المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 13791 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (42-45) من سورة ابراهيم  
  
17109   05:57 مساءً   التاريخ: 28 / 7 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف الألف / سورة إبراهيم /

 

قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 42-45]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

لما ذكر سبحانه يوم الحساب وصفه وبين أنه لا يمهل الظالمين عن غفلة لكن لتأكيد الحجة قال{ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} وفي هذا وعيد للظالم وتعزية للمظلوم ومعناه ولا تظنن الله ساهيا عن مجازاة الظالمين على أعمالهم وقيل إن تقديره ولا تحسبن الله لا يعاقب الظالمين على أفعالهم ولا ينتصف للمظلومين منهم{ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } ومعناه إنما يؤخر عقابهم ومجازاتهم إلى يوم القيامة وهو اليوم الذي تكون فيه الأبصار شاخصة عن مواضعها لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم ولا تطرف عن الجبائي وقيل تشخص أبصارهم إلى إجابة الداعي حين يدعوهم عن الحسن وقيل تبقى أبصارهم مفتوحة لا تنطبق للتحير والرعب.

{مهطعين}أي: مسرعين عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وقيل يريد دائمي النظر إلى ما يرون لا يطوفون عن ابن عباس ومجاهد{ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ }أي: رافعي رءوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه من شدة رفع الرأس وذلك من هول يوم القيامة وقال مؤرج: معناه ناكسي رءوسهم بلغة قريش{ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ }أي: لا ترجع إليهم أعينهم ولا يطبقونها ولا يغمضونها وإنما هو نظر دائم{ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ }أي: قلوبهم خالية من كل شيء فزعا وخوفا عن ابن عباس وقيل خالية من كل سرور وطمع في الخير لشدة ما يرون من الأهوال كالهواء الذي بين السماء والأرض وقيل: معناه وأفئدتهم زائلة عن مواضعها قد ارتفعت إلى حلوقهم لا تخرج ولا تعود إلى أماكنها بمنزلة الشيء الذاهب في جهات مختلفة المتردد في الهواء عن سعيد بن جبير وقتادة وقيل معناه خالية عن عقولهم عن الأخفش{ وَأَنْذِرِ النَّاسَ} معناه ودم يا محمد على إنذارك الناس وهو عام في كل مكلف عن الجبائي وأبي مسلم وقيل: معناه وخوف أهل مكة بالقرآن عن ابن عباس والحسن{ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ }وهو يوم القيامة أويأتيهم العذاب عذاب الاستئصال في الدنيا وقيل هو يوم المعاينة عند الموت والأول أظهر{ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا }نفوسهم بارتكاب المعاصي{ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ }أي: ردنا إلى الدنيا واجعل ذلك مدة قريبة نجب دعوتك فيها{ونتبع الرسل }أي نتبع رسلك فيما يدعوننا إليه فيقول الله تعالى مخاطبا لهم أويقول الملائكة بأمره{ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ }أي: حلفتم{من قبل }في دار الدنيا{ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ }أي: ليس لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة عن مجاهد وقيل معناه من زوال من الراحة إلى العذاب عن الحسن وفي هذه دلالة على أن أهل الآخرة غير مكلفين خلافا لما يقول النجار وجماعة لأنهم لوكانوا مكلفين لما كان لقولهم{ أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}وجه ولكان ينبغي لهم أن يؤمنوا فيتخلصوا من العقاب إذا كانوا مكلفين.

{ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}هذا زيادة توبيخ لهم وتعنيف أي وسكنتم ديار من كذب الرسل قبلكم فأهلكهم الله وعرفتم ما نزل بهم من البلاء والهلاك والعذاب المعجل عن ابن عباس والحسن ومساكنهم دورهم وقراهم وقيل إنهم عاد وثمود وقيل: هم المقتولون ببدر{ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ } وبينا لكم الأشباه وأخبرناكم بأحوال الماضين قبلكم لتعتبروا بها فلم تعتبروا ولم تتعظوا وقيل: الأمثال ما ذكر في القرآن مما يدل على أنه تعالى قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء والابتداء وقيل هي الأمثال المنبهة على الطاعة الزاجرة عن المعصية عن الجبائي وفي هذه الآيات دلالة على أن الإيمان من فعل العبد إذ لو كان من فعل الله تعالى لم يكن لتمني العود إلى الدنيا معنى .

______________

1- تفسير مجمع البيان،الطبرسي،ج6،ص88-90.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهً غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ }. الظلم أنواع : فالكفر والشرك باللَّه ظلم ، والاعتداء على حق من حقوق الناس ظلم ، سواء أكان الحق ماديا أم أدبيا ، أيا كان المعتدى عليه بخاصة إذا كان ضعيفا ، لأن ظلم الضعيف أفحش الظلم ، ومن أعان ظالما أو رضي بفعله أو سكت عنه ، مع القدرة عليه أو على التشهير به فهو شريك له ، ومن أجل هذا لا يغفل سبحانه عما يعمل الظالمون .

وتكلمنا عن الظلم عند تفسير الآية 148 من سورة النساء ج 2 ص 479 ، ونعطف على ما قلناه هناك : ان اللَّه سبحانه ما أرسل الرسل ، ولا أنزل الكتب إلا لمحاربة الظلم والظالمين . . وقد وصف اللَّه نفسه في كتابه العزيز بأنه ذو انتقام ولولا الظلم لما كان لهذا الوصف عين ولا أثر ، ومهما امتد أمد الظالم فان اللَّه سينتقم منه بأشد وأعظم ، قال الإمام ( عليه السلام ) : « سينتقم اللَّه ممن ظلم مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب » فمن ظلم إنسانا بكلمة واحدة كان جزاؤه مقامع من حديد ، فكيف بمن حول الأرض إلى جحيم ، وأقام في كل جزء منها قاعدة للموت ، ومخزنا لأسلحة الفناء والدمار ؟ .

{ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ } . أبصارهم شاخصة لا تغمض ولا تطرف من الدهشة والذهول . . ويسرعون في مشيهم ولا يلوون على شيء تلبية لدعوة الداعي ، رافعين رؤوسهم إلى السماء لا يرى واحدهم موطئ قدمه من الدهشة والذهول ، أما قلوبهم فهواء وخواء ، قد اذهب الرعب كل ما فيها من شعور وادراك . . وهكذا تجزى كل نفس بما كسبت .

{ وأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ } . أرسل اللَّه أنبياءه ورسله إلى عباده مبشرين بثواب اللَّه ، ومنذرين من عقابه ، وكان المجال أمامهم فسيحا وعريضا حين التبشير والانذار ، ولكن أبى أكثر الناس الا نفورا ، وقالوا لرسلهم : أموت ثم بعث ثم نشر ؟ . ان هذا الا أساطير الأولين . . حتى إذا وقفوا بين يدي اللَّه وانكشف لهم الغطاء قالوا : ربنا أمهلنا بعض الوقت ، فنسمع ونطيع لك ولرسلك . .

قالوا هذا حين فات الأوان .

وقد أمر اللَّه نبيه محمدا ( صلى الله عليه واله وسلم ) ان ينذر المكذبين ، ويحذرهم من هذا اليوم الذي لا إقالة فيه ولا رجعة قبل ان يصلوا إليه ، وان يخبرهم بمآلهم لو أصروا على العناد ، وانهم سيقولون للَّه : أخّرنا قليلا لنستجيب لدعوة الرسل ، وقد أدى النبي رسالة ربه ، فأخبر وحذر ، ولكن غلبت عليهم المطامع والمنافع ، فكانوا من القوم الخاسرين .

{ أَولَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأَمْثالَ } . هذا الكلام بكامله يخاطب اللَّه به غدا المكذبين الذين يقولون للَّه : أعدنا ثانية إلى الدنيا لنتبع الرسل ، ومحصل ما يجيبهم به ، عظمت كلمته ، انه يسألهم سؤال توبيخ وتقريع : ألم تقسموا وأنتم في الحياة الدنيا انه لا انتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة ، وانه لا جنة ولا نار . . يشير بهذا سبحانه إلى ما حكاه عنهم في الآية 38 من النحل :

« وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ » . وبعد هذا السؤال أو التوبيخ يقول سبحانه للمكذبين أيضا : لقد علمتم حال من كان قبلكم ، كيف أهلكناهم لما عتوا ، وأسكنّاكم مساكنهم ، وحذرناكم أن تفعلوا فعلهم ، وضربنا لكم بهم الأمثال ، فلم تتعظوا ، وتعتبروا . . والآن حيث لا رجعة ولا تأير تقولون : أخرنا قليلا ! . . فأي منطق هذا ؟ . . وهل أرسل اللَّه إليكم من قبل رسل لعب وهزل ، حتى يعيدكم ثانية ، ويرسل إليكم رسل حق وجد ؟ . .

___________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية،ج4، صفحه 455-456.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

لما أنذر وبشر سبحانه في الآيات السابقة ودعا إلى صراطه بما أنه العزيز الحميد ختم بيانه بدفع ما ربما يسبق إلى أوهام ضعفاء العقول من الناس من أن الأمر لو كان على ما ذكر وكانت هذه الدعوة دعوة نبوية من لدن رب عزيز حميد فما بال هؤلاء الظالمين يتمتعون بما شاءوا؟ وما باله لا يأخذ الظالمين بظلمهم ولا يلجم المتخلفين عن دعوته المخالفين عن أمره؟ أ هو في غفلة عما يعملونه أم هو مخلف وعده رسله يعدهم بالنصر ثم لا يفي بوعده؟.

فأجاب تعالى أنه ليس بغافل عما يعمل الظالمون ولا مخلف وعده رسله كيف؟ وهو تعالى عليم بما يمكرون وعزيز ذوانتقام بل إنما يؤخرهم ليوم شديد وهو يوم الجزاء.

على أنه تعالى ربما أخذهم بذنوبهم في الدنيا كما أخذ الأمم الماضين.

ثم ختم السورة بقوله:{ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} وهي آية جامعة لغرض السورة كما سيجيء بيانه إن شاء الله.

قوله تعالى:{ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} إلى آخر الآيتين يقال: شخص بصره أي سكن بحيث لا يطرف جفنه، ويقال: بعير مهطع إذا صوب عنقه أي رفعه وهطع وأهطع بمعنى، ويقال: أقنع رأسه إذا رفعه، وقوله: لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يقدرون على أن يطرفوا من هول ما يشاهدونه، وقوله: وأفئدتهم هواء أي قلوبهم خالية عن التعقل والتدبير لشدة الموقف أوأنها زائلة.

والمعنى: ولا تحسبن الله ولا تظننه غافلا عما يعمل هؤلاء الظالمون بما تشاهد من تمتعهم وإترافهم في العيش وإفسادهم في الأرض إنما يمهلهم الله ويؤخر عقابهم إلى يوم يسكن فيه أبصارهم فلا تطرف والحال أنهم مادون لأعناقهم رافعون لرءوسهم لا يقدرون على رد طرفهم وقلوبهم مدهوشة خالية عن كل تحيل وتدبير من شدة هول يوم القيامة وفي الآية إنذار للظالمين وتعزية لغيرهم.

قوله تعالى:{ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} إلى آخر الآية.

في الآية إنذار بعد إنذار وبين الإنذارين فرق من جهتين: إحداهما: أن الإنذار في الآيتين السابقتين إنذار بما أعد الله من أهوال يوم القيامة وأليم العذاب فيه، وأما الذي في هذه الآية وما يتلوها فهو إنذار بعذاب الاستئصال في الدنيا ومن الدليل عليه قوله:{ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} إلخ.

وبذلك يظهر أن لا وجه لما ذكره بعضهم أن المراد بهذا اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب هو يوم القيامة، وكذا ما ذكره آخرون أن المراد به يوم الموت.

والثانية: أن الإنذار الأول إنذار بعذاب قطعي لا صارف له عن أمة ظالمة ولا فرد ظالم من أمة وأما الإنذار الثاني فهو إنذار بعذاب غير مصروف عن أمة ظالمة وأما الفرد فربما صرف عنه، ولذلك ترى أنه تعالى يقول أولا:{وأنذر الناس} ثم يقول:{فيقول الذين ظلموا} إلخ ولم يقل: فيقولون أي الناس لأن عذاب الاستئصال لا يصيب المؤمنين قال تعالى:{ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ}: يونس: 103 وإنما يصيب الأمة الظالمة بحلول أجلهم وهم طائفة من ظالمي الأمة لا جميع أفرادها.

وبالجملة فقوله:{ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} إنذار للناس بعذاب الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم، وقد تقدم في تفسير سورة يونس وغيره أن ذلك مكتوب على الأمم قضاء بينهم وبين رسولهم حتى هذه الأمة المحمدية وقد تكرر هذا الوعيد منه تعالى في عدة مواضع من كلامه.

وهذا هو اليوم الذي يطهر الله الأرض فيه من قذارة الشرك والظلم ولا يعبد عليها يومئذ إلا الله سبحانه فإن الدعوة عامة والأمة هم أهل الأرض فإذا محا الله عنهم الشرك لم يبق منهم إلا المؤمنون ويكون الدين كله لله، قال تعالى:{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.

ومما تقدم يظهر الجواب عما أورد على كون المراد بالعذاب في الآية عذاب الاستئصال أن القصر في الآية السابقة ينافيه فإن قوله:{ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } يقصر أخذهم وعقابهم في يوم القيامة.

وذلك لما عرفت أن العذاب المنذر به في الآيتين السابقتين هوالعذاب الذي لا يصرفه عنهم صارف ولا يتخلف عنه أحد من الظالمين وهو مقصور في عذاب يوم القيامة، ولا ينافي انحصاره في يوم القيامة وجود نوع آخر من العذاب في الدنيا.

على أن القصر لوتم على ما يريده المعترض لدفع ما يدل عليه الآيات الكثيرة الدالة على نزول العذاب بهذه الأمة كما أشرنا إليه.

على أن حمل العذاب في الآية على عذاب يوم القيامة يوجب صرف الآيات عن ظهورها ورفع اليد عما يعطيه السياق فيها ولا مساغ له.

وقوله:{ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} المراد به الظالمون من الناس وهم الذين يأخذهم العذاب المستأصل ولا يتخطاهم، ومرادهم بقولهم:{ أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} الاستمهال بمدة قصيرة تضاف إلى عمرهم في الدنيا حتى يتداركوا فيه ما فوتوه بظلمهم والدليل عليه قولهم:{ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}.

والتعبير بالرسل بلفظ الجمع في قولهم:{ونتبع الرسل} مع أن الآية تصف حال ظالمي هذه الأمة ظاهرا وكان مقتضى ذلك أن يقال: ونتبع الرسول إنما هو للدلالة على أن الملاك في نزول هذا العذاب القضاء بين الرسالة وبين منكريها من غير اختصاص ذلك برسول دون رسول كما يفيده قوله:{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: يونس: 47.

وقوله:{ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الإقسام تعليق الحكم في الكلام بأمر شريف من جهة شرافته ليدل به على صدقه إذ لو كذب المتكلم وقد أقسم في كلامه لأذهب بذلك شرف المقسم به كقولنا: والله إن كذا لكذا ولعمري إن الأمر على كذا، ويعد القسم أقوى أسباب التأكيد.

ولا يبعد أن يكون الإقسام في الآية كناية عن إيراد الكلام في صورة جازمة غير قابلة للترديد.

والكلام على تقدير القول والمعنى يقال لهم توبيخا وتبكيتا: أ لم تكونوا أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال وأنكم بما عندكم من القوة والسطوة ووسائل الدفاع أمة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم تستمهلون إلى أجل قريب.

قوله تعالى:{ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى آخر الآية معطوف على محل قوله:{أقسمتم} في الآية السابقة، والمعنى: أ ولم تكونوا سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم من الأمم السابقة، وظهر لكم أن هذه الدعوة حقة ويتعقبها لوردت عذاب مستأصل، من جهتين: جهة المشاهدة حيث تبين لكم كيف فعلنا بأولئك الظالمين الذين سكنتم في مساكنهم؟ وجهة البيان حيث ضربنا لكم الأمثال وأنذرناكم عذابا مستأصلا يتعقبه إنكار الحق ورد الدعوة النبوية ويقطع دابر الظالمين.

_____________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج12،ص65-68.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

اليوم الذي تشخّص فيه الأبصار!

كان الحديث في الآيات السابقة عن يوم الحساب، وبهذه المناسبة تجسّم هذه الآيات حال الظالمين والمتجبّرين في ذلك اليوم، ثمّ تبيّن المسائل المتعلّقة بالمعاد وتكمل الحديث السابق حول التوحيد وتبدأ في تهديد الظالمين: { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}.

وهذا في الواقع جواب لاُولئك الذين يقولون: إذا كان لهذا العالم إله عادل فلماذا يترك الظالمين وحالهم؟ هل هو غافل عنهم أم لا يستطيع أن يمنعهم وهو يعلم بظلمهم؟

فيجيب القرآن الكريم على ذلك بأنّ الله ليس غافلا عنهم أبداً، لأنّ عدم عقابهم مباشرةً هو أنّ هذا العالم محلّ الإمتحان والإختبار وتربية الناس، وهذا لا يتمّ إلاّ في ظلّ الحرية، وسوف يأتي يوم حسابهم { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ }.

«تشخص» من مادّة «الشخوص» بمعنى توقّف العين عن الحركة والنظر إلى نقطة بدهشة.

«مهطعين» من مادّة «إهطاع» بمعنى رفع الرقبة، ويعتقد البعض أنّها بمعنى «السرعة» وقال آخرون: تعني «النظر بذلّة وخشوع». ولكن بالنظر إلى الجمل الأُخرى يكون المعنى الأوّل أقرب إلى الصحّة.

«مقنعي» من مادّة «الإقناع» بمعنى رفع الرأس عالياً.

ومفهوم جملة {لا يرتدّ إليهم طرفهم} لا يقدرون على أن يطرفوا من شدّة الهول، وكأنّ أعينهم كأعين الأموات عاطلة عن العمل!

وجملة {أفئدتهم هواء} بمعنى قلوبهم خالية ومضطربة بحيث ينسون كلّ شيء حتّى أنفسهم وفقدت قلوبهم وأنفسهم كلّ إدراك وعلم، وفقدوا كلّ قواهم.

إنّ بيان هذه الصفات الخمس: تشخص الأبصار، مهطعين، مقنعي رؤوسهم، لا يرتدّ إليهم طرفهم، أفئدتهم هواء، صورة بليغة لهول وشدّة ذلك اليوم على الظالمين الذين كانوا يستهزئون بكلّ شيء، وأصبحوا في هذا اليوم لا يستطيعون حتّى تحريك أجفان أعينهم.

ولكي لا يشاهدوا هذه المناظر المفجعة ينظرون إلى الأعلى فقط، فهؤلاء كانوا يعتقدون بكمال عقولهم ويعدّون الآخرين من الحمقى، فأصبحوا اليوم مدهوشين لدرجة أنّ نظرهم نظر المجانين. بل الأموات نظر جاف عديم الروح ومليء بالرعب والفزع ..

نعم، عندما يريد القرآن الكريم أن يصوّر منظراً أو يجسّم موقفاً يستخدم أقصر العبارات في أكمل بيان كما في الآية أعلاه.

ولكي لا يعتقد أحد أنّ هذه المجازات تتعلّق بمجموعة معيّنة، يقول تعالى لنبيّه الكريم: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} حتّى نستفيد من هذه الفرصة ثمّ {نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}ولكن هيهات إنّ ذلك محال {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} فكلّ هذه الدروس لم تؤثّر بكم وأدمتم ظلمكم وجوركم، والآن وبعد أن وقعتم في يد العدالة تطلبون تمديد المدّة، أي مدّة؟ لقد إنتهى كلّ شيء!

______________

1- تفسير الامثل،مكارم الشيرازي،ج6،ص456-457.




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



الأوّل من نوعه في العراق.. العتبة العبّاسية تستعدّ لإقامة مؤتمرٍ حول التنمية المستدامة
قسم المعارف يزورُ حفيدَ الشيخ الفقيه عبد الكريم الجزائري
في بابل.. الشؤون الفكرية ينظّم ندوةً حول بناء الذات من المنظور القرآني
مركز الكفيل للإعلان: نتّجه نحو العمل في مجال تصميم العلامات التجارية الخاصّة