فيلسوف العرب .. أول من حمل لواء الفلسفة في الإسلام

بقلم: موفق هاشم عبيد

ليس بغريب على العرب أن يكونوا قبل الإسلام أمة متخلفة وجاهلة؛ فبيئاتهم القاسية طبعت على قلوبهم وسلوكياتهم, وجعلتهم يكدّون في سبيل توفير حاجياتهم الأولية من الغذاء والماء وما سوى ذلك, مما جعل تفكيرهم مُختزلا وفاقا لتلك الحيوات التي عاشوها, لكن ما إن ظهر الدين الإسلامي حتى جعلهم دولة عظيمة, اجتاحت في البدء أقاليم الجزيرة العربية والعراق والشام, وبعدها فارس وصولا الى الصين شرقا, ومصر وما بعدها من بلدان شمال أفريقية غربا, فاستوطن كثير من العرب والأعراب المدن, ونعموا بما كانت تحظى به من امتيازات ووسائل عيش رغيد, وبدأت تظهر على البعض آثار تلك المدنيّة ونتائجها من تعلّم وثقافة وإبداع, مؤكدةً ما ذهب إليه علماء الاجتماع من أن البيئة والظروف هي الأساس في تشكيل المجتمعات, ومدى ريادتها فكريا, وعلميا, وفنيا, وحضاريا بشكل عام.

يمثل أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي مثالا بارزا لما ذكرناه سلفا, فبعد أن توافرت له دواعي التعلم والإبداع نبغ في المجال الفلسفي والعلمي, وهو أول فيلسوف عربي مسلم قرأ الفكر اليوناني وفلسفته بعد حركة الترجمة, ولا سيما الفكر الأرسطي, ووصل بذلك الى مكانته السامية في العلم, حتى ((أغنى الفكر واستغناه ورجع عنه بها يستحق بأنه فيلسوف العرب)) , بل ((كان له الفضل في خلق تواصل عميق بين الثقافة العربية الإسلامية آنذاك والتراث الفكري اليوناني)) . ويذكر أن أول من قام بترجمة الفكر اليوناني هو خالد بن يزيد بن معاوية (84هـ), الذي أحب صنعة الفلسفة, فأمر بالعمل على ترجمة الفكر اليوناني عن طريق فلاسفة اليونان النازلين في مصر, وعن طريق الأقباط المصريين . لكن على ما يبدو لم تزدهر الترجمة أو الفلسفة في عصر الأمويين؛ لعدم اهتمامهم العام بالعلوم العقلية والفلسفة, التي من شأنها تحرير العقول, وبالتالي جعل الرعية تميّز بين الصحيح والقبيح, وبالتالي تصبح صعبة الانقياد, في زمن هم أحوج الى ناس سذّج ذوي طاعة عمياء؛ لتعزيز سلطانهم القائم أصلا على الإقصاء والتهميش والدماء.

ولد الفيلسوف الكندي في الكوفة, وكان ذلك ((في مطلع القرن الثاني للهجرة حوالي 185, وتوفي حوالي 252 للهجرة, وهو يناهز السابعة والستين من عمره)) , ولُقب بفيلسوف العرب لانتمائه العربي وريادته وبراعته في العمل الفلسفي, طلب العلم في البصرة ثم بغداد, عمل في الترجمة للفلسفة اليونانية الى العربية, كما كان يقوم بتهذيب ومراجعة ما يتم ترجمته من قبل غيره, اشتغل كذلك في قصر الخلافة ببغداد طبيبا, فضلا عن اشتغاله ببقية العلوم أيام المهدي العباسي, والى هذا الوقت كان الكندي مغمورا ((ولم يعرف له في بغداد شهرة قبل المأمون, ثم اتصلت شهرته وحظوته في بلاط العباسيين أيام المعتصم)) .

لم يكن فيلسوفنا منقادا أو خاضعا للفلسفة على حساب الدين, بل كان توفيقيا الى حد ما, أي وفق بين إيمانه الديني والفلسفة اليونانية, ولم يكن هذا التوفيق على حساب الدين, إذ يمكن القول أنه أخذ من الفلسفة ما لا يتقاطع مع الفكر الديني, وخالف كثيرا من آراء فلاسفة اليونان وأرسطو ((وخاصة في مفهومه عن العالم والمادة)) , وهذا دليل واضح على استقلالية الرجل وابتعاده عن التقليد, ودليل على نبوغه وإبداعه, بيد أنه يذهب البعض في: ((ذلك الى تأثير المعتزلة على تكوين فكر الكندي الفلسفي)) .

وربما لأن الكندي كان ذو اتجاه توفيقي بين الدين والفلسفة توهمه البعض على أنه معتزليا, فمن خلال ((تأملنا نزعة الكندي العقلية الفلسفية في فهمه لآيات القرآن الكريم, أو اجتهاده في تفسيرها على مقاييس عقلية, لوجدنا بأن تفكيره يُحسب على التيار المعتزلي في عصره دون أن يفقد هذا التفكير طابعه الفلسفي وروحه الخاصة)) . في حين أن هنالك من يراه شيعيا , وقد نقل المجلسي في بحاره رواية عن الكندي وكيف غير رأيه بعد أن عزم على تأليف كتاب عن تناقض القرآن بعد إشارة من الأمام الحسن العسكري (ع) . ومن قرائن شيعية الكندي ما ذكره البعض من أنه كان تلميذا للإمام الرضا (ع) وأنه ((أخذ عنه الفلسفة والعلم وحرية الفكر)) .

وقد تناولت فلسفة الكندي المحاور الثلاثة في الفلسفة التقليدية, وهي:

1ـ الوجود (الأنطولوجيا)

2ـ المعرفة (الأبستمولوجيا)

3ـ القيم (الأكسيولوجيا)

هذا عدا المحاور الثانوية والفرعية المبثوثة في رسائله, ويحق لنا أن نقول أن الحكيم الكندي كان ((الممثل الأول للفكر الفلسفي الإسلامي)) . ومن أهم ما كتبه في الفلسفة والعلم:

1ـ رسالة في حدود الأشياء ورسومها.

2ـ رسالة في ايضاح تناهي جرم العالم.

3ـ رسالة في الفاعل الحق الأول التام.

4ـ رسائل في القول في النفس وماهية النوم والرؤيا والكلام والنفس.

5ـ رسالة الكندي في العلة الفاعلة للمد والجزر.

6ـ رسالة الكندي في علة كون الضباب.

7ـ رسائل الكندي في السبب الذي نسبت القدماء للأشكال الخمسة.

8ـ رسالة الكندي في أن عناصر الجرم الأقصى كروية الشكل وذلك في على الكون.

يُعرف الكندي الفلسفة على أنها ((علم الأشياء بحقائقها؛ لأن كل شيء له حقيقته, ومعرفة الحق يكون كمال للإنسان)) , وهو رغم تأثره بأرسطو إلا أنه ركّز على قيمة الحق التي تتجلى عنده بسبب تأثير الإسلام, خصوصا في عباراته ((الحكمة ضالة المؤمن, وخذ الحكمة لا يضرك من أي إناء خرجت)) .

ولم يكن الفكر الأرسطي وحده من أثّر بحكيمنا, فقد بان أثر فلسفات يونانية أخرى على أقواله, منها مثلا قوله ((لا يكون الإنسان فيلسوفا حتى يدرس الرياضيات [...] لا تنال الفلسفة إلا بعد الرياضة)) , وهذا تأثر واضح بالمذاهب الأفلاطونية والفيثاغورية.

ويرى فيلسوفنا أن الفلسفة لا تتوقف عند معرفة الإنسان للكون والطبيعة ونفسه, بل هي وسيلة الى معرفة العالم الأكبر, إذ قال ((لا تتوقف المعرفة عند هذا الحد وإنما ترتقي الى معرفة خالقه)) , وما دام الفلسفة عند حكيمنا تهتم بالأسباب والعلل والعلم بالمعلولات, وأن الله تعالى هو علّة العلل ومسبب الأسباب جميعا, ((فإن الفيلسوف الكامل هو الذي يسعى الى معرفة الله وما يتعلق بالإلهية من صفات الكمال)) .

الكندي يرى أن الله سبحانه وتعالى هو الوجود التام الذي لم يُسبق بوجود, ولا ينتهي إليه وجود, ولا يكون وجود إلا به, وأن الواحدية هي أخص صفاته تعالى, واحد بالذات والفعل, وهو أزلي لا يوجد شيء أقدم منه, ولا يستمد وجوده من غيره, فسبحانه ((هو العلة الأولى وهو الفاعل الأول المتمم لكل شيء ومؤسس الكل عن ليس)) , فبرهانه الأول قائم على صفة الحدوث, فالمحسوس لا يمكن أن يكون على لنفسه, والعالم أو الكون محسوس بالمشاهدة وبقية الحواس, وهو ما يعني أن العالم محدث ومخلوق وله بداية زمنية, ومُحدثه هو الله جل ذكره.

ومذهب الكندي في حدوث العالم ومخلوقيته مخالفة صريحة لأرسطو طاليس, الذي قرر أن العالم قديم وغير مخلوق, وربما كان هذا مراعاة جليّه من فيلسوفنا لعقيدته ودينه الإسلامي, مع أن القول بقدم العالم لا يخدش فكرة الخالقية, أو على الأقل هنالك توجيه لفكرة قدم العالم بما لا يخدش ذلك بخالقية الله تعالى له, كما وجّهه ابن سينا ـ الذي عاش أيام السلاجقة ـ من خلال تشبيهه الخالق بخلقه كعلاقة الشمس بنورها, ويذهب الكندي الى أن الجسم والحركة والزمان جميعها مرتبطة وجودا دون أسبقية أحدها على البقية, فهي لها بداية ونهاية, أي أنها حادثة, وهو بذلك خالف أرسطو وواكب الدين الاسلامي, وأهم ما اعتمد عليه في فكرة الحدوث هي فكرة التناهي, وهو ما يؤدي الى ((إثبات البداية في كل شيء سواء أكان جسما أم زمانا أو حركة, وذلك لإمكان إثبات حدوث العالم)) , والكندي بهذا الرأي أقرب الى أفلاطون ومدرسته القائلة بفكرة الفيض رغم اختلافها بعض الشيء عن فكرة الخلق الإلهي دفعة واحدة.

ولما كان عصر المأمون العباسي قد شجّع الكندي على الاشتغال بالفلسفة فإن عصر المتوكل العباسي فيما بعد قد شكّل عقبة كبيرة بوجه الفلسفة والفكر بشكل عام, حتى لحق الكندي أذىً كبير جراء ذلك, وقد دافع عن العقل بشكل عام وأكد على أن ((استعمال العقل هو مبدأ إسلامي وليس مقصورا على الفلسفة اليونانية, أو منقولا عنها أو عن غيرها من الفلسفات)) , فالقرآن الكريم فيه من الدلائل ما تؤيد استعمال الفكر والنظر في الكون والعالم وما الى ذلك, وفيه من الآيات التي دعت الى نبذ التقليد الأعمى وتحرير العقول من الأفكار الموروثة والمسبقات الخاطئة, فقال عز ذكره: ((إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)) الأنفال:22. فالحق هو القاسم المشترك بين الدين والفلسفة, وبالتالي فلا تناقض بينهما بتاتا كما ترى طائفة من أهل التخلف والجمود, فالعقل والنقل طريقات متوازيان يوصلان الى الحق والهدى, وهذا الطرح الكندي اختاره فلاسفة المسلمين اللاحقون, مثل الفارابي, وابن سينا, وابن رشد, وغيرهم.

 

 

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 4318