سوار المرأة من هذا لارتفاع قدره والسورة : الشرف وارتفاع الذكر قال النابغة :

ألم تر ان الله اعطاك سورة                ترى كل ملك دونها يتذبذب (15)

‏* الدلالة الحسية السابقة هي المتعلقة بالسور المحيط بالمدينة والمتميز بالعلو، ومن ثم اطلقت تسميات فرعية عديدة مستمدة منها : السوار، الى ان بلغت المجال الذهني : القيمة الرفيعة والتشريف في السورة القرآنية والمرتبة عامة كما ‏في بيت النابغة .

‏(ب)

15- ورثنا المجد قد علمت معد               نطاعن دونه حق يبينا

‏(عمرو بن كلثوم)

‏" المجد : الفعال الصالح الكثير، ويقال : امجدت الدابة اذا اكثرت علفها، ويقال مجد اذا كرم (16) "

‏فرب غلام علم المجد نفسه             ‏     كتعليم سيف الدولة الحربا

‏(المتنبي)

" المجد كثرة المآثر والشرف، ومنه قولهم أمجدت الدابة اذا اكثرت لها من العلف"(17).

ص341

‏* ان الاصل المحسوس لـ (مجد) واضح والانتقال الى المعنى المجرد الذهني تم بحسب معطيات البيئة العربية القديمة فكثرة الكلأ وتدفق الاموال تجعل الرجل مميزاً في العشيرة والقبيلة خاصة أيام الجفاف والجدب اذ يبرز القادرون وتستقر ‏اوصافهم وتعم .

١٦- بضاحك الشمس فيها كوكب شرق          ‏مؤزر بعميم النبت مكتهل

(الأعشى)

‏" مكتهل : قد انتهى في التمام واكتهل الرجل اذا انتهى شبابه (18) ".

‏ترعرع الملك الأستاذ مكتهلاً   قبل اكتهالٍ، أديبا قبل تأديب

‏(المتنبي)

" اكتهل تم واشتد، ومنه اكتهل النبت اذا تم وعلا، والكهل من الناس من سنه ما بين اربع وثلاثين الى احدى وخمسين (19) " .

* إننا نستنتج أصالة الاستعمال المادي المحسوس (كهل) في النبات وذلك لكثرة تداول صور الزهر والورد مقترنة بالشباب وبذا يمكن ترجيح الانتقال الى المعنى المجرد دالاً على مرحلة من عمر الانسان (اكتهل، كهل) .

١٧ ‏- واتلع نهاض اذا صعّدت به            كسكان بوصيّ بدجلة مصعد

‏ (طرفة)

‏ (قوله : اذا صعدت به) معناه اشخصته في السماء، ويقال : قد تصعد الأمر، اذا اشق عليك، ومنه قولهم : هو يتنفس الصعداء . وقال عمر بن الخطاب : " ما تصعدتني خطبة كما تصعدتني خطبة النكاح ".

ص432

‏ويقال قد اصعد في الارض، اذا ابعد فيها، وقد اصعد في الجبل يصعد اصعاداً وقد صعد في الدرجة والسلم يصعد صعودا . قال الله عز وجل : {اذ تصعدون ولا تلوون على احد} [آل عمران 3/153]. وقال الاعشى :

‏الا أيهذا السائلي أين اصعدت      فإن لها في اهل يثرب موعداً (20)

‏* يمكن ترتيب الدلالات المعروضة بشكل تبدأ فيه ١- من العلو والارتفاع الى السماء وفي الجبل ثم يتحول الى ٢- الابعاد سواء في العلو او في الامتداد، وبعدها، . 3- الصعداء، وتصعد الأمر. ذهني مجرد : صعب .

18‏- فكلاً أراهم اصبحوا يعقلونه                     صحيحات ألف بعد ألف مصتم

‏ (زهير بن أبي سلمى)

‏" والعقل : الدية . قال الاصمعي : اصله ان يؤتى بالإبل فتعقل بأفنية أولياء القتيل، ثم كثر استعمالهم لهذا حق قالوه في الدراهم (21) ‏ .

‏* الارجح انتقال الدلالة (عقل) من الربط المادي الى الربط الذهني والحكمة بدلا من القتال ثأرا مروراً بالدلالة على الابل او المال المساويين قيمة الدية .

‏19- سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدها            تبزل ما بين الشعيرة بالدم

(زهير)

‏" تبزل كان بينهم صلح فشقق بالدم . تبزل : تشقق وتفطر، فسعى ساعيا غيظ بن مرة فاصلحاه، ومنه قيل المبزل والبزال . ومنه بزول البعير بنابه، لأمه ‏يتفطر موضعه، ومنه قيل بزلاء للرأي الجيد لأنها قد انتجعت وبزلت . ويقال 

ص343

‏إنه لذو بزلاء " (22) .

* يمكن ترتيب الدلالة متدرجة من المعنى الحسي : التشقق ثم . 2- المعنى الذهني : البزلاء : الرأي .

‏20- وان يقذفوا بالقدع عرضك اسفهم       بشرب حياض الصوت قبل التنجد

‏ (طرفة)

‏ " العرض موضع المدح والذم من الرجل . والعرض : ريح الجسد يقال : انه لطيب العرض ونتن العرض . وقال أبو جعفر : العرض رائعة الجسد .

‏ويقال امرأة حسنة العرض . وقال غيره : العرض : النفس . وانشد لحسان

‏يقول لأبي سفيان بن الحارث :

‏فإن أبي ووالده وعرضي                     لعرض محمد منكم وقاء

‏أراد بالعرض النفس . والطوسي : العرض : الجسد، والعرض الاصل (23) " . الارجح انتقال الدلالة من معنى الجسد والحفاظ عليه الى الدلالة ‏الذهنية : الشرف .

٢١- وقد كان عمرو بن امامة عرس بجارية من مراد، و كانت ام ولده الغسانية معه، فسمعت جلبة الخيل فقالت، اي عمرو أتيت، ! سأل قضيب بماء وحديد ... فقال لها عمرو " وأنت- غيرى نغرة ؟ " والنغرة : التي تغلي من الغيرة كما ‏تنغر القدر اي انك غرت علي فذهبت مثلا (24) .

‏ نرجح انتقال الدلالة من الجانب الحسي لتعدد الاستعمال في الماديات كما

ص344

ورد لدى ابن الانباري . وكذلك في القاموس" نغر وتنغر: غلا جوفه وغضب. والناقة ضمت مؤخرها فمضت، والقدر غارت، وامرأة نغرة وغيرى، ونغر بها تنغيراً: صاح بها " - ثم الاستقرار في الدلالة الذهنية: الغيرة دون ان تمحو الاولى .

‏22-  ترقى وتقطع في العنان وتنتعي             ‏ورد الحمامة اذ اجدّ حمامها

(لبيد)

‏يقال : اذا كان لك صديق فلا تشاره ولا تماره " فمعنى تشاره : تغاضبه . وتأويل تشرى : تحمى وتزيد وتجدّ . ومعنى تماره تجادله حتى تستخرج غضبه . يقال مريت الناقة امريها مرياً، اذا استخرجت لبنها (25) " .

‏* الانتقال من المحسوس : مرى الناقة الى الذهني، استخراج الغضب والاثارة .

٢٣- أمن أم أوفى دمنة لم تكلم                       ‏بحومانة الدراج فالمتثلم

(زهير)

‏" الدمنة آثار الناس وما سودوه بالرماد  وغير ذلك . اذا اسود المكان قيل قد دمن هذا المكان . والدمن والبعر والسرقين، والدمنة في غير هذا : الحقد وجمعها دمن قال الشاعر :

 ومن دمنٍ داويتها فشفيتّها               بسلمك لولا انت طال حروبهاً (26)

‏* انتقال الدلالة من المجال الحسي 1- البعر والسرقين 2- اكان المسود، الى المجال الذهني - النفسي - الحقد .

ص345

٢٤ ‏- لا يطبعون ولا يبور فعالهم             اذ لا تميل مع الهوى أحلامها

‏(لبيد)

‏ قوله : لا يبور فعالهم : معناه لا يهلك . يقال : قد بار الطعام، اذا كسد وهلك . ويقال : نعوذ بالله من بوار الأيم : أي من كسادها . قال الله عز وجل ‏{ يرجون تجارةً لن تبور}[فاطر 35/29] ويقال رجل بائر ورجل بور، ورجال بور، وامرأة بور . قال : ابن الزبعرى :

‏يا رسول المليك ان لساني                    راتق ما فتقت إذ أنا بورُ

وقال الآخر .

هم أوتوا الكتاب فضيعوه              فهم عمي عن التوراة بورُ

‏يقول - لبيد - فلا يهلك أفعالنا في الحمد فيذهب . بل يذيع فيبقى ‏‏ذكره (27) " .

‏* المرجح استخدام المادة اللغوية في المحسوسات 1- الطعام، التجارة 2- ثم انتقالها الى الافراد والجماعة، 3- الى الاستعمال المجرد الذهني، العمل البائر .

25 - فقالت يمين الله مالك حيلة            وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

(امرؤ القيس)

‏" الغواية : مصدر غوى يغوي غياً وغواية . ويقال غوي الفيصل يغوي غوى، وهو ان يشرب من اللبن حتى يخثر ولا يروى . قال الشاعر :

‏معطفّة الاثناء ليس فصيلها                       ‏برازئها ذرّاً ولا ميت غوى (28) " .

ص346

‏* الاستعمال في المجال الحسي سابق ومنه انتقل الى المجال الذهني . وقد يكون لحرف الغين في بناء الكلمة اثر في الدلالة الحسية اذ يشترك في بناء كلمات تدل على اصوات صغار الحيوان او على الصغار عموماً : البغام، والثغاء ...

26- وإن أدع في الجلّى أكن من حماتها              وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد

‏ (طرفة)

‏" الجلّى : الجليل، وأتت على معنى القصة والحال، ويقال لكل ما علا شيئا : جلله، ومن ذلك جلله بالسوط اذا ضربه به، ومنه جل الدابة، ويقال جليل وجلال كما ‏يقال : طويل وطوال، وقولهم : جلل للعظيم والصغير . قال اصحاب الغريب المحض هما ضدان(29)" .

‏* تعدد المحسوسات وتفاوتها في الاهمية والقدر يجعل الدلالة الاولى هي المادة الحسية، لأن المجرد الذهني أبعد في علوه بحيث لا ينتقل منه الى (جل الدابة) . اما الضدية المذكورة فمن باب التداخل بعد الاستخدام الطويل .

27- فعلوت مرتقباً على مرهوبة                       حرج الى اعلامِهنّ قتامها

(لبيد)

‏" واصل (الحرج) الضيق، ويقال للشجر الملتف بعضه الى بعض حرج، فالمعنى أن القتام هو الغبار قد كثر حتى بلغ الى الاعلام وهي الجبال، ثم تكاتف، ويقال ان (حرجاً) بمعنى محرج، فكأنه قد ألجئ الى الجبال (30) " . " يقال : حرج الموت بال فلان، اي لصق وثبت والحرج والحرج ايضا : الشديد الضيق . قال

ص347

‏الله عز وجل : { يجعل صدره ضيقاً حرجا} [الانعام 6/125] - وفي قراءة (حرجاً) : اي شديداً (31) " .

‏ * يبدو لنا الاستعمال المادي الحسي سابقاً وقد تلاه التجريد الذهني - النفسي الذي اشار إليه ابن الانباري في الآية الكريمة، وثمة معنى اخر هو : الإثم يضاف الى الضيق كما في قوله تعالى {‏لكيلا يكون على المؤمنين حرج في ازواج أدعيائهم اذا قضوا منهن وطرأ} [الاحزاب ٣٣ ‏/ ٣٧ ]‏ .

 28- أو رجع واشمه أُسفّ نؤوورها           ‏كففاً تعرض فوقهن وشامها

(لبيد)

‏" والكفف والدارات من الوشم، و كانوا يشمون بنقش ودارات والواحدة كفة " ويقال لكل مدور كفة نحو كفة الميزان وما اشبهها، ويقال لكل مستطيل كفة، ومنه قيل لحاشية الثوب كفة، واصل هذا من الكف وهو المنع، ومنه سميت اليد كفاً لان الانسان يمتنع بها، ومنه قيل : مكفوف لأنه قد منع التصرف (32) " .

‏ * ان المعنى الاول مرتبط بالحسية اي المنع الحسي ومنه تفرعت دلالات جزئية، الكف، الكفة المدورة والمستطيلة، وجزء الميزان، وبعد ذلك تجرد الفعل وغدا يحمل ايضاً الدلالة الذهنية للمنع .

29- او نقشتم فالنقش يجشمه النا                     س وفيه الصحاح والابراء

‏ (الحارث بن حلزة)

‏" نقشتم استقصيتم، يقال : تقشت فلاناً، وناقشته اذا استوفيته دينه .

ص348

‏واستقصيت عليه وفي الحديث : " من نوقش الحساب عُذّب " ويقال : نقشت الشوكة من رجلي، وانتقشتها اذا اخرجتها حتى لا يبقى منها شيء (33) " .

‏* تصورنا للتطور هو أنه : أولاً بدأ من المحسوس (نقش الشوكة وسلبها أي اخراجها)، ثم ثانياً استيفاء الدين واستخراجه من مكامنه كالشوكة تنتزع من اللحم ثم ثالثاً المناقشة في الحديث كأنما يستخرج المعنى ويجذب الرأي .

30- ومشك سابغةٍ هتكت فروجها           بالسيف عن حامي الحقيقة معلم

‏(عنترة)

(ومعنى هتكت فروجها) شققت، وواحد الفروج فرج، ويقال لموضع المخافة فرج ايضا مثل الثغر، والفرجة في الصف، وغيره بضم الفاء . (والفرجة) كشف البلاء بفتح الفاء كما ‏قال :

‏ربما تكره النفوس من الأمـ                     ـرله فرجة كحل العقال (34)

‏* يمكن لنا تصور التطور من المعنى الحسي الى المجرد الذهني . فأولاً نجد ان الخطر كأنما يقفل الابواب والمسالك ثم يكون ثانيا كشفه بالفرحه المادية وبعدها ثالثاً الفرج المجرد .

٣١ ‏. اذا ما عيّ بالإسناف حيّ             من الهول المشبه أن يكونا

(عمرو بن كلثوم)

‏" قوله : عي أصله عيي فأدغمت الياء في الياء، يقال عيي يعيا عياً، ورجل علمي، والعي في المشي يقال : أعيا الرجل يعيي اعياء، او رجل معيٍ (35) " .

ص349

‏ * نرجح الأصل المادي الحسي ومنه أخذ المعنى المجرد الذهني - النفسي - : الاعياء عامة وفي القاموس المحيط ما يجعل رأينا اكثر قبولاً فهو يقول : " أعيا الماشي كلّ، والسير البعير، وإبل معايا ومعاي : ومعيية، وفعل عياء وعيا ياء لا يهتدي للضراب، او لم يضرب قط، وكذا الرجل جمع اعياء " وداء عياء لا يبرأ منه وأعياه الداء، والمعاياة : ان نأتي بكلام لا يهتدى له .. والعي بن عدنان أخو معدِّ " .

 23- وثمانون من تميم بأيديـ                 ـهم رماح مدورهن القضاء

‏(الحارث بن حلزة)

‏" والقضاء : الموت، ومنه قضي فلان اذا مات، واصل القضاء : الفراغ من ‏الشيء، ومنه قضاء القاضي، ومنه قضاء الله وقدره، ومنه : تقض النهار، وما تنقضي عجائبي من فلان (36) " .

‏ * ان اعادة اصل المادة اللغوية (قضى) الى (الفراغ من الشيء) مبهمة والاصح : العودة الى الاصل المادي الذي يرتبط بالصوت (قض : قطع) وما يتفرع منه مادياً محسوماً ثم ذهنياً .

٣٣- أغالب فيك الشوق والشوق اغلب          ‏وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب (المتنبي)

‏" يجوز أن يكون الشوق اغلب لي ويجوز أن يكون غليظ العنق (37) " .

ويقول في القاموس : " غلب كفرح : غلظ عنقه . والغلباء الحديقة المتكاتفة كا‏لمغلولبة ومن الهضاب : المشرفة العظيمة ومن القبائل : العزيزة الممتنعة، والاغلب : الاسد " .

ص350

‏ * ان ايراد ابن جني للاحتمالين : الغلبة وغلظ العنق يثير مسألة الاصل والفرع، والقاموس يساعدنا في تصور قريب : فالمصارع والمقاتل تلزمها الشدة والضخامة في الاعم، وقد يكون هذا منطلق الدلالة على الانتصار في (غلب) وكذا الجانب الحسي للكبر ملحوظ في الحديقة الغلباء، والقبيلة العزيزة .

٣٤- ويخدا عرانين الملوك وانها         لمن قدميه في أجل المراتب

‏ (المتنبي)

‏" العرانين جمع عرنين وهو الأنف، وعرنين كل شيء أوله . و يخداها أي يجعل لها خداء " (38) .

‏* العرنين في الأصل دل على الانف اي الحسي المحدود ومن ثم انتقل الى كل مادي ؛ وبعدها وجد طريقه الى التجريد الذهني .

35 - ولا فضل فيها للشجاعة والندى                وصبر الفتى لولا لقاء شعوب

‏ (المتنبي)

‏" شعوب : المنية بغير ألف ولام، وقد قيلت الشعوب بالألف واللام، وسميت شعوب لأنها تشعب أي تفرق، ومنه شعبت القدح اذا فرقته، واذا جمعته ايضاً وهو من الاضداد " (39) .

* الانتقال تم في المادة اللغوية (ش ع ب) من المحسوس الى المجرد الذهني : الموت .

ص351

_______________

‏‏(1) ابن الانباري 587 .

‏(2) شرح ابن الانباري 546.

(3) شرح ابن الانباري 44 .

(4) شرح ابن الانباري 489 .

(5) شرح ابن الانباري 454-455 .

(6) شرح ابن الانباري 412 .

(7) شرح ابن النحاس 583 .

(8) شرح ابن النحاس 254 .

(9) شرح ابن النحاس ٣٢٠ ‏.

(10) الفسر الكبير، ابن جني ١٣٦ ‏.

(11) التمام في تفسير بقية أشعار هذيل، ابن جني ٧٤ ‏.

‏(13) التمام، ابن جني ٤١ ‏.

‏(14) الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي، ابن جني ١٧٢ .

‏(15) شرح الارجوزة، ابن جني 116-118 ‏.

(16) ابن النحاس ٦٣٥ ‏.

‏(17) الفسر الصفير، ابن جني ٢٨ ‏، الفسر الكبير ١6٤ ‏.

‏(18) شرح ابن النحاس ٦٩٣ ‏.

(19) الفسر الكبير، ابن جني ٢٦٦ ‏- ٣٦٧ ‏.

(20) شرح الأنباري 172.

(21) نفسه 280 .

‏(22) شرح ابن الانباري 253 .

‏(23) شرح ابن الانباري 206 .

‏(24) نفسه ١١٩ ‏.

(25) شرح ابن الأنباري 585 .

(26) شرح ابن الانباري 237 .

‏(27) شرح ابن الانباري 594 .

(28) شرح ابن الانباري 52 .

‏(29) شرح ابن النحاس 276 .

(30) شرح ابن النحاس 426 .

(31) شرح ابن الانباري 580 .

(32) شرح ابن النحاس 369 .

(33) شرح ابن النحاس 573 .

(34) شرح ابن النحاس 513 .

(35) نفسه 805-806 .

‏(36) شرح ابن النحاس 589 ‏.

(37) الفسر الصغير، ابن جني ٦٦ ‏/ ب .

(38) الفسر الصغير، ابن جني ٦١ ‏/ ب .

(39) الفسر الكبير، ابن جني 145 ‏.

 

شبهات وردود

التاريخ: 29 / أيلول / 2015 م 2155
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2107
التاريخ: 29 / أيلول / 2015 م 2177
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 2018
هل تعلم

التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 1882
التاريخ: 3 / حزيران / 2015 م 1685
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 1736
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 1729

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .