مراسيم ولادة الإمام الحسين (عليه السلام)

بقلم : الشيخ باقر شريف القرشي (رضوان الله عليه)

أجرى النبي (صلّى الله عليه وآله) بنفسه أكثر المراسيم الشرعية لوليده المبارك ، فقام (صلّى الله عليه وآله) بما يلي :

أوّلاً : الأذان والإقامة

واحتضن النبي (صلّى الله عليه وآله) وليده العظيم (عليه السّلام) ، فأذّن في اُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى 1. وجاء في الخبر : «إنّ ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم» 2.

إنّ أوّل صوت اخترق سمع الحسين هو صوت جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، الذي هو أوّل مَن أناب إلى الله ودعا إليه ، وأنشودة ذلك الصوت :

«الله أكبر ، لا إله إلاّ الله».

لقد غرس النبي (صلّى الله عليه وآله) هذه الكلمات ، التي تحمل جوهر الإيمان وواقع الإسلام ، في نفس وليده ، وغذّاه بها فكانت من عناصره ومقوّماته ، وقد هام بها في جميع مراحل حياته ، فانطلق إلى ميادين الجهاد مضحّياً بكل شيء في سبيل أن تعلو هذه الكلمات في الأرض ، وتسود قوى الخير والسّلام ، وتتحطّم معالم الردّة الجاهليّة التي جهدت على إطفاء نور الله.

ثانياً : التسمية

وسمّاه النبي (صلّى الله عليه وآله) حسيناً كما سمّى أخاه حسناً 3. ويقول المؤرّخون : لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الاسمين حتّى تسمّي أبناءهما بهما ، وإنّما سمّاهما النبي (صلّى الله عليه وآله) بهما بوحي من السماء 4.

وقد صار هذا الاسم الشريف علماً لتلك الذات العظيمة التي فجّرت الوعي والإيمان في الأرض ، واستوعب ذكرها جميع لغات العالم ، وهام الناس بحبّها حتّى صارت عندهم شعاراً مقدّساً لجميع المثُل العليا ، وشعاراً لكل تضحية تقوم على الحقّ والعدل.

أقوال شاذّة

وحفلت بعض مصادر التاريخ والأخبار بصور مختلفة لتسمية الإمام الحسين (عليه السّلام) لا تخلو من التكلّف والانتحال ، وهي :

١ ـ ما رواه هانئ بن هانئ ، عن علي (عليه السّلام) قال : «لمّا ولد الحسن جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلت : سمّيته حرباً. قال : بل هو حسن. فلمّا ولِد الحسين قال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلتُ : سمّيته حرباً. قال : بل هو حسين. فلمّا ولِد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلت : حرباً. فقال : بل هو محسن 5.

وهذه الرواية ـ فيما نحسب ـ لا نصيب لها من الصحة وذلك :

أ ـ إنّ سيرة أهل البيت (عليهم السّلام) قامت على الالتزام بحرفية الإسلام وعدم الشذوذ عن أيّ بند من أحكامه ، وقد كره الإسلام تسمية الأبناء بأسماء الجاهليّة التي هي رمز للتأخّر والانحطاط الفكري ، مضافاً إلى أنّ هذا الاسم علم لجد الاُسرة الاُمويّة التي تمثّل القوى الحاقدة على الإسلام والباغية عليه ، فكيف يسمّي الإمام أبناءه به؟!

ب ـ إنّ إعراض النبي (صلّى الله عليه وآله) عن تسمية سبطه الأوّل به ممّا يوجب ردع الإمام عن تسمية بقية أبنائه به.

ج ـ إنّ المحسن باتّفاق المؤرّخين لم يولد في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وإنّما ولِد بعد حياته بقليل ، وهذا مما يؤكّد انتحال الرواية وعدم صحتها.

٢ ـ روى أحمد بن حنبل بسنده عن الإمام علي (عليه السّلام) قال : «لمّا ولِد لي الحسن سمّيته باسم عمّي حمزة ، ولمّا ولِد الحسين سمّيته باسم أخي جعفر ، فدعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّ الله قد أمرني أن أغيّر اسم هذين ؛ فسمّاهما حسناً وحسيناً» 6. وهذه الرواية كسابقتها في الضعف ؛ فإنّ تسمية السبطين بهذين الاسمين وقعت عقيب ولادتهما حسب ما ذهب إليه المشهور ، ولم يذهب أحد إلى ما ذكره أحمد.

٣ ـ روى الطبراني بسنده عن الإمام علي (عليه السّلام) أنه قال : «لمّا ولِد الحسين سمّيته باسم أخي جعفر ، فدعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمرني أن أسمّيه حسيناً» 7. وهذه الرواية تضارع الروايتين في ضعفها ؛ فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يسبق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تسمية سبطه وريحانته ، وهو الذي أسماه بذلك حسب ما ذهب إليه المشهور وأجمعت عليه روايات أهل البيت (عليهم السّلام).

ثالثاً : العقيقة

وبعدما انطوت سبعة أيّام من ولادة السّبط أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يعقّ عنه بكبش ، ويوزّع لحمه على الفقراء ، كما أمر أن تعطى القابلة فخذاً منها 8 ، وكان ذلك من جملة ما شرّعه الإسلام في ميادين البِرّ والإحسان إلى الفقراء.

رابعاً : حلق رأسه

وأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يحلق رأس وليده ، ويتصدّق بزِنَته فضة على الفقراء 9 ؛ فكان وزنه ـ كما في الحديث ـ درهماً ونصفاً 10. وطلى رأسه بالخلوق 11 ، ونهى عمّا كان يفعله أهل الجاهليّة من إطلاء رأس الوليد بالدم 12.

خامساً : الختان

وأوعز النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أهل بيته بإجراء الختان على وليده في اليوم السابع من ولادته ، وقد حثّ النبي (صلّى الله عليه وآله) على ختان الطفل في هذا الوقت المبكر ؛ لأنه أطيب له وأطهر 13 14.

-----------------

1. كشف الغمة ٢ / ٢١٦ ، تحفة الأزهار وزلال الأنهار.

2. روى علي (عليه السّلام) أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «مَن ولِد له مولود فليؤذّن في اُذنه اليمنى ، وليُقم في اليسرى ؛ فإنّ ذلك عصمة له من الشيطان الرجيم». وقد أمرني بذلك في الحسن والحسين ، وأن يقرأ مع الأذان والإقامة فاتحة الكتاب وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص والمعوذتين ، جاء ذلك في دعائم الإسلام ١ / ١٧٨.

3. الرياض النضرة.

4. اُسد الغابة ٢ / ١١ ، وفي تاريخ الخلفاء / ١٨٨ ، روى عمران بن سليمان قال : الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة ، ما سمعت العرب بهما في الجاهليّة.

5. نهاية الأرب ١٨ / ٢١٣ ، الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة ١ / ٣٦٨ ، تهذيب التهذيب ٢ / ٢٩٦ ، مسند أحمد بن حنبل.

6. مسند الإمام أحمد بن حنبل.

7. المعجم الكبير للطبراني.

8. مسند الإمام زيد / ٤٦٨ ، تحفة الأزهار وزلال الأنهار ، وجاء في الذرّية الطاهرة عن عائشة : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عقّ عن الحسن والحسين شاتين شاتين ، وذبح عنهما يوم السابع ، وقال : «اذبحوا على اسمه فقولوا : بسم الله ، اللّهمّ لك وإليك ، هذه عقيقة فلان». وروى هذه الرواية الحاكم في المستدرك ٤ / ٢٣٧ ، وطعن بها شمس الدين الذهبي في تلخيص المستدرك ٤ / ٢٣٧ وقال : إنّ راويها سوار وهو ضعيف ، وذهب مشهور الفقهاء إلى استحباب ذبح شاة واحدة في العقيقة.

9. الرياض النضرة ، صحيح الترمذي ، نور الأبصار.

10. دعائم الإسلام ٢ / ١٨٥.

11. الخلوق : طيب مركّب من زعفران وغيره.

12. البحار ١٠ / ٦٨.

13. جواهر الأحكام ـ كتاب النكاح ، وجاء فيه : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «طهّروا أولادكم يوم السابع ؛ فإنّه أطيب وأطهر ، وأسرع لنبات اللحم ، وأنّ الأرض تنجس من بول الأغلف أربعين يوماً».

14. المصدر: كتاب حياة الامام الحسين عليه السلام.

المزيد

إتصل بنا

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 4136