ثِـــــــمَارُ الأَسفَـــــــــار .. عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةً

ثِـــــــمَارُ الأَسفَـــــــــار

جاء في كتابِ (أخلاقِ الإمامِ عليٍّ عليهِ السلام)

للسيد مُحمد صادق مُحمد رضا الخِرسان

قالَ أميرُ المؤمنينَ -عليهِ السَّلام-:

(عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِى إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ.
وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةً.
وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اللهِ، وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللهِ.
وَعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ، وهُوَ يَرَى الْمَوْتَى.
وَعَجِبْتُ لِمَن أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى.
وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ، وَتَارِكٍ دَارَ الْبَقَاءِ)

 

يضعُ الإمامُ (عليهِ السّلام) عِدّةَ علاماتِ استفهامٍ، وتستبطنُ علاماتِ تعجُّبٍ أمامَ حالاتٍ تُمارَسُ في المجتمعِ، تتركُ أثرَها السيءَ على أفرادِهِ بما يغوي الجُهّالَ ويُشجعُهم على التّمادي في الجهالةِ بمختلفِ مناحيها وطُرقِها وقدْ ذكرَ (عليهِ السّلام) ستةً:

الأولُ : يُمسكُ على يدِ البخيلِ الذي لا يُنفقُ ويشحُ بما آتاهُ اللهُ تعالى فيَظهرُ بمظهرِ الُمعدَمِ البائسِ، فيُنبهُهُ إلى أنّ رفعَ هذا الشّعارِ إنّما يعني التراجعَ العمليَّ عن مسلكِ الأغنياءَ الذي حرصَ على الوصولِ إليهِ؛ فهو بهذا تعجّلَ حالةَ العُدْمِ والفاقةِ وتمظهرَ بمظهرِ البُؤسِ والشّقاءِ، معَ أنّهُ مِنَ الأغنياءِ وعلى ملاكِهم وفي عدادِهم ويكونُ حسابُهُ أُخروياًّ كذلكَ، فيُسألُ عن كلِّ وارداتِهِ وصادراتِهِ، وربّما يكونُ التّدقيقُ أكثرَ على ما رزقَهُ اللهُ تعالى مِن نِعَمٍ وأفضالٍ ولم يتمتعْ بها ولم يُوسّعْ على عبادِ اللهِ مِن حولِهِ سواءٌ العيالِ أمْ أهلِ الحاجةِ ممَن يمكنُهُ رفدَهم وتنفيسَ كرُبتِهِم وكشفَ أزماتِهم الماليةِ.

ثُمَّ يحاولُ (عليهِ السّلام) أنْ يثيرَ فيهِ الإحساسَ بالكرامةِ والعزّةِ ويؤنّبَهُ فيؤشّرُ لهُ على واقعِ حالِهِ بكلِّ صراحةٍ وأنّهُ يتساوى في أُسلوبِ عيشِهِ معَ الفقيرِ الذي يبتعدُ عنهُ ويشمئزُ منهُ. إذنْ فهو غنيٌ على الورقِ فقطْ ، وللعلمِ والاطّلاعِ رجاءً – كما يقولونَ – ولكنّهُ فقيرٌ في واقعِ أمرِهِ نفساً وسلوكاً وهكذا حتّى النهايةِ.

فهلْ هذا ما ينبغي لأنْ يسعى إليهِ الإنسانُ ؟! فالدّعوةُ إلى التّخلّي عنِ البخلِ والشُّحِّ وأنْ لا يتصوّرَ أنّ الإنفاقَ والإعطاءَ يُسببانِ قِلّةَ المالِ، بلْ يؤثّرانِ – بالتجربةِ – في البركةِ والنّماءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى هُوَ وحدُهُ بيدِهِ مقاليدُ الأمورِ، والغِنى، والفقرِ فيبارِكُ ويُنعِمُ بالزّيادةِ.

الثّاني : يُنبّهُ الإمامُ (عليهِ السّلام) الإنسانَ ويُذكّرُهُ بمبدأِ أمرِهِ وخِلقتِهِ، وأنّهُ مَهما بلغَ مجدُهُ في الدّنيا فهوَ المتكوّنُ مِنَ النطفةِ المتنَفّرُ عنها، فإنّ كُلاً مِنَ الرَّجُلِ والمرأةِ يتنزّهانِ عنِ المنيِّ بالإزالةِ والغُسلِ والتّعقيمِ –أحياناً– فتذكُّرُ هذهِ البدايةِ الطبيعيةِ لكلِّ مخلوقٍ تكفي للتخفيفِ مِن غلواءِ النّفوسِ وتكبّرِها وتعجرفِها للسّيطرةِ  عليها حتى لا ترمِي صاحبَها في مزالقِ التّكبّرِ والتّرفّعِ والتّعالي الفارغِ الأجوفِ الذي لا مُبرّرَ لهُ سِوى الطّموحِ والشّموخِ اللذانِ يتجاوزانِ حدودَ المقبولِ، وهو أيضاً المنتهي إلى حالةٍ يبتعِدُ عنهُ فيها أقربُ وألصقُ النّاسِ بهِ ويسدُّ أنفَهُ مِن جَرّاءِ نتنِ رائحتِهِ وجثّتِهِ المُنتنةِ.

فمَن كانَتْ تلكَ بدايتُهُ وهذهِ نهايتُهُ فهوَ الجديرُ والحقيقُ بأنْ يتواضعَ ويتعاملَ بقُربٍ ولطفٍ مِنَ الآخرينَ ومعَهُم، ويحاولُ جاهداً الابتعادَ عمّا يُذكّرُهم بتلكَ البدايةِ وهذهِ النّهايةِ.

فالدعوةُ إذنْ إلى التّخلّقِ بالتّواضُعِ، والتّأدّبِ وِفقَ موازينَ العقلِ والشّريعةِ مِن دونِ ما تعالٍ وتغطرُسٍ فإنّ الحالَ واحِدٌ.

الثالثُ: يُرشِدُ الإمامُ (عليهِ السّلام) مَن لمْ يتيقّنْ وجودَ اللهِ تعالى معَ هذهِ الدّلائلِ والشّواهدِ إلى أنْ يستدِلَّ على وجودِ الشيءِ مِن خلالِ وجودِ آثارِهِ وصنائعِهِ؛ فإنَّ ذلكَ أنجحُ شيءٍ للوصولِ إلى الطّريقِ الصّحيحِ، والكونُ بما فيهِ ومَن فيهِ إنّما هُوَ مِن خَلقِ اللهِ وإبداعِهِ واختراعِهِ وصُنعِهِ، لم تُذكرْ لأحدٍ مَهما كانَ مشاركةً في أصلِ التّكوينِ ومبدأَ التصويرِ. مما يعني التفرّدَ في الخَلقِ والتّوحُّدَ في التّدبيرِ مبدأً ومُنتهىً.

ولابُدَّ مِنَ الاهتمامِ بترسيخِ العقيدةِ أكثرَ مِنَ الاهتمامِ بسائرِ شؤونِ الحياةِ؛ لأنَّ بالعَقيدةِ ينجو العبدُ مِنَ النارِ والحسابِ العسيرِ ، فلو اعتقدَ عقيدةً أُخرى غيرَ الإسلامِ استحقَّ النارَ؛ لأنَّ العقيدةَ الإسلاميةَ بكلِّ تفاصيلِها هيَ التي يُلزِمُ الإيمانُ بها في هذا العصرِ، فإنَّ الإسلامَ خاتِمةُ الأديانِ السّماويةِ وهُوَ الدّينُ العالميُّ الدّائميُّ حتّى يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَن عَليها.

الرابعُ: يُذكِّرُ (عليهِ السّلام) الإنسانَ بالنهايةِ المُنتظِرَةِ لكلِّ أحدٍ مِنَ المخلوقاتِ وهي الموتُ الذي هو دائمُ الحضورِ بينَما ينساهُ الإنسانُ معَ كَثرةِ ما يُشاهِدُهُ مِن أمواتٍ، فإنَّ ذلكَ أمرٌ منتشِرٌ في الكونِ أجمعُ، فإنْ دلَّ هذا على شيءٍ فإنّما يدلُّ على التّوعيةِ الدّائمةِ والتّذكيرِ المستمرِّ والتّنبيهِ الحثيثِ؛ لئلّا يرتكِبَ الإنسانُ ما يتنافى وما بعدَ الموتِ مِنَ الحسابِ والمجازاةِ.

فالدعوةُ إلى تذكُّرِ الموتِ عملياً لا مُجرّدَ القولِ والمظاهرِ؛ لأنّها تتلاشى فلا تصِلُ إلى الأعماقِ بينما استشعارُ أنّ الموتَ ينتظرُ كُلاً مِنّا ومِن غيرِنا مِن مخلوقاتِ اللهِ تعالى يجعلُ الإنسانَ منتبهاً دائماً فلا يغفلُ.

الخامسُ: يُذكّرُ الإمامُ (عليهِ السّلام) بيومِ القيامةِ وما بعدَهُ مِنَ الحسابِ والمساءلةِ الدقيقةِ عَن جميعِ ما عملَهُ الإنسانُ في حياتِهِ الدُّنيا، إذ إنَّ البعضَ يُنكِرُ أو يشكُّ بحياةٍ أُخرى بعدَ الموتِ معَ أنَّ الدلائلَ ثابتةٌ على ذلكَ ولأنَّ خالقَ الدُّنيا وما فيها ومَن فيها ومبتدعَها مِنَ العدمِ ومُوجِدَها مِنَ اللّاشيءِ قادرٌ على إيجادِ حياةِ ما بعدَ الموتِ بكلِّ تفاصِيلها المقبلةِ – والتي لم نتوفَّرْ إلا على القليلِ مِنها لعدمِ الوصولِ إليها – وهُوَ القادِرُ على كلِّ شيءٍ.

وقدْ وردَ في قولِهِ تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ}، كما قالَ تعالى: {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وقالَ تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى}.

 

السّادسُ: ينصحُ الإمامُ (عليهِ السّلام) الإنسانَ المنصَرِفَ بكُلِّهِ نحوَ الدُّنيا وما فيها بأنْ لا يُهمِلَ الآخرةَ؛ لأنَّها الأدومُ والأبقى فلا يغتَرُّ بما أوتيَ مِن مالٍ، جاهٍ، نفوذٍ، قوةٍ، سُلطانٍ، أولادٍ، عَقارٍ، وغيرِ ذلكَ ممّا يتركُهُ ويُخلّفُهُ لغيرِهِ ويذهبُ وحيداً إلا ما يستُرَهُ ، وإلا عملَهُ الصالحَ الذي ينفعُهُ عندَ المُساءَلةِ ، وعرضِ الأعمالِ على الواحدِ القهّارِ الذي لا يحيفُ ولا يظلمُ فيُجازي كُلاً بعملِهِ إنْ خيراً فخيراً وإنْ شرّاً فشرّاً ، { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ }.

فالدعوةُ إلى الموازنةِ والعملِ للدّنيا بما يُمرّرُ الحالةَ فيها، والعملِ للآخِرَةِ بما ينفعُ فيها.

 

 

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 4872