المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 11902 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (32-44) من سورة الحجر  
  
42   06:22 مساءً   التاريخ: 30 / 7 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف الحاء / سورة الحجر /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 30 / 7 / 2020 43
التاريخ: 1 / 8 / 2020 27
التاريخ: 28 / 7 / 2020 41
التاريخ: 30 / 7 / 2020 38

 

قال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ } [الحجر: 32 - 44]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} قال الزجاج معناه أي شيء يقع لك في أن لا تكون مع الساجدين فموضع أن نصب بإسقاط في وإفضاء الناصب إلى أن وهذا خطاب من الله سبحانه لإبليس ومعناه لم لا تكون مع الساجدين فتسجد كما سجدوا وإنما قال سبحانه بنفسه على جهة الإهانة له كما يقول لأهل النار اخسئوا فيها ولا تكلمون وقال الجبائي إنما قال سبحانه ذلك على لسان بعض رسله لأنه لا يصح أن يكلمه الله بلا واسطة في زمان التكليف { قال } أي: قال إبليس مجيبا لهذا الكلام { لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ } أي: ما كنت لأسجد وقيل معناه ما كان ينبغي أن أسجد { لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} لأني أشرف أصلا منه ولم يعلم أن التفاضل بالدين والأعمال لا بالأصل { قال فاخرج منها } أي: من الجنة { فإنك رجيم } أي: مشئوم مطرود ملعون وقيل معناه اخرج من السماء عن أبي مسلم وقيل من الأرض فألحقه بالبحار لا يدخل الأرض إلا كالسارق وقيل رجيم مرجوم أي إن رجعت إلى السماء رجمت بمثل الشهب التي يرجم به الشياطين عن الجبائي { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ } أي: وإن عليك مع ذلك اللعنة أي الإبعاد من رحمة الله ولذلك لا يجوز أن يلعن بهيمة { إلى يوم الدين } أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة والمراد أن الله سبحانه قد لعنك وأهل السماء والأرض يلعنونك لعنة لازمة لك إلى يوم القيامة ثم يحصل بعد ذلك على الجزاء بعذاب النار وفيه بيان أنه لا يؤمن قط وقال بعض المحققين إنما قال سبحانه هنا { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ } بالألف واللام وقال في سورة ص لعنتي بالإضافة لأن هناك يقول لما خلقت بيدي مضافا فقال وإن عليك لعنتي على المطابقة وقال هنا { مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } وساق الآية على اللام في قوله { ولقد خلقنا الإنسان } وقوله { والجان } فأتى باللام أيضا في قوله { وإن عليك اللعنة } .

ثم بين سبحانه ما سأله إبليس عند إياسه من الآخرة فقال عز اسمه { قال رب فأنظرني } أي فأمهلني وأخرني { إلى يوم يبعثون } أي: يحشرون للجزاء استنظره إبليس إلى يوم القيامة لئلا يموت إذ يوم القيامة لا يموت فيه أحد فلم يجبه الله تعالى إلى ذلك بل { قال } له { فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} الذي هو آخر أيام التكليف وهو النفخة الأولى حين يموت الخلائق عن ابن عباس وقيل الوقت المعلوم يوم القيامة أنظره الله سبحانه في رفع العذاب عنه إلى يوم القيامة عن الحسن والجبائي وأبي مسلم وقيل هو الوقت الذي قدر الله أجله فيه وهو معلوم لله سبحانه غير معلوم لإبليس فأبهم ولم يبين لأن في بيانه إغراء بالمعصية عن البلخي واختلف في تجويز إجابة دعاء الكافر وقال الجبائي لا يجوز لأن في إجابة الدعاء تعظيما له وقال ابن الإخشيد يجوز ذلك لأن الإجابة كالنعمة في احتمالها أن يكون ثوابا وتعظيما وأن يكون استصلاحا ولطفا { قال } إبليس { رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين } قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن الإغواء الأول والثاني بمعنى الإضلال أي كما أضللتني لأضلنهم وهذا لا يجوز لأن الله سبحانه لا يضل عن الدين إلا أن يحمل على أن إبليس كان معتقدا للخير ( وثانيها ) إن الإغواء الأول والثاني بمعنى التخييب أي بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك عن الجبائي ( وثالثها ) إن معناه بما أضللتني عن طريق جنتك لأضلنهم بالدعاء إلى معصيتك ( ورابعها ) بما كلفتني السجود لآدم الذي غويت عنده فسمي ذلك غواية كما قال فزادتهم رجسا إلى رجسهم لما ازدادوا عندها عن البلخي والباء في قوله { بما أغويتني } قيل إن معناها القسم هاهنا عن أبي عبيدة وقيل هي بمعنى السبب أي بكوني غاويا لأزينن كما يقال بطاعته لندخلن الجنة وبمعصيته لندخلن النار ومفعول التزيين محذوف وتقديره لأزينن الباطل لهم أي لأولاد آدم حتى يقعوا فيه ثم استثنى من جملتهم فقال إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} وهم الذين أخلصوا عبادتهم لله وامتنعوا عن عبادة الشيطان وانتهوا عما نهاهم الله عنه ومن قرأ المخلصين بفتح اللام فهم الذين أخلصهم الله بأن وفقهم لذلك ولطف لهم فيه ليس للشيطان عليهم سبيل { قال } الله سبحانه { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } قيل فيه وجوه ( أحدها ) إنه على وجه التهديد له كما تقول لغيرك افعل ما شئت وطريقك علي أي لا تفوتني عن مجاهد وقتادة ومثله قوله إن ربك لبالمرصاد ( وثانيها ) معناه أن ما نذكره من أمر المخلصين والغاوين طريق ممره علي أي ممر من مسلكه علي مستقيم لا عدول فيه عني وأجاز لي كلا من الفريقين بما عمل ( وثالثها ) أن معناه هذا دين مستقيم علي بيانه والهداية إليه { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } هذا إخبار منه تعالى بأن عباده الذين يطيعونه وينتهون إلى أوامره لا سلطان للشيطان عليهم ولا قدرة له على أن يكرههم على المعصية ويحملهم عليها ولكن من يتبعه فإنما يتبعه باختياره قال الجبائي وذلك يدل على أن الجن لا يقدرون على الإضرار ببني آدم لأنه على عمومه ثم استثنى سبحانه من جملة العباد من يتبع إبليس على إغوائه وينقاد له ويقبل منه فقال { إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } لأنه إذا قبل منه صار له عليه سلطان بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من اتباع الهوى وقيل إن الاستثناء منقطع والمراد لكن من اتبعك من الغاوين جعل لك على نفسه سلطانا { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: موعد إبليس ومن تبعه { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } فيه قولان ( أحدها ) ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن جهنم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض ووضع إحدى يديه على الأخرى فقال هكذا وإن الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم وفوقها لظى وفوقها الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها السعير وفوقها الهاوية وفي رواية الكلبي أسفلها الهاوية وأعلاها جهنم وعن ابن عباس أن الباب الأول جهنم والثاني سعير والثالث سقر والرابع جحيم والخامس لظى والسادس الحطمة والسابع الهاوية اختلفت الروايات في ذلك كما ترى وهو قول مجاهد وعكرمة والجبائي قالوا إن أبواب النيران كإطباق اليد على اليد ( والآخر ) ما روي عن الضحاك قال للنار سبعة أبواب وهي سبعة أدراك بعضها فوق بعض فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم يخرجون والثاني فيه اليهود والثالث فيه النصارى والرابع فيه الصابئون والخامس فيه المجوس والسادس فيه مشركوالعرب والسابع فيه المنافقون وذلك قوله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وهوقول الحسن وأبي مسلم والقولان متقاربان { لكل باب منهم } أي: من الغاوين { جزء مقسوم } أي: نصيب مفروض عن ابن عباس .

_____________

1- تفسير مجمع البيان ،الطبرسي،ج6،ص115-118.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

أمر سبحانه الملائكة بأن يسجدوا لآدم سجود تحية ، لا سجود عبادة ، فأطاعوا جميعا ، وعصى إبليس . واختلف العلماء في هوية إبليس : هل هوملك فطرد ، أوشيطان منذ البداية ؟ . وهذا نزاع عقيم ، ما دام إبليس مذموما مدحورا على كل حال . . وحين امتنع عن السجود سأله المولى جلت عظمته :

{ قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } ؟ . وهل أنت أعلى مكانا ، وأشرف قدرا ممن سجد لآدم ؟ .

{ قالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ } . عصى إبليس وتمرد لا لشيء إلا تعصبا لأصله وعنصره ، وكل من تعصب لأصل وعنصر فهوملعون ومذموم ورجيم تماما كإبليس .

{ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ } . ضمير منها يعود إلى الدرجة الرفيعة ، والمعنى ان اللَّه سبحانه طرد إبليس من رحمته إلى عذابه ونقمته ، وجعله ملعونا على كل لسان حتى قيام الساعة جزاء على تكبره وامتناعه عن طاعة اللَّه تعالى .

{ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } . طلب هذا الامهال لحاجة في نفسه سيصرح بها قريبا .

{ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } . وهو ساعة النفخ في الصور الذي دلت عليه الآية 68 من الزمر : « ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض » .

{ قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي } أي بما امتحنتني به من الأمر بالسجود لآدم الذي أوقعني في الغي والعصيان { لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } . قطع إبليس عهدا على نفسه ان ينتقم لمأساته من هذا المخلوق الذي كان السبب لطرده من رحمة اللَّه إلى لعنته .

{ قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } هذه إشارة إلى صيانة المخلصين من الشيطان وغوايته ، وعليّ أي ثابت عليه تعالى ، مثل قوله : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ - 54 الأنعام » . والمعنى ان اللَّه كتب على نفسه ان الإخلاص هو الصراط المستقيم ، فمن سلكه نجا ، ومن انحرف عنه هلك { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ } الذين يعبدون الدرهم والدينار ، ويبيعون الدين والبلاد والعباد لكل من يدفع الثمن ، أما الطيبون المخلصون فإبليس أذل وأحقر من أن يدنومنهم فضلا عن تسلطه عليهم . تقدم نظير هذه الآيات في الأعراف الآية 11 - 18 ج 3 ص 306 .

{ وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } . هناك في قعر جهنم يجتمعون جميعا إبليس وأتباعه ، ويتبرأ المتبوع من التابع ، ويلعن كل منهما صاحبه . انظر تفسير الآية 22 من سورة إبراهيم ، فقرة : « خطبة الشيطان » .

{ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ } . قيل : المراد بالأبواب المعنى الظاهر منها . وقيل : بل المراد منها الطبقات والأدوار ، وان بعض النار فوق بعض ، وان لكل طبقة اسم يخصها كجهنم والجحيم ولظى وسقر والحطمة وما إلى ذلك . . ومهما كان المراد فان الواقع معلوم ، وهو ان السيئات مراتب ودرجات ، منها الكبيرة الخطيرة ، ومنها الصغيرة الحقيرة ، وما بينهما ، ولكل سيئة ما تستحقه من العذاب دون زيادة . وتكلمنا عن ذلك مفصلا في آخر سورة إبراهيم بعنوان « جهنم والأسلحة الجهنمية » .

_____________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية،ج4، صفحه 477-479.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ }{ما لك} مبتدأ وخبر أي ما الذي هو كائن لك؟ وقوله:{ألا تكون} من قبيل نزع الخافض والتقدير في أن لا تكون مع الساجدين وهم الملائكة، ومحصل المعنى: ما بالك لم تسجد؟.

قوله تعالى:{قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} في التعبير بقوله:{لم أكن لأسجد} دون أن يقول: لا أسجد أولست أسجد دلالة على أن الإباء عن السجدة مقتضى ذاته وكان هو المترقب منه لواطلع على جوهره فتفيد الآية بالكناية ما يفيده قوله في موضع آخر:{ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }: ص: 76 بالتصريح.

وقد تقدم كلام في معنى السجود لآدم وأمر الملائكة وإبليس بذلك وائتمارهم وتمرده عنه، نافع في هذا الباب في تفسير سورتي البقرة والأعراف من هذا الكتاب.

قوله تعالى:{فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} الرجيم فعيل بمعنى المفعول من الرجم وهو الطرد وشاع استعماله في الطرد بالحجارة والحصاة، واللعن هو الطرد والإبعاد من الرحمة.

ومن هنا يظهر أن قوله:{وإن عليك اللعنة} إلخ بمنزلة البيان لقوله:{فإنك رجيم} فإن الرجم كان سببا لخروجه من بين الملائكة من السماء أومن المنزلة الإلهية وبالجملة من مقام القرب وهو مستوى الرحمة الخاصة الإلهية فينطبق على الإبعاد من الرحمة وهو اللعن.

وقد نسب سبحانه هذه اللعنة المجعولة على إبليس في موضع آخر إلى نفسه فقال:{ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ }: ص: 58، وقيدها في الآيتين جميعا بقوله:{إلى يوم الدين}.

أما جعل مطلق اللعنة عليه في قوله:{عليك اللعنة} فلأن اللعن يلحق المعصية وما من معصية إلا ولإبليس فيه صنع بالإغواء والوسوسة فهوالأصل الذي يرجع إليه كل معصية وما يلحقها من لعن حتى في عين ما يعود إلى أشخاص العصاة من اللعن والوبال، وتذكر في ذلك ما تقدم في ذيل قوله تعالى:{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ }: الأنفال: 37 في الجزء التاسع من الكتاب.

على أنه لعنه الله أول فاتح فتح باب معصية الله وعصاه في أمره فإليه يعود وبال هذا الطريق بسالكيه ما سلكوا فيه.

وأما جعل لعنته خاصة عليه في قوله:{عليك لعنتي} فلأن الإبعاد من الرحمة بالحقيقة إنما يؤثر أثره إذا كان منه تعالى إذ لا يملك أحد من رحمته إعطاء ومنعا إلا بإذنه فإليه يعود حقيقة الإعطاء والمنع.

على أن اللعن من غيره تعالى بالحقيقة دعاء عليه بالإبعاد من الرحمة وأما نفس الإبعاد الذي هو نتيجة الدعاء فهومن صنعه القائم به تعالى وحقيقته المبالغة في منع الرحمة.

وقال في المجمع: وقال بعض المحققين: إنما قال سبحانه هنا:{وإن عليك اللعنة} بالألف واللام، وقال في سورة ص:{لعنتي} بالإضافة لأن هناك يقول:{لما خلقت بيدي} مضافا، فقال:{وإن عليك لعنتي} على المطابقة، وقال هنا:{ما لك ألا تكون مع الساجدين} وساق الآية على اللام في قوله:{ولقد خلقنا الإنسان} وقوله:{والجان} فأتى باللام أيضا في قوله:{وإن عليك اللعنة} انتهى وقال أيضا في الآية بيان أنه لا يؤمن قط.

وأما تقييد اللعنة بقوله:{إلى يوم الدين} فلأن اللعنة هي عنوان الإثم والوبال العائد إلى النفس من المعصية والمعصية محدودة بيوم القيامة فاليوم عمل ولا جزاء وغدا جزاء ولا عمل، وإن شئت فقل: هذه الدار دار كتابة الأعمال وحفظها ويوم القيامة دار الحساب والجزاء.

وأما قول القائل: إن تحديد اللعن بيوم الدين دليل على كونه مغيا به مرفوعا فيه وفيما بعده فمما يدفعه ظاهر الآيات المبينة للعذاب يوم القيامة.

ويؤيد ذلك التعبير في الآية عن يوم القيامة بيوم الدين المشعر بأنه ملعون قبل يوم القيامة ومجزي به فيه، ولو انقطع العذاب بقيام الساعة لكان اليوم يوم انقطاع الدين لا يوم الدين.

وربما قيل في دفع إشكال الغاية إن ذلك أبعد غاية يضربها الخلائق فهوكقوله:{ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} الآية، وهو كما ترى وقد عرفت معنى الآية المقيس عليها في تفسير سورة هود.

وربما قيل: إن المراد باللعنة في الآية لعن الخلائق وذلك منقطع بمجيء يوم الدين دون لعنه تعالى وإبعاده له من رحمته فإنه متصل إلى الأبد.

وكأن هذا القائل ذهب عليه قوله تعالى في سورة ص:{ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ }: الآية: 78.

قوله تعالى:{ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} الإنظار هو الإمهال وقد صدر كلامه بقوله:{رب} وهو يخاصمه وقد عصاه واستكبر عليه تعالى لأنه في مقام الدعاء لا مفر له من دعوته تعالى بما يثير به الرحمة الإلهية المطلقة وهو الالتجاء إليه بربوبيته له ليستجيب له وهو مغضوب عليه.

وقد صدر مسألته بفاء التفريع في قوله:{فأنظرني} وذكر فيه بعثة عامة البشر من غير أن يخص بالذكر آدم أباهم الذي ابتلي بالرجم واللعن من أجل الإباء عن السجود له وذلك كله مبني على ما تقدم في تفسير آيات القصة في سورة الأعراف أن المأمور به كان هو السجود لعامة البشر وكان آدم (عليه السلام) كالقنبلة المنصوبة للسجود يمثل به النوع الإنساني.

وتوضيحه أنه قد تقدم في قوله تعالى:{ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ }: الأعراف: 11 أنهم إنما أمروا بالسجدة لنوع الإنسان لا لشخص آدم (عليه السلام) ولم يكن هذه السجدة تشريفا اجتماعيا من غير غاية حقيقية بل كانت خضوعا بحسب الخلقة فهم بحسب ما أريد من خلقتهم خاضعون للإنسان بحسب ما أريد من كمال خلقته، أي إنهم مسخرون لأجله عاملون في سبيل سعادة حياته أي إن للإنسان منزلة من القرب ومرحلة من كمال السعادة تفوق ما للملائكة من ذلك.

فسجودهم جميعا له دليل أنهم جميعا مسخرون في سبيل كماله من السعادة عاملون لأجل فوزه وفلاحه كملائكة الحياة وملائكة الموت وملائكة الأرزاق وملائكة الوحي والمعقبات والحفظة والكتبة وغيرهم ممن تذكرهم متفرقات الآيات القرآنية فالملائكة أسباب إلهية وأعوان للإنسان في سبيل سعادته وكماله.

ومن هنا يظهر للمتدبر الفطن أن إباء إبليس عن السجدة استنكاف منه عن الخضوع لنوع الإنسان والعمل في سبيل سعادته وإعانته على كمال المطلوب على خلاف ما ظهر من الملائكة فهوبإبائه عن السجدة خرج من جمع الملائكة كما يفيده قوله تعالى:{ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} وأظهر الخصومة لنوع الإنسان والبراءة منهم ما حيوا وعاشوا أوخالدا مؤبدا.

ويؤيده جعله تعالى اللعنة المطلقة عليه من يوم أبى إلى يوم الدين وهومدة مكث النوع الإنساني في هذه الدنيا فجعلها عليه كذلك ولما يدع إبليس أنه سيغويهم ولم يقل بعد:{لأغوينهم أجمعين} مشعر بأن إباءه عن السجدة نوع خصومة وعداوة منه لهذا النوع آخذا من آدم إلى آخر من سيولد ويعيش من ذريته.

فكأنه عليه اللعنة فهم من قوله تعالى:{ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} أن له شأنا مع النوع الإنساني إلى يوم القيامة وأن لشقائهم وفساد أعمالهم ارتباطا به من حيث امتنع عن السجود ولذلك سأل النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك على اللعنة المجعولة عليه فقال:{ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ولم يقل: رب أنظرني إلى يوم يبعثون ولم يقل: أنظرني إلى يوم يموت آدم أوأنظرني ما دام حيا يعيش بل ذكر آدم وبنيه جميعا وطلب النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك على اللعنة إلى يوم الدين فلما أجيب إلى ما سأل أبدى ما في كمون ذاته وقال: لأغوينهم أجمعين.

قوله تعالى: قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } جواب منه سبحانه لإبليس وفيه إجابة ورد أما الإجابة فبالنسبة إلى أصل الإنظار الذي سأله وأما الرد فبالنسبة إلى القيد وهو أن يكون الإنظار إلى يوم يبعثون فإن من الواضح اللائح بالنظر إلى سياق الآيتين أن يوم وقت المعلوم غير يوم يبعثون فلم يسمح له بإنظاره إلى يوم يبعثون بل إلى يوم هو غيره ولا محالة هو قبل يوم البعث.

وبذلك يظهر فساد قول من قال إنه لعنه الله أجيب إلى ما سأل واليومان في الآيتين واحد ومن الدليل عليه قوله في سورة الأعراف في القصة:{قال إنك من المنظرين}: الآية: 15 من غير أن يقيد بشيء.

أما فساد دعواه اتحاد اليومين في الآيتين فقد ظهر مما تقدم وأما فساد الاستدلال بإطلاق آية الأعراف فلأنها تتقيد بما في هذه السورة وسورة ص من التقييد بقوله:{إلى يوم الوقت المعلوم} وهذا كثير شائع في كلامه تعالى والقرآن يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض.

وظاهر يوم الوقت المعلوم أنه وقت تعين في العلم الإلهي نظير قوله:{وما ننزله إلا بقدر معلوم}: الحجر: 21، وقوله:{أولئك لهم رزق معلوم}: الصافات: 41 فهو معلوم عند الله قطعا وأما أنه معلوم لإبليس أومجهول عنده فغير معلوم من اللفظ، وقول بعضهم: إنه سبحانه أبهم اليوم ولم يبين فهومعلوم لله غير معلوم لإبليس لأن في بيانه إغراء بالمعصية كلام خال عن الدليل فإبهام اللفظ بالنسبة إلينا غير إبهام ما ألقي إلى إبليس من القول بالنسبة إليه على أن إغراء إبليس بالمعصية وهو الأصل لكل معصية مفروضة لا يخلوعن إشكال فافهمه.

على أن قول إبليس ثانيا:{لأغوينهم أجمعين} شاهد على أنه سيبقى إلى آخر ما يعيش الإنسان في الدنيا ممن يمكنه إغواؤه فقد كان فهم من قوله تعالى:{إلى يوم الوقت المعلوم} أنه آخر عمر البشر العائشين في الأرض الجائز له إغواؤهم.

ونسب إلى ابن عباس ومال إليه الجمهور: أن اليوم هو آخر أيام التكليف وهو النفخة الأولى يوم يموت الخلائق وكأنه مبني على أن إبليس باق ما بقي التكليف وأمكنت المخالفة والمعصية، وهو مدة عمر الإنسان في الدنيا، وينتهي ذلك إلى النفخة الأولى التي بها يموت الخلائق فهو يوم الوقت المعلوم الذي أنظره الله إليه، وبينه وبين النفخة الثانية التي فيها يبعثون أربعمائة سنة أو أربعون سنة على اختلاف الروايات، وهي ما به التفاوت بين ما سأله إبليس وبين ما أجاب إليه الله سبحانه.

وهذا وجه حسن لولا ما فيه من قولهم: إن إبليس باق ما بقي التكليف وأمكنت المخالفة والمعصية فإنها مقدمة لا بينة ولا مبينة وذلك أن تعويل القوم في ذلك على أن المستفاد من الآيات والأخبار كون كل كفر وفسوق موجود في النوع الإنساني مستندا إلى إغواء إبليس ووسوسته كما يدل عليه أمثال قوله تعالى:{أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدومبين}: يس: 60 وقوله:{ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } إلخ إلى غير ذلك من الآيات.

ومقتضاها أن يدوم وجود إبليس ما دام التكليف باقيا، والتكليف باق ما بقي الإنسان وهو المطلوب.

وفيه أن كون المعصية الإنسانية مستندة بالجملة إلى إغواء إبليس مستفادة من الآيات والروايات لا غبار عليه لكنه إنما يقتضي بقاء إبليس ما دامت المعصية والغواية باقية لا بقاءه ما دام التكليف باقيا، ولا دليل على الملازمة بين المعصية والتكليف وجودا.

بل الحجة قائمة من العقل والنقل على أن غاية الإنسان النوعية وهي السعادة ستعم النوع ويتخلص المجتمع الإنساني إلى الخير والصلاح ولا يعبد على الأرض يومئذ إلا الله سبحانه، وينطوي وقتئذ بساط الكفر والفسوق، ويصفو العيش ويرتفع أمراض القلوب ووساوس الصدور، وقد تقدم تفصيل ذلك في مباحث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.

قال تعالى:{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }: الروم: 41، وقال:{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }: الأنبياء: 105.

ومن ذلك يظهر أن الذي استندوا إليه من الحجة إنما يدل على كون يوم الوقت المعلوم الذي جعله الله غاية إنظار إبليس هو يوم يصلح الله سبحانه المجتمع الإنساني فينقطع دابر الفساد ولا يعبد يومئذ إلا الله لا يوم يموت الخلائق بالنفخة الأولى.

قوله تعالى:{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } الباء في قوله:{بما أغويتني} للسببية و{ما} مصدرية أي أتسبب بإغوائك إياي إلى التزيين لهم وألقي إليهم ما استقر في من الغواية كما قالوا يوم القيامة على ما حكى الله:{أغويناهم كما غوينا}: القصص: 63.

وقول بعضهم: إن الباء للقسم أي أقسم بإغوائك لأزينن من أردإ القول فلم يعهد في كتاب ولا سنة أن يقسم بمثل الإغواء والإضلال وليس فيه شيء مفهوم من التعظيم اللازم في القسم.

وقد نسب لعنه الله في قوله:{بما أغويتني} إلى الله سبحانه أنه أغواه ولم يرده الله سبحانه إليه ولا أجاب عنه وليس مراده به غوايته إذ عصى أمر السجدة ولم يسجد لآدم (عليه السلام) والدليل على ذلك أن لا رابطة بين معصيته في نفسه وبين معصية الإنسان لربه حتى يكون معصيته سبب معصيتهم ويتسبب هوبها إلى إغوائهم.

وإنما يريد به ما يفيده قوله تعالى:{ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } من استقرار اللعنة المطلقة فيه وهي الإبعاد من الرحمة والإضلال عن طريق السعادة وهي إغواء له أثر الغواية التي أبداها من نفسه وأتى بها من عنده فيكون من إضلاله تعالى مجازاة لا إضلالا ابتدائيا وهو جائز غير ممتنع عليه تعالى، ولذلك لم يرده كما قال تعالى:{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ }: البقرة: 26، وقد بينا ذلك في ذيل الآية ومواضع أخرى من هذا الكتاب.

وعند هذا يستقيم معنى السببية أعني إغواءه الناس بسبب الإغواء الذي مسه واستقر فيه فإن البعد من الرحمة والبون من السعادة لما كان لازما لنفسه بلزوم اللعنة الإلهية له كان كلما اقترب من قلب إنسان بالوسوسة والتسويل أواستولى على نفس من النفوس وهو بعيد من الرحمة والسعادة أوجب ذلك بعد من اقترب منه أوتسلط عليه، وهو إغواؤه بإلقاء أثر الغواية التي عنده إليه وهو ظاهر.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية ومحصله أن المراد بالإغواء ليس هو الإضلال الابتدائي بل الإضلال على سبيل المجازاة الذي يدل عليه قوله:{وإن عليك لعنتي} الآية.

وأما القوم فكالمسلم عندهم أن قوله:{بما أغويتني} لوكان بمعناه الظاهر وهو الإضلال لكان هو الإضلال الابتدائي وكان ناظرا إلى إبائه وامتناعه عن السجدة ولذا استشكلوا الآية واختلفوا في تفسير الإغواء على اختلاف مذاهبهم في استناد الشر إليه تعالى وصدوره منه جوازا وامتناعا.

فقال بعضهم وهم أهل الجبر: إن إسناد الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه لذلك يدل على أن الشر كالخير من الله تعالى، والمعنى رب بما أضللتني بالامتناع عن السجدة - فهومنك - أقسم لأضلنهم أجمعين.

وقال آخرون وهم غيرهم: أنه لا يجوز استناد الشر والمعصية وكل قبيح إليه تعالى ووجهوا الآية بوجوه.

أحدها: أن الإغواء في الآية بمعنى التخييب والمعنى رب بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعوة إلى معصيتك.

الثاني: أن المراد بالإغواء الإضلال عن طريق الجنة والمعنى بما أضللتني عن طريق جنتك لما صدر مني من معصيتك لأضلنهم بالدعوة.

الثالث: أن المراد بقوله:{بما أغويتني} بما كلفتني أمرا ضللت عنده بالمعصية وهوالسجود فسمى ذلك إضلالا منه له توسعا وأنت بالتأمل فيما قدمناه تعرف أن الآية في غنى عن هذا البحث وما أبدىء فيه من الوجوه.

ونظير هذا البحث بحثهم عن الإنظار الواقع في قوله:{إنك من المنظرين} من جهة أنه مفض إلى الإغواء القبيح وترجيح للمرجوح على الراجح.

فقال المجوزون: إن الآية تدل على أن الحسن والقبح اللذين يعلل بهما العقل أفعالنا لا تأثير لهما في أفعاله تعالى فله أن يثيب من يشاء ويعذب من يشاء من غير جهة مرجحة حتى مع رجحان الخلاف، قالوا: ومن زعم أن حكيما يحصر قوما في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد من أولئك القوم بالإحراق واللسع فقد خرج عن الفطرة الإنسانية فإذن من حكم الفطرة أن الله تعالى أراد بإنظار إبليس إضلال بعض الناس.

والمانعون يوجهون الإنظار بأنه تعالى كان يعلم من إبليس وأتباعه أنهم يموتون على الكفر والفسوق ويصيرون إلى النار أنظر إبليس أولم ينظر على أنه تعالى تدارك تأييده ذلك بمزيد ثواب المؤمنين المتقين.

على أنه يقول:{ولأغوينهم} ولوكان الإغواء من الله لأنكره عليه إلى غير ذلك مما أوردوه من الوجوه.

وليت شعري ما الذي أغفلهم عن آيات الامتحان والابتلاء على كثرتها كقوله تعالى:{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}: الأنفال: 37، وقوله:{ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}: آل عمران: 154، وغيرهما من الآيات الدالة على أن نظام السعادة والشقاء والثواب والعقاب مبني على أساس الامتحان والابتلاء، والإنسان واقع بين الخير والشر والسعادة والشقاء له ما يختاره من العمل بنتائجه.

فلولا أن يكون هناك داع إلى الخير وهم الملائكة الكرام وإن شئت فقل: هو الله، وداع إلى الشر وهم إبليس وقبيله لم يكن للامتحان معنى قال تعالى:{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا }: البقرة: 268.

ولئن أيد الله إبليس على الإنسان بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم فقد أيده عليه بالملائكة الباقين ببقاء الدنيا ولم يقل سبحانه له: إنك منظر بل قال:{إنك من المنظرين} فأثبت منظرين غيره وجعله بعضهم.

ولئن أيده بالتمكين بتزيين الباطل من الكفر والفسوق للإنسان أيد الإنسان بأن هداه إلى الحق وزين الإيمان في قلبه وفطرة على التوحيد، وعرفه الفجور والتقوى، وجعل له نورا يمشي به في الناس إن آمن بربه إلى غير ذلك من الأيادي، قال:{قل الله يهدي للحق}: يونس: 35، وقال:{ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ }: الحجرات: 7، وقال:{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا }: الروم: 30، وقال:{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }: الشمس: 8، وقال:{ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}: الأنعام: 122،{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }: غافر: 51، والتكلم بالغير مشعر بوساطة الملائكة.

فالإنسان خلق هو في نفسه أعزل ليس معه شيء من السعادة والشقاء بحسب بدء خلقته واقف في ملتقى سبيلين: سبيل الخير والطاعة وهو سبيل الملائكة ليس لهم إلا الطاعة، وسبيل الشر والمعصية وهو سبيل إبليس وجنوده وليس معهم إلا المخالفة والمعصية، فإلى أي السبيلين مال في مسير حياته وقع فيه ورافقه أصحابه وزينوا له ما عندهم وهدوه إلى ما ينتهي إليه سبيلهم وهو الجنة أو النار والسعادة أو الشقاء.

فقد بان مما تقدم أن إنظار إبليس إلى يوم الوقت المعلوم ليس من تقديم المرجوح على الراجح ولا إبطالا لقانون العلية بل ليتيسر به وبما يقابله من بقاء الملائكة ما هو الواجب من أمر الامتحان والابتلاء فلا محل للاستشكال.

وقوله:{لأزينن لهم في الأرض} أي لأزينن لهم الباطل أولأزينن لهم المعاصي على ما قيل والمعنى الأول أجمع والمفعول محذوف على أي حال، والظاهر أن المفعول معرض عنه والفعل مستعمل استعمال اللازم، والغرض بيان أصل التزيين كناية عن الغرور يقال: زين له كذا وكذا أي حمله عليه غرورا، وضمير{هم} لآدم وذريته على ما يدل عليه السياق، والمراد بالتزيين لهم في الأرض غرورهم في هذه الحياة الأرضية وهي الحياة الدنيا وهو السبب القريب للإغواء فيكون عطف قوله:{ولأغوينهم أجمعين} عليه من عطف المسبب على السبب المترتب عليه.

والآية تشعر بل تدل على ما قدمناه في تفسير آيات جنة آدم في الجزء الأول من الكتاب أن معصية آدم بالأكل من الشجرة المنهية عن وسوسة إبليس لم تكن معصية لأمر مولوي بل مخالفة لأمر إرشادي لا يوجب نقضا في عصمته فإنه يعرف الأرض في الآية ظرفا لتزيينه وإغوائه فما كان غروره لآدم وزوجته في الجنة إلا ليخرجهما منها وينزلهما إلى الأرض فيتناسلا فيها فيغويهما وبنيهما عن الحق ويضلهم عن الصراط قال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا}: الأعراف: 27.

وقوله:{ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} استثنى من عموم الإغواء طائفة خاصة من البشر وهم المخلصون - بفتح اللام على القراءة المشهورة - والسياق يشهد أنهم الذين أخلصوا لله وما أخلصهم إلا الله سبحانه، وقد قدمنا في الكلام على الإخلاص في تفسير سورة يوسف أن المخلصين هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعد ما أخلصوا أنفسهم لله فليس لغيره سبحانه فيهم شركة ولا في قلوبهم محل فلا يشتغلون بغيره تعالى فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله وتزييناته عاد ذكرا لله مقربا إليه.

ومن هنا يترجح أن الاستثناء إنما هو من الإغواء فقط لا منه ومن التزيين بمعنى أنه لعنه الله يزين للكل لكن لا يغوي إلا غير المخلصين.

ويستفاد من استثناء العباد أولا ثم تفسيره بالمخلصين أن حق العبودية إنما هو بأن يخلص الله العبد لنفسه أي أن لا يملكه إلا هو ويرجع إلى أن لا يرى الإنسان لنفسه ملكا وأنه لا يملك نفسه ولا شيئا من صفات نفسه وآثارها وأعمالها وأن الملك - بكسر الميم وضمها - لله وحده.

وقوله تعالى:{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } ظاهر الكلام على ما يعطيه السياق أنه كناية على أن الأمر إليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه كما أن كون طريق السفينة على البحر يقضي على راكبيها بأن لا مفر لهم مما يستدعيه العبور على الماء من العدة والوسيلة وكذا كون طريق القافلة على الجبل يحوجهم إلى ما يتهيأ به لعبور قلله الشاهقة ومسالكه الصعبة فكونه صراطا عليه تعالى بالاستقامة هو أنه أمر متوقف من كل جهة إلى حكمه وقضائه تعالى فإنه الله الذي منه يبدأ كل شيء وإليه ينتهي فلا يتحقق أمر إلا وهو ربه القيوم عليه.

وظاهر السياق أيضا أن الإشارة بقوله:{هذا صراط} إلخ إلى قول إبليس:{ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } لما أظهر بقوله هذا أنه سينتقم منهم ويبسط سلطته بالتزيين والإغواء عليهم جميعا فلا يخلص منهم إلا القليل كأنه يشير إلى أنه سيستقل بما عزم عليه ويعلو بإرادته على الله سبحانه فيما أراد من خلقهم واستخلافهم واستعبادهم كما حكاه الله تعالى من قوله في موضع آخر من قوله:{ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}: الأعراف: 17.

فمعنى الآية أن ما ذكرت من أنك ستغويهم أجمعين واستثنيت منهم من استثنيت وأظهرت نسبته إلى قوتك ومشيئتك زاعما فيه أنك مستقل به، أمر لا يملكه إلا أنا ولا يحكم فيه غيري ولا يصدر إلا عن قضائي فإن أغويت فبإذني أغويت وإن منعت فبمشيئتي منعت فليس إليك من الأمر شيء ولا من الملك إلا ما ملكتك ولا من القدرة إلا ما أقدرتك، والذي أقضيه لك من السلطان أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك إلخ.

قوله تعالى:{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} هذا هوالقضاء الذي أشار سبحانه إليه في الآية السابقة في أمر الإغواء وذكر أنه له وحده ليس لغيره فيه صنع ولا نصيب.

ومحصله أن آدم وبنيه كلهم عباده لا كما قاله إبليس حيث قصر عباده على المخلصين منهم إذ قال:{ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ولم يجعل سبحانه له عليهم - أي على العباد - سلطانا حتى يستقل بأمرهم فيغويهم وإنما جعل له السلطان على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين وولوه أمرهم وألقوا إليه زمام تدبيرهم فهؤلاء هم الذين له عليهم سلطان.

فإذا أمعنت في الآية وجدتها ترد على إبليس قوله:{ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} من ثلاث جهات أصلية: إحداها: أنه حصر عباده في المخلصين منهم ونفى عنهم سلطان نفسه وعمم سلطانه على الباقين والله سبحانه عمم عباده على الجميع وقصر سلطان إبليس على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين ونفى سلطانه على الباقين.

والثانية: أنه لعنه الله ادعى لنفسه الاستقلال في إغوائهم كما يظهر من قوله:{لأغوينهم} في سياق المخاصمة والتقريع بالانتقام والله سبحانه يرد عليه بأنه منه مزعمة باطلة وإنما هوعن قضاء من الله وسلطان بتسليطه وإنما ملكه إغواء من اتبعه وكان غاويا في نفسه وبسوء اختياره.

فلم يأت إبليس بشيء من نفسه ولم يفسد أمرا على ربه لا في إغوائه أهل الغواية فإنه بقضاء من الله سبحانه أن يستقر لأهل الغواية غيهم بسببه - وقد اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله:{رب بما أغويتني} - ولا في استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من الله نافذ فلا حكم إلا لله.

وهذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الذين هم في أنفسهم غاوون وتخليص المخلصين وهم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك بقضاء من الله، مبني على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال قوله تعالى:{إن الحكم إلا لله}: يوسف: 67، وقوله:{ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ }: القصص: 70، وقوله:{الحق من ربك}: آل عمران: 60، وقوله:{ويحق الله الحق بكلماته}: يونس: 82، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن كل حكم إيجابي أوسلبي فهو مملوك لله نافذ بقضائه.

ومن هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله:{إلا من اتبعك من الغاوين} من المسامحة فإنهم قالوا: إنه إذا قبل من إبليس واتبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغي وظاهره أنه سلطان قهري يحصل لإبليس عن سوء اختيارهم ليس من عند نفسه ولا بجعل من الله سبحانه.

وجه الفساد: أن فيه أخذ الاستقلال والحول الذاتي من إبليس وإعطاؤه ذوات الأشياء ولوكان إبليس لا يملك شيئا من عند نفسه وبغير إذن ربه فالأشياء والأمور أيضا لا تملك لنفسها شيئا ولا حكما حتى الضروريات ولوازم الذوات إلا بإذن من الله وتمليك فافهمه.

والثالثة: أن سلطانه على إغواء من يغويه وإن كان بجعل وتسليط من الله سبحانه إلا أنه ليس بتسليط على الإغواء والإضلال الابتدائي غير الجائز إسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الإغواء بنحوالمجازاة المسبوق بغوايتهم من عندهم وفي أنفسهم.

والدليل على ذلك قوله تعالى:{إلا من اتبعك من الغاوين} فإبليس إنما يغوي من اتبعه بغوايته أي إن الإنسان يتبعه بغوايته أولا فيغويه هو ثانيا فهناك غواية بعدها إغواء والغواية إجرام من الإنسان والإغواء بسبب إبليس مجازاة من الله سبحانه.

ولوكان هذا الإغواء إغواء ابتدائيا من إبليس لمن لا يستحق ذلك لكان هو الأليق باللوم دون الإنسان كما يذكره يوم القيامة على ما يحكيه سبحانه بقوله:{ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}: إبراهيم: 22.

فاللوم على الإنسان المجرم وهو مسئول عن معصيته دون إبليس.

نعم إبليس ملوم على ما يتلبس به من الفعل بسوء اختياره وهو الإغواء الذي سلطه الله عليه مجازاة لما امتنع من السجود لآدم لما أمر به فالإغواء هو الذي استقرت ولايته عليه كما يشير سبحانه إليه في موضع آخر من كلامه إذ يقول: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}: الأعراف: 27، وقال تعالى وهو أوضح ما يؤيد جميع ما قدمناه:{ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}: الحج: 4.

وقد تحصل مما تقدم أن المراد بقوله:{عبادي} عامة الإنسان، وأن الاستثناء في قوله:{من اتبعك} متصل لا منقطع، وأن{من} في قوله:{من الغاوين} بيانية، وأن الكلام مبني على رد قول إبليس، وأن الآية مشتملة على قضاءين من الله سبحانه في عقدي المستثنى والمستثنى منه وغير ذلك.

ومن ذلك يظهر عدم استقامة قول بعضهم: إن المراد بعبادي هم الذين استثناهم إبليس وعبر عنهم بقوله:{عبادك منهم} فيكون الاستثناء منقطعا والكلام مسوقا لتقرير قول إبليس إن له سلطانا على من يغويه وإن المخلصين لا سبيل له إليهم والمعنى أن المخلصين لا سلطان لك عليهم لكنك مسلط على من اتبعك من الغاوين.

وأنت تعلم بالتأمل فيما تقدم أن هذا هدم لأساس السياق وما يعطيه مقام المخاصمة وتحق نسبته إلى ساحة العزة والكبرياء وتنزيل خطابه تعالى منزلة لا يفيد معها أكثر من تغيير صورة كلام إبليس مع حفظ معناه تقريرا أو اعترافا فهويقول: سأغويهم إلا المخلصين، والله سبحانه يقول: لا تغوي المخلصين لكن تغوي غيرهم!.

وربما فسر بعضهم قوله:{عبادي} بجميع البشر وأخذ مع ذلك الاستثناء منقطعا ولعل ذلك بالبناء على عدم جواز استثناء أكثر الأفراد فلا يقال: له على مائة إلا تسعة وتسعون مثلا ومن المعلوم أن الغاوين من الناس أكثر من المخلصين بما لا يقاس.

وفيه أن ذلك إنما هوفيما كان النظر في الاستثناء إلى صريح العدد وأما إذا كان المنظور إليه هوالنوع أوالصنف بعنوانه فلا بأس بزيادة عدد الأفراد، وللإنسان عدة أصناف: المخلصون ومن دونهم من المؤمنين والمستضعفون والذين اتبعوا إبليس من الغاوين، وقد استثنى الصنف الأخير في الآية بعنوانه وبقي الباقون وهم أصناف.

ومنهم من جعل الاستثناء منقطعا حذرا من ثبوت سلطان إبليس حتى على الغاوين زعما منه أنه ينافي إطلاق السلطنة الإلهية أوعدله تعالى ومعنى الآية على هذا، أن عبادي ليس لك عليهم سلطان لكن من اتبعك من الغاوين ألقى إليك زمام نفسه وجعل لك على نفسه سلطانا وليس ذلك من نفسك حتى تعجز الله في خلقه ولا من الله حتى ينافي عدله تعالى.

وفيه: أن له سلطانا على الغاوين لا من نفسه بل بجعل من الله ولا ينافي ذلك عدله في خلقه فإنه تسليط مجازاة لا تسليط ابتدائي، ولا منافاة بين كون السلطان بقضاء منه تعالى وكونه باتباع الغاوين له باختيارهم فكل ذلك مما قد تبين فيما قدمناه.

على أن قوله تعالى فيه:{ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ}: الحج: 4، وقوله:{ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}: الأعراف: 27، يدلان صريحا على ثبوت سلطانه وأنه بجعل من الله سبحانه وقضاء.

قوله تعالى:{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} الظاهر أن{موعد} اسم مكان والمراد بكون جهنم موعدهم كونه محل إنجاز ما وعدهم الله من العذاب.

وهذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته ورجوع الأمر كله إليه كأنه تعالى يقول له: ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك ولم تعجزنا بل نحن سلطناك عليهم لاتباعهم لك على أنا سنجازيهم بعذاب جهنم.

ولكون الكلام مسوقا لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم ولم يذكر معهم إبليس ولا جزاءه بخلاف قوله:{ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}: ص: 85، وقوله:{ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا }: الإسراء: 63، لأن المقام غير المقام.

قوله تعالى:{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} لم يبين سبحانه في شيء من صريح كلامه ما هو المراد بهذه الأبواب أ هي كأبواب الحيطان مداخل تهدي الجميع إلى عرصة واحدة أم هي طبقات ودركات تختلف في نوع العذاب وشدته؟ وكثيرا ما يسمى في الأمور المختلفة الأنواع كل نوع بابا كما يقال: أبواب الخير وأبواب الشر وأبواب الرحمة، قال تعالى:{ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ }: الأنعام: 44، وربما سمي أسباب الشيء وطرق الوصول إليه أبوابا كأبواب الرزق لأنواع المكاسب والمعاملات.

وليس من البعيد أن يستفاد المعنى الثاني من متفرقات آيات النار كقوله تعالى:{وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها - إلى أن قال: قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها}: الزمر: 72،وقوله{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ }: النساء: 145، إلى غير ذلك من الآيات.

ويؤيده قوله:{لكل باب منهم جزء مقسوم} فإن ظاهره أن نفس الجزء مقسوم موزع على الباب، وهذا إنما يلائم الباب بمعنى الطبقة دون الباب بمعنى المدخل وأما تفسير بعضهم الجزء المقسوم بالفريق المعين المفروز من غيره فوهنه ظاهر.

وعلى هذا فكون جهنم لها سبعة أبواب هو كون العذاب المعد فيها متنوعا إلى سبعة أنواع ثم انقسام كل نوع أقساما حسب انقسام الجزء الداخل الماكث فيه، وذلك يستدعي انقسام المعاصي الموجبة للدخول فيها سبعة أقسام، وكذا انقسام الطرق المؤدية والأسباب الداعية إلى تلك المعاصي ذاك الانقسام، وبذلك يتأيد ما ورد من الروايات في هذه المعاني كما سيوافيك إن شاء الله.

________________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج12،ص126-139.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

وهنا سأل اللّه إِبليسَ: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}.

فأجاب إِبليس بعد أن كان غارقاً في بحر الغرور المظلم، وتائهاً في حب النفس المقتم، وبعد أن غطى حجاب الخسران عقله.. أجاب بوقاحة { قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}.. فأين النّار المضيئة من التراب الأسود المتعفن! وهل لموجود شريف مثلي أن يتواضع ويخضع لموجود أدنى منه! أيُّ قانون هذا؟!..

ونتيجةً للغرور وحب النفس، فقد جهل أسرار الخليقة، ونسي بركات التراب الذي هو منبع كل خير وبركة، والأهم من ذلك كله.. فقد تجاهل شرافة تلك الروح التي أودعها الرّب في آدم.. وكنتيجة طبيعية لهذا السلوك المنحرف فقد هوى من ذلك المقام المرموق بعد أن أصبح غير لائق لأن يكون في درجة الملائكة وبين صفوفهم، فجاء الأمر الإِلهي مقرعاً: { قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ }، أي أخرج من الجنّة، أو من السماوات أو اخرج من بين صفوف الملائكة.

واعلم يا إِبليس بأنّ غرورك أصبح سبباً لكفرك، وكفرك قد أوجب طردك الأبدي { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} أي، إِلى يوم القيامة.

وهنا.. حينما وجد إِبليس نفسه مطروداً من الساحة الإِلهية، ساوره إِحساس بأنّ خلق الإِنسان هو سبب شقائه فاشتعلت نار الحقد والضغينة في قلبه لينتقم لنفسه من أولاد آدم(عليه السلام).

فبالرغم من أنّ السبب الحقيقي يرجع إِلى إِبليس نفسه وليس لآدم دخل في ذلك، إِلاّ أن غروره وحبّه لنفسه وعناده المستحكم لم يعطياه الفرصة لدرك حقيقة شقاءه، ولهذا { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }، ليركز عناده وعداءه!

وقبل اللّه تعالى طلبه: { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}.

ولكن ليس إِلى يوم يبعثون كما أراد، بل { إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}. فما هو يوم الوقت المعلوم؟

قال بعض المفسّرين: هو نهاية هذا العالم وانتهاء التكليف، لأنّ بعد ذلك (كما يفهم من ظاهر الآيات القرآنية) تحلّ نهاية حياة جميع الكائنات، ولا يبقى حي إِلاّ الذات الإِلهية المقدسة، ومن هذا نفهم حصول الموافقة على بعض طلب إِبليس.

وقال بعض آخر: هو زمان معين لا يعلمه إِلاّ اللّه، لإنّه لو أظهره عزَّوجلّ لكان لإِبليس ذريعة في المزيد من التمرد والمعاصي.

وثمة مَنْ قال: إنّه يوم القيامة، لأن إِبليس أراد أن يكون حياً إِلى ذلك اليوم ليكون بذلك من الخالدين في الحياة، وإِن يوم الوقت المعلوم قد ورد بمعنى يوم القيامة في سورة الواقعة (الآية / 50)، وهو ما يعزز هذا القول.

ويبدو أن هذا الإحتمال بعيد جداً لأنه يتضمن الموافقة الإِلهية على كل طلب إِبليس، والحال أن ظاهر الآيات المذكورة لا تعطي هذا المعنى، فلم تبيّن الآيات أن اللّه استجاب لطلبه بالكامل، بل يوم الوقت المعلوم... ومن هنا يكون التّفسير الأوّل أكثر توافقاً مع روح وظاهر الآية، وكذلك ينسجم مع بعض الرّوايات عن الإِمام الصّادق (عليه السلام) بهذا الخصوص(2).

وهنا أظهر إِبليس نيته الباطنية { قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} وكان هذا الإِنسان سبباً لشقائي { لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} نعمها المادية { وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} بإِلهائهم بتلك النعم.

إِلاّ أنّه يعلم جيداً بأن وساوسه سوف لن تؤثر في قلوب عباد اللّه المخلصين، وأنّهم متحصنون من الوقوع في شباكه، لأنّ قوة الإِيمان ودرجة الإِخلاص عندهم بمكان يكفي لدرء الخطر عنهم بتحطيم قيود الشيطان عن أنفسهم.. ولهذا نراه قد استثنى في طلبه { إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.

من البديهي أنّ اللّه سبحانه منزّه عن تضليل خلقه، إِلاّ أنّ محاولة إِبليس لتبرير ضلاله وتبرئة نفسه جعلته ينسب ذلك إِلى اللّه سبحانه وتعالى. هذا الموقف هو ديدن جميع الأبالسة والشياطين، فهم يلقون تبعة ذنوبهم على الآخرين أوّلاً ومن ثمّ يسعون لتبرير أعمالهم القبيحة بمنطق مغلوط ثانياً، والمصيبة أن مواقفهم تلك إِنّما يواجهون بها ربّ العزة والجبروت، وكأنّهم لا يعلمون أنّه لا تخفى عليه خافية.

وينبغي ملاحظة أن «المخلصين» جمع مخلَص (بفتح اللام) وهو ـ كما بيّناه في تفسير سورة يوسف ـ المؤمن الذي وصل إِلى مرحلة عالية من الإِيمان والعمل بعد تعلم وتربية ومجاهدة مع النفس، فيكون ممتنعاً من نفوذ وساوس الشيطان وأيّ وسواس آخر.

ثمّ قال تعالى تحقيراً للشيطان وتقوية لقلوب العباد المؤمنين السالكين درب التوحيد الخالص: { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}.

يعني، يا إِبليس ليس لك القدرة على إِضلال الناس، لكن الذين يتبعونك إِن هم إِلاّ المنحرفين عن الصراط المستقيم والمستجيبين لدواعي رغباتهم وميولهم.

وبعبارة أُخرى.. إِنّ الإِنسان حر الإِرادة، وإِنّ إِبليس وجنوده لا يقوون على أن يجبروا إِنساناً واحداً على السير في طريق الفساد والضلال، لكنّه الإِنسان هو الذي يلبي دعوتهم ويفتح قلبه أمامهم ويأذن لهم في الدخول فيه!

وخلاصة القول: إنّ الوساوس الشيطانية وإن كانت لا تخلو من أثر في تضليل وانحراف الإِنسان، إِلاّ أنّ القرار الفعلي للإِنصياع للوساوس أو رفضها يرجع بالكامل إِلى الإِنسان، ولا يستطيع الشيطان وجنوده مهما بلغوا من مكر أن يدخلوا قلب إِنسان صاحب إِرادة موجهة صوب الإِيمان المخلص.

وأراد اللّه سبحانه بهذا القول نزع الخيال الباطل والغرور الساذج من فكر الشيطان من أنّه سيجد سلطة فائقة على الناس وبلا منازع، يمكنه من خلالها إِغواء من يريد.

ثمّ يهدد اللّه بشدّة أتباع الشيطان: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} وأنْ ليس هناك وسيلة للفرار، والكل سيحاسب في مكان واحد.

{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ }.

هي أبواب للذنوب التي يدخلون جهنم بسببها، وكل يحاسب بذنبه.. كما هو الحال في أبواب الجنّة التي هي عبارة عن طاعات وأعمال صالحة ومجاهدة للنفس يدخل بها المؤمنون الجنّة.

______________

1- تفسير الامثل،مكارم الشيرازي،ج6،ص611-614.

2 ـ نور الثقلين، ج3، ص13، الحديث 45.




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



العتبة العلوية ... تواصل الاستعدادات في مختلف أرجاء مرقد أمير المؤمنين (ع) احتفاء بعيد الغدير الأغر عيد الله الأكبر
الأمين العام للعتبة العلوية يزور مبنى (فضائية العتبة العلوية المقدسة) ويلتقي الملاكات الإعلامية والفنية
العتبة العلوية تعتذر عن إقامة (مهرجان عيد الغدير التاسع) لهذا العام بسبب جائحة كورونا
المرقد العلوي الطاهر يزدان بهجة وزينة استعدادا لعيد الله الأكبر عيد الغدير الأغر