المنهجة البنيوية ومدى تفاعلها مع النص القرآني

الكاتب : موفق هاشم عبيد

كثيرا ما تركت الأفكار والفلسفات والمناهج أصداءً لها على أرض الواقع, وكثيرا ما انجذب المعجبون اتجاهها, حتى صارت كأنها المعشوق الذي لا يُمل! والحبيب الذي لا يُتعب اللاهثين خلفة! والبنيوية واحدة من تلك الفلسفات والمناهج التي نجد بصماتها واضحة على الفكر البشري وطريقته في التعامل مع الوجود, وأول ظهور للبنيوية بدأ مع علم النفس في القرن التاسع عشر, وكان ذلك على يد وليم فونت (1832 -1920م) مؤسس المدرسة البنيوية النفسية, اذ قام بإنشاء أول مختبر نفسي عام (1879م), وبه تحسب له الريادة في استقلال علم النفس وفصله عن الفلسفة, وقد سُميت بالبنيوية لأنها اهتمت بوصف البناء والتركيب النفسي الإنساني, متأثرة بعلم الكيمياء الذي اهتم بتحليل المركبات الى عناصرها الأولية والأساسية التي تكون منها.

غير أن رواج البنيوية وازدهارها وشهرتها كانت مع علم اللغة, وتحديدا على إثر جمع محاضرات العالم اللساني السويسري فريدناند دي سوسير (1857 ـ 1913) من قبل طلابه بعد وفاته مباشرة, ونشرت في باريس عام 1916م تحت عنوان "محاضرات في اللسانيات العامة", وحصل نتيجة لذلك قطيعة معرفية مع فقه اللغة والفيلولوجيا الدياكرونية (التحليل التاريخي المقارن للغة), وقد ذهب دي سوسير الى أن اللغة نظام ونسق من العلامات التي تتعلق الواحدة بالأخرى, والعلاقة بينها علاقة تحكمية غير قابلة للشك والتأويل, أي أن دلالة العلامة لا تأتي من نفسها وإنما تتحدد حسب علاقة النسق بين عناصر اللغة (البنية), ولا يفهمها إلا المتحدثون بها فقط.

لكن لابد من القول أن الشكلانيين الروس أو ما يعرف بالمدرسة (الشكلية) التي ظهرت في موسكو عام 1910 كانت قد ركزت على الشكل والترتيب الداخلي للنص بغض النظر عن منتجه ومؤلفه والظروف الخارجية, خلافا للفكرة السائدة قبل ذاك من أن النص والتعبير الأدبي ما هو إلا انعكاس للواقع الخارجي المتلوّن بالرؤى الفلسفية والبيئة والمجتمع, ثم أتت فيما بعد محاولات علماء الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك وما شاكل لتطبيق النظرية البنيوية في الحقول العلمية الخاصة, فأدت لاحقا إلى نتائج محمودة في مجالاتها.

نجاح البنيوية في الجوانب العلمية الطبيعية واشتهارها في حقلي اللغة والأدب جعل منها منهجا جذابا من قبل بعض الفلاسفة, فكان أن ولدت البنيوية الفلسفية, ويُرجع بعض الباحثين السبب في بروز البنيوية كفلسفة الى عجز المدارس الفلسفية الحديثة في إيجاد القواسم المشتركة فيما بينها, ومن ثم القيام بتأسيس نظام موّحد يقوم بتفسير جميع الظواهر في الطبيعة, إذ صارت كل مدرسة تأخذ طريقا يجانب قضية الانسان الكبرى المتعلقة بالوجود! وصار الانسان في ظلال تلك الفلسفات يعاني من الانعزال والانهماك خلف المتاهات والاتجاهات المتناثرة والمبعثرة شرقا وغربا, فانبجست الحاجة الى القضاء على تلك الحالة الانعزالية التي انتهى إليها الانسان بعد أن تبنّى فلسفات من مثل الفلسفة العدمية التي وضعها العالم الألماني نيتشه, والوجودية التي أتى بها الدنماركي سورين كيركجور, والفلسفة المثالية المجردة التي أبدعها الألماني هيكل في ديالكتيكيته, وفلسفة الفرنسي أوغست كونت المسماة بالوضعية, وما الى ذلك.

ومما ساعد على نمو البنيوية الفلسفية في الساحة الفكرية ـ كما قيل ـ ردة الفعل على الوضع العلمي (الذري) التفصيلي, الذي ساد الدول الغربية في مطلع القرن العشرين, وهذا الوضع بطبيعة الحال قد استقى من التشظي المعرفي الذي ترتب على التراسل النظري والتجاذب الفكري والتبعثر المعرفي والثقافي في تلك المناطق من العالم, الى الحد الذي جعل الفكر الانساني أشبه ما يكون  بحالة متشظية ومتناثرة, وهذا الوضع ألقى بظلاله على المعرفة بكل أنساقها, مما خلق حالة من القلق والانفصام النفسي لدى الانسان وهو يعيش على تلك الحال, وبالتالي أمسى منعزلا عن واقعه, شاعرا بالضياع والإحباط والعبثية, كل ذلك جعل من البعض ينادي بالنظام الكلي المتكامل المتناغم والمتناسق مع نفسه, ذلك النظام الذي يوحّد العلوم كلها ويربطها بعضا مع بعض, ثم بعد ذلك يبدأ بتفسير ذلك الوجود والعالم, جاعلا منه مرة أخرى بيئة ملائمة للإنسان الطبيعي, فأصبحت بذلك علاقة الانسان بلغته وكونه المحيط به مستوعبة لاهتمام الطرح البنيوي في كل المجالات العلمية والمعرفية, الفيزيائية والرياضية والانثروبولوجية والاجتماعية والفلسفية والأدبية وغير ذلك, وركزت على كون العالم الذي نراه ونعيش فيه حقيقة وواقع يمكن ادراكه من قبل الانسان, فأدمجت البنيوية العالم ادماجا شموليا كبنية واحدة.

ومن هنا يتضح أن البنيوية بشكلها العام ـ خلاف ما هو شائع عنها ـ لم تكن ذات توجه إلحادي كفري! بل يمكن أن نقول عنها عكس ذلك تماما, فهي تنادي بتناسق النظام الكوني بجوانبه المادية وغير المادة, وهي بذلك تحتوي على جنبة إيمانية (عقدية) إن جاز لنا التعبير! لأن الإنسان بطبعه يحتاج الى الإيمان مهما كان توجهه ونوعه, وهذه الحاجة أو الرغبة لم يشبعها ما هو سائد من المعتقدات الإيديولوجية: الماركسية والفرويدية والدارونية والوضعية والحسية والبراغماتية وغير ذلك من المذاهب الرائجة والطاغية على المجتمعات في الدول الغربية, إذ افتقرت تلك المذاهب الى العلمية المقنعة وافتقدت الشمول في تفسير الظواهر, ومن بين تلك الإشكاليات برزت البنيوية كمنهج يمكن أن يكون منهجا شاملا يوحّد جميع العلوم في نظام إيماني جديد يفسر علميا الظواهر الإنسانية كافة, علمية كانت أم غير علمية.

وقد شهدت المدرسة البنيوية تقهقرا في ستينيات القرن الماضي, وكان ذلك نتيجة لعاملين برز أحدهما في معقل البنيوية وأرضها الخصبة فرنسا, من خلال الصراع الذي خاضه النقّاد اليساريون الفرنسيون ضد البنيوية, أما العامل الثاني فهو الرواية, وهي الجنس الأدبي المتمرد على التقنين اللساني, فهي ذات صلة بالعالم الخارجي المرجعي, ولا مجال لتطبيق لساني صرف عليها, فالأعمال الروائية تفترض كاتبا وقارئا ضمنيان, وفي الوقت ذاته شاعت أعمال تأليفية تذهب الى عدم اقصاء المؤلف من تفسير العمل الروائي, وهذا خرق أساسي للفروض البنيوية, التي لا تقيم أي اعتبار لصاحب النص وكاتبه, وهكذا أفل نجم البنيوية نهاية الستينات في العالم الغربي ليبزق من جديد في عالمنا العربي, الذي ربما اعتاد على عدم تناول المنتج الثقافي الغربي إلا بعد صيرورته بضاعة بالية أكل عليها الدهر وشرب, وكان أول من أدخل المنهج البنيوي هم ذوو الثقافة الفرانكفونية من الدول التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي, وهي دول المغرب العربي والشام, ثم انتقلت الى مصر والعراق ودول الخليج لاحقا.

وهناك تصوّر في بلداننا العربية والإسلامية بأن تطبيق المنهج البنيوي في دراسة النص الديني ـ ولاسيما القرآني ـ يمثل عملية منحرفة غير مستقيمة, حتى عُدّت البنيوية (اللسانية) منهجا إلحاديا يُبعد الانسان عن الإيمان والدين, وهذا وهم في التقييم وخطأ في الحكم, وربما نتج ذلك الوهم عن التطبيق البنيوي للنص الديني من خلال عزله عن صاحبه ومنتجه, وهو ما يعرف في اللسانيات والأدب بـ (موت المؤلف أو الكاتب), وهذا لا علاقة له من حيث المبدأ بالإلحاد والانحراف, لا من قريب ولا من بعيد, نعم تطبيق هذا المنهج في بعض مفاصل المنتج الديني يوقع في إشكال لا مناص منه, ومثال ذلك لو أتينا الى النص القرآني القائل: ((يد الله فوق أيديهم)), نجد أن تفسير هذا المنتج دون اعتبار لمنتجه والصادر منه يوقع المتلقي في انحراف عقدي وضلال مبين! فهل من الممكن أن يكون للإله وحاشاه يد وجسد وشكل وأبعاد وما إلى ذلك من نقائض الألوهية؟! والإشكالية الموجّهة ضد البنيوية (في هذا الجانب فقط) تتوافق مع الإشكالية الموجّهة ضد الوجودية, وإذا كانت الوجودية تقصي الخالق وكل ما يتعلق به عن تفسير الوجود, فالبنيوية هي الأخرى تقصي خالق النص الديني (القرآني) من تفسير هذا النص, وبالتالي سيؤدي الى النتائج التي أشرنا إليها سلفا, فكلا المذهبين اتفقا على أن لا اعتبار في التفسير إلا لما هو مشاهد ومحسوس وله تشكّل خارجي, يمكن ملاحظته وإطلاق الأحكام عليه.

ولو تأملنا تلك الحادثة التي تواترت في كتب السيرة والتاريخ الإسلامي, التي حكت عن مدى انفعال وتأثر الوليد بن المغيرة ببعض من آيات القرآن الكريم رغم كونه مشركا وعدوا لله ورسوله! إذ يُذكر أنه لمّا سمع تلاوة تلك الآيات ارتعد ارتعادا رهيبا! وهو ما يعني أنه قد اكتشف العلاقة بين بنيات النص البلاغي ونسق الكلمات العجيب, تأثر به ووصل الى نتيجة مفادها أن تلك النصوص ليست بشرية التشكيل والتأليف, فبنية النص القرآني ونسقه معجز عظيم لا يمكن الإتيان بمثله من قبل ألمع بلغاء العرب وحذّاقهم في الكلام! وعملية إدراك تلك العلاقات بين بنيات هذا النص بمعزل عن الإيمان بمنتجه ومؤلفة (وهو ما يلتقي مع فكرة موت الكاتب أو المؤلف) هو جوهر ما دعت إليه البنيوية, وهو ما يعني أن البنيوية لا تؤدي الى المحذور الديني دائما, فهناك جوانب كثيرة يمكن تناولها وفقا لهذا المذهب, خاصة وأن القرآن الكريم نفسه أشار على الكفار والمشركين إلى النظر في آياته بغض النظر عن منتجها تعالى علوا كبيرا! وتحداهم أن يأتوا بمثله, كقوله: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) البقرة/23. وهذا تحدٍ بنيوي واضح لا غبار عليه, بيد أن النصوص الأخرى ذات الجوانب العقدية لا يستقيم لها أن تُفسَّر وفق هذا المذهب كما بيّنا سابقا.

أضف الى ذلك فإن أكثر منهج تفسيري حض عليه نبي الإسلام وشجع على اتباعه هو منهج تفسير القرآن بالقرآن, واستمرت ريادة التفسير القرآني بهذه الطريقة مع أئمة أهل البيت (ع) وأئمة ومفسري مذاهب المسلمين الأخرى قاطبة, والتأمل في هذا المنهج ـ أعني منهج تفسير القرآن بالقرآن ـ قائم على البنية المتكاملة للنص القرآني, وهذا على أقل التقادير وسم أو جانب بنيوي يدخل في صميم عمل البنيوية ورؤاها في تحليل النصوص, وبالتالي يحق لنا أن نتعكز على المنهج التفسيري هذا, وجعله موازيا للبنيوية ومتفاعلا معها مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف بعض الحيثيات هنا وهناك.

ومما ينبغي قوله والتأكيد عليه أن الدراسة البنيوية على المستوى اللفظي يمكن إجراؤها على أي نص قرآني, سواء أكان هذا النص يحمل بعدا عقائديا أم أبعادا أخرى: تاريخية, فقهية, اجتماعية وغيرها, يتناول فيها الباحث دراسة النص من خلال ألفاظه, مبينا العلاقات القائمة بين وحداته, من حيث الثنائيات المتقابلة أو المتشابهة أو المتضادة وما إلى ذلك, أو تناول العلاقات الناتجة من تكرار بعض الحروف أو المفردات على حساب أخرى.

وعلى كل حال فإن النظرية البنيوية في العربية تحتاج إلى مستوى قياسي يمكن المقارنة به والقياس عليه, وهنا يبرز النص القرآني كبنية مرجعية مثالية وسامية ومتكاملة, يمكن الإفادة منه للوصول إلى مدى براعة النصوص الأخرى بالقياس عليه والمقارنة معه, على اعتبار أن هذا النص أجود ما اُنتج في اللغة العربية في كافة الجوانب النحوية والصرفية والصوتية والبلاغية والأسلوبية, بشهادة ذوي الخبرة والمكانة السامية في اللغة والأدب والبلاغة, سواء أكانوا من المسلمين أم من غيرهم, بل بشهادة حتى أولئك الرافضين لقدسية النص القرآني, الذين نظروا إلى الدين الإسلامي وقرآنه نظرة نفور وازدراء, فأقوال المستشرقين من علماء اللغة والآداب ما زالت محفوظة في الكتب والقراطيس, وهي تصف لغة القرآن بسموها ونخبويتها, نظما وبيانا ومعنا وتصويرا.

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 8960