جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله علوم اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في القسم ( 11642) موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
السيرة النبوية

التاريخ: 17 / نيسان / 2015 م 669
التاريخ: 30 / 3 / 2016 694
التاريخ: 25 / كانون الثاني / 2015 803
التاريخ: 30 / كانون الثاني / 2015 708
مقالات عقائدية

التاريخ: 7 / تشرين الاول / 2014 م 1053
التاريخ: 9 / تشرين الثاني / 2014 م 1050
التاريخ: 25 / أيلول / 2014 م 1130
التاريخ: 9 / حزيران / 2015 م 978
تفسير الاية (11-31) من سورة المدثر  
  
100   11:16 صباحاً   التاريخ: 13 / 2 / 2018
المؤلف : اعداد : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......


أقرأ أيضاً
التاريخ: 13 / 2 / 2018 90
التاريخ: 13 / 2 / 2018 101
التاريخ: 13 / 2 / 2018 93

قال تعالى : {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 11 - 31].

 

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

قال سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) على وجه التهديد للكافر الذي وصفه {ذرني ومن خلقت وحيدا} أي دعني وإياه فإني كاف له في عقابه كما يقول القائل دعني وإياه ومعناه دعني ومن خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه وإن حملته على صفة المخلوق فمعناه دعني ومن خلقته في بطن أمه واحد لا مال له ولا ولد يعني الوليد بن المغيرة قال مقاتل معناه خل بيني وبينه فأنا أفرد بهلكته وقال ابن عباس كان الوليد يسمى الوحيد في قومه وروى العياشي بإسناده عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله وأبي جعفر (عليه السلام) أن الوحيد ولد الزنا قال زرارة ذكر لأبي جعفر (عليه السلام) عن أحد بني هشام أنه قال في خطبته أنا ابن الوحيد فقال ويله لو ضعلم ما الوحيد ما فخر بها فقلنا له وما هومن لا يعرف له أب.

 ثم ذكر سبحانه رزقه المال والولد فقال {وجعلت له مالا ممدودا} ما بين مكة إلى الطائف من الإبل المؤبلة(2) والخيل المسومة والنعم المرحلة والمستغلات التي لا تنقطع غلتها والجواري والعبيد والعين الكثيرة عن عطاء عن ابن عباس وقيل الممدود الكثير الذي لا تنقطع غلته عنه سنة حتى يدرك غلة سنة أخرى فهو ممدود على الأيام وكان له بستان بالطائف لا ينقطع خيره في شتاء ولا صيف وعشرة بنين ومائة ألف دينار عن مجاهد وقيل ستة آلاف دينار عن قتادة وقيل أربعة آلاف دينار عن سفيان {وبنين شهودا} حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه لغناهم عن ركوب السفر للتجارة قال سعيد بن جبير كانوا ثلاثة عشر وقال مقاتل كانوا سبعة الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام وعمارة قالوا فما زال الوليد بعد هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك.

 {ومهدت له تمهيدا} أي بسطت له في العيش بسطا حتى صار مكفي المئونة من كل وجه حتى صارت أحواله متناسبة عن الحسن وغيره وقيل سهلت له وقيل سهلت له التصرف في الأمور تسهيلا {ثم يطمع أن أزيد} أي لم يشكرني على هذه النعم بل كفر نعمائي وهو مع ذلك يطمع أن أزيد في إنعامه ثم قال على وجه الردع والزجر {كلا} أي لا يكون كما ظن ولا أزيده مع كفره وقيل كلا معناه انزجر وارتدع فليس الأمر على ما تتوهم ثم بين سبحانه كفره فقال {إنه كان لآياتنا عنيدا} أي إنما لم نفعل به ذلك لأنه كان بحججنا وأدلتنا معاندا ينكرها مع معرفته بها وقيل عنيدا جحودا عن ابن عباس وقتادة {سأرهقه صعودا} أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه وقيل صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت وكذلك رجله في خبر مرفوع وقيل هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقاطع الحديد فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي.

 {إنه فكر} ودبر ما ذا يقول في القرآن {وقدر} القول في نفسه وإنما فكر ليحتال به للباطل لأنه لو فكر على وجه طلب الرشاد لكان ممدوحا وقدر فقال إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به وإن قلنا كاهن لم يصدقونا لأن كلامه لا يشبه كلام الكهان فنقول ساحر يؤثر ما أتى به عن غيره من السحرة {فقتل} أي لعن وعذب وقيل لعن بما يجري مجرى القتل وقيل استحق العذاب عن الجبائي {كيف قدر} قال صاحب النظم معناه لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام لأضربنه كيف صنع أي على أي حال كان منه {ثم قتل كيف قدر} هذا تكرير للتأكيد وقيل معناه كيف قدر في آياتنا ما قدر مع وضوح الحجة ثم لعن وعوقب بعقاب آخر كيف قدر في إبطال الحق تقدير آخر وقيل معناه عوقب في الآخرة مرة بعد مرة {ثم نظر} في طلب ما يدفع به القرآن ويرده {ثم عبس وبسر} أي كلح وكره وجهه ونظر بكراهة شديدة كالمتهم المتفكر في الشيء {ثم أدبر} عن الإيمان {واستكبر} أي تكبر حين دعا إليه {فقال إن هذا} أي ما هذا القرآن {إلا سحر يؤثر} أي يروي عن السحرة وقيل هومن الإيثار أي سحر تؤثره النفوس وتختاره لحلاوته فيها {إن هذا إلا قول البشر} أي ما هذا إلا كلام الإنس وليس من عند الله ولوكان القرآن سحرا أومن كلام البشر كما قاله الملعون لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله ولقدر هو وغيره مع فصاحتهم على الإتيان بسورة مثله.

 ثم قال سبحانه مهددا له {سأصليه سقر} أي سأدخله جهنم وألزمه إياها وقيل سقر دركة من دركات جهنم وقيل باب من أبوابها {وما أدريك} أيها السامع {ما سقر} في شدتها وهولها وضيقها ثم وصف بعض صفاتها فقال {لا تبقي ولا تذر} أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا عن مجاهد وقيل لا تبقي شيئا إلا أحرقته ولا تذر أي لا تبقي عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب عن الجبائي {لواحة للبشر} أي مغيرة للجلود وقيل لافحة للجلود حتى تدعها أشد سوادا من الليل.

 {عليها تسعة عشر} من الملائكة هم خزنتها مالك ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة تسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر نزعت منهم الرحمة يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم وقيل معناه على سقر تسعة عشر ملكا وهم خزان سقر وللنار ودركاتها الآخر خزان آخرون وقيل إنما خصوا بهذا العدد ليوافق المخبر الخبر لما جاء به الأنبياء قبله وما كان من الكتب المتقدمة ويكون في ذلك مصلحة للمكلفين وقال بعضهم في تخصيص هذا العدد أن تسعة عشر يجمع أكثر القليل من العدد وأقل الكثير منه لأن العدد آحاد وعشرات ومئات وألوف فأقل العشرات عشرة وأكثر الآحاد تسعة قالوا ولما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم أ تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم الشجعان أ فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم فقال أبو الأسد الجمحي أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري وسبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين فنزل {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} الآية عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومعناه وما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل النار ولم نجعلهم من بني آدم كما تعهدون أنتم فتطيقونهم {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة وتشديدا في التكليف للذين كفروا نعم الله وجحدوا وحدانيته حتى يتفكروا فيعلموا أن الله سبحانه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة ويعلموا أنه قادر على أن يزيد في قواهم ما يقدرون به على تعذيب الخلائق ولو راجع الكفار عقولهم لعلموا أن من سلط ملكا واحدا على كافة بني آدم لقبض أرواحهم فلا يغلبونه قادر على سوق بعضهم إلى النار وجعلهم فيها بتسعة عشر من الملائكة {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} من اليهود والنصارى أنه حق وإن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) صادق من حيث أخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لها ولا تعلم منهم {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} أي يقينا بهذا العدد وبصحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذا أخبرهم أهل الكتاب أنه مثل ما في كتابهم.

 {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} أي ولئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة والمعنى وليستيقن من لم يؤمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومن آمن به صحة نبوته إذا تدبروا وتفكروا {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا} اللام هنا لام العاقبة أي عاقبة أمر هؤلاء أن يقولوا هذا يعني المنافقين والكافرين وقيل معناه ولأن يقولوا ما ذا أراد الله بهذا الوصف والعدد ويتدبروه فيؤدي بهم التدبر في ذلك إلى الإيمان {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} أي مثل ما جعلنا خزنة أصحاب النار ملائكة ذوي عدد محنة واختبارا تكلف الخلق ليظهر الضلال والهدى وأضافهما إلى نفسه لأن سبب ذلك التكليف وهومن جهته وقيل يضل عن طريق الجنة والثواب من يشاء ويهدي من يشاء إليه {وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي ما يعلم جنود ربك من كثرتها أحد إلا هو ولم يجعل خزنة النار تسعة عشر لقلة جنوده ولكن الحكمة اقتضت ذلك وقيل هذا جواب أبي جهل حين قال ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر عن مقاتل وقيل معناه وما يعلم عدة الملائكة الذين خلقهم الله لتعذيب أهل النار إلا الله عن عطاء والمعنى أن التسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود ما لا يعلمه إلا الله.

 ثم رجع إلى ذكر سقر فقال {وما هي إلا ذكرى للبشر} أي تذكرة وموعظة للعالم ليتذكروا فيتجنبوا ما يستوجبون به ذلك وقيل معناه وما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة للبشر من نار الآخرة حتى يتفكروا فيها فيحذروا نار الآخرة وقيل ما هذه السورة إلا تذكرة للناس وقيل وما هذه الملائكة التسعة عشر إلا عبرة للخلق يستدلون بذلك على كمال قدرة الله تعالى وينزجرون عن المعاصي .

_________________

1- مجمع البيان ، الطبرسي ، ج10 ، ص179-183.

2- ابل مؤبلة اي مجتمعة.

3- الدهم : الجماعة الكثيرة.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} الخطاب لرسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمراد به تهديد الوليد بن المغيرة بإجماع المفسرين ، والمعنى دعني وإياه يا محمد ولا تهتم بشأنه ، ولا بما يفتري به عليك فأنا وحدي أتولى حربه والانتقام منه بأنواع العذاب والتنكيل . . لقد غضب سبحانه على الوليد ، وبلغ هذا الغضب أشده لأنه طغى وبغى ، وكفر بنعمة اللَّه ، وأعرض عن الحق واستعلى عليه وعلى أهله . . وكل من عاند الحق فهو مقصود بهذا الغضب والتهديد تماما كالوليد بن المغيرة لأن الوصف يشعر بالعلَّية كما يقول أهل الأصول ، ولأن سبب النزول لا يخصص عموم الآية ولا يتصرف في دلالتها كما أشرنا أكثر من مرة .

ويومئ قوله تعالى : {وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً} إلى ان السبب الموجب والدافع على البغي والعدوان هو الثراء وكثرة المال ، والى هذه الحقيقة يشير العديد من الآيات ، منها قوله تعالى : {وذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ} - 11 المزمل وقوله حكاية عن طاغ يفخر على أحد الصالحين : {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا} - 34 الكهف وكفى شاهدا على ذلك قوله ، عز من قائل : {إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى} - 6 العلق . . واستنادا إلى هذه الآيات وما إليها يمكن أن يقال - ولومن وجهة صناعية - : ان الأصل في كل غني أن يكون طاغيا حتى يثبت العكس ، وفي نهج البلاغة : ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند اللَّه ، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على اللَّه . وفي الحديث : طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافا . . اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن أحب محمدا وآل محمد العفاف والكفاف .

{وبَنِينَ شُهُوداً} حاضرين معه يتسابقون إلى خدمته {ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً} .

يسرت له سبيل الجاه والمال ، يتقلب في النعم كيف يشاء . وبهذه المناسبة نشير إلى ان نعم الدنيا لا تدل على مرضاة اللَّه ، قال سبحانه : {إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْو» . والى ما جاء في الحديث {لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه من الخير جناح بعوضة ما سقى فيها الكافر شربة ماء} . وقد عرضت على رسول اللَّه خير خلق اللَّه فأبى أن يقبلها . أما الوليد بن المغيرة شر خلق اللَّه فقد كثر ماله وامتد {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي اللَّه في ماله ليزداد بغيا وعدوانا . . ومستحيل أن يجتمع الصلاح والطمع في قلب واحد ، قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) : الطمع مفتاح كل معصية ، ورأس كل خطيئة ، وسبب لإحباط كل حسنة .

{كَلَّا إِنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيداً} . اخسأ أيها الجحود الخؤون . . أتطمع في اللَّه وأنت تعاند الحق ، وتصد عنه ، وتعلن الحرب على أهله ! . . قال الرواة : ما نزلت هذه الآية حتى تبدل عز الوليد إلى ذل ، وغناه إلى فقر ، ومات على أسوأ حال . . وصدق من قال : ما قال الناس لشيء طوبى له إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء . . هذا في الدنيا ، أما جزاؤه في الآخرة فترسمه هذه الآية {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} . ويأتي الصعود بمعنى الشدة والمشقة ، وأيضا يأتي بمعنى الارتقاء والزيادة ، وسياق الكلام يدل على المعنيين معا ، وان العذاب يزداد كما وكيفا آنا بعد آن .

{إِنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ} . فكر في أمر القرآن ، وأجال فيه رأيه ، وهيأ له قول الزور والافتراء ، وهوان القرآن سحر يؤثر كما يأتي {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} . لعن ثم لعن في تفكيره وتقديره وأقواله وأفعاله وجميع مقاصده . . ولا شيء أبلغ من تكرار اللعن على أهل البغي والعدوان {ثُمَّ نَظَرَ} بعد ان فكر وقدر رفع بصره إلى عتاة قريش {ثُمَّ عَبَسَ} قطب حاجبيه {وبَسَرَ} كلح وجهه وتغير لونه {ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكْبَرَ} . أيقن وهو يفكر أن القرآن حق لا ريب فيه ، ومع هذا أعرض عن الحق واستعلى عليه {فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} أخذه محمد عن السحرة والكهنة . . وتدلنا هذه الصورة التي رسمها القرآن للوليد ، وهي تفكيره وتقديره وعبوسه وبسوره ، تدلنا انه كان تائها حائرا فيما يدبر من الكذب والباطل لما يعتقده حقا وصدقا .

{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} ضمير أصليه يعود إلى الوليد ، وسقر من أسماء جهنم {وما أَدْراكَ ما سَقَرُ} . فإنها بلغت من الهول حدا يفوق التصور ، من ذلك انها {لا تُبْقِي} على أحد من المجرمين {ولا تَذَرُ} لونا من ألوان العذاب إلا أنزلته بهم {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . البشر هنا جمع بشرة ، وهي ظاهر جلد الإنسان ، ومعنى لواحة في الأصل مغيرة ، والمراد بها هنا النضوج لقوله تعالى : {كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها} - 56 النساء .

{عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ} . ضمير عليها يعود إلى سقر ، والتسعة عشر خزنة جهنم ، وهل المراد تسعة عشر فردا أو نوعا أو قائدا ؟ . اللَّه أعلم . ويروى ان أبا جهل قال لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من هؤلاء التسعة عشر ؟ فقال رجل يدعى أبو المشد : أنا أكفيكم سبعة عشر ، فاكفوني اثنين فقط . قال هذا ساخرا كما سخر أبو جهل .

{وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً} . ليس الخزنة من نوع البشر . . انهم ملائكة شداد غلاظ ، لا يقوى عليهم إلا الواحد القهار الذي خلق كل شيء .

وكأنّ سائلا يسأل : ما هو القصد من ذكر العدد مع انه يفتح باب التضليل والسخرية للجاحدين ؟ فأجاب سبحانه بأن لذكره فوائد ثلاثا :

1 - {وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . أجل ، ان اللَّه يعلم ان المشركين متى سمعوا العدد ضحكوا واستهزأوا ومع هذا ذكره إظهارا للحق لأن الحق يجب أن يعلن ويقال حتى ولوكان من نتائجه سخرية الساخرين . . وبكلام آخر ان اللَّه سبحانه يختبر عباده ، وهو أعلم بهم من أنفسهم ، يختبرهم بالسراء والضراء ، وأيضا بقول الحق لتظهر أفعالهم التي يستحقون بها الثواب والعقاب ، وقد أظهر ذكر العدد المشركين على حقيقتهم من الاستخفاف بالغيب فاستحقوا غضب اللَّه وعذابه كما أظهر المؤمنون حقيقتهم كذلك فاستحقوا مرضاة اللَّه وثوابه ، وتأتي الإشارة إليهم . . هذا ، إلى ان إعلان الرسول لكلمة الحق غير مكترث بما يلاقيه ويقاسيه من أجلها - دليل قاطع على انه لا يبتغي من ورائها إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل .

2 - {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ} . لقد شهد علماء اليهود والنصارى آنذاك شهادة ايمان وايقان ان عدة الخزنة تسعة عشر لأنه موافق لما قرأوه في التوراة والإنجيل .

3 - {ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً} . الوحي بالغيب يزيد الكافر جحودا وتمردا ، والمؤمنين ايمانا وتسليما . وقيل : ان المؤمنين يزدادون يقينا إذا أخبرهم أهل الكتاب بأن العدد موجود في كتبهم . . والصواب ان كل آية من آياته تعالى تزيد المؤمنين يقينا باللَّه ورسوله سواء اعترف أهل الكتاب أم جحدوا . . أجل ، ان اعترافهم حجة على الجاحدين .

{ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والْمُؤْمِنُونَ} . هذا توضيح وتأكيد لما قبله لأن عدم الارتياب هو الاستيقان وزيادة الايمان {ولِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا} . وأيضا هذا توضيح وتأكيد لقوله تعالى :

{وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} مع التصريح بذكر صنف من الكافرين وهم المنافقون الذين في قلوبهم مرض . وتقدم مثله في الآية 26 من سورة البقرة .

{كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ} . من سلك طريق الضلال أضله اللَّه : {فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} - 5 الصف . {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} - 10 البقرة ومن سلك طريق الهدى هداه اللَّه : {والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وآتاهُمْ تَقْواهُمْ} - 17 محمد . وتقدم مثله في العديد من الآيات منها الآية 8 من سورة فاطر {وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو) جنود اللَّه لا تنحصر بالتسعة عشر من الخزنة ولا بغيرهم ، فجميع الخلائق طوع إرادته حتى الوحوش والحشرات والطيور والرياح والزلازل والطوفان وما إلى ذلك مما لا يحيط به علما إلا مبدئ الخلق ومعيده {وما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ} . ضمير هي يعود إلى سقر ، وقد خلقها سبحانه وخوّف منها لنتقي معاصي اللَّه في السر والعلانية .

______________________
1- الكاشف ، محمد جواد مغنية ، ج7 ، ص459-463.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} كلمة تهديد وقد استفاض النقل أن الآية وما يتلوها إلى تمام عشرين آية نزلت في الوليد بن المغيرة، وستأتي قصته في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

وقوله: {وحيدا} حال من فاعل {خلقت} ومحصل المعنى: دعني ومن خلقته حال كوني وحيدا لا يشاركني في خلقه أحد ثم دبرت أمره أحسن التدبير، ولا تحل بيني وبينه فأنا أكفيه.

ومن المحتمل أن يكون حالا من مفعول {ذرني}.

وقيل: حال من مفعول خلقت المحذوف وهو ضمير عائد إلى الموصول، ومحصل المعنى دعني ومن خلقته حال كونه وحيدا لا مال له ولا بنون، واحتمل أيضا أن يكون {وحيدا} منصوبا بتقدير {أذم} وأحسن الوجوه أولها.

قوله تعالى: {وجعلت له مالا ممدودا} أي مبسوطا كثيرا أو ممدودا بمدد النماء.

قوله تعالى: {وبنين شهودا} أي حضورا يشاهدهم ويتأيد بهم، وهو عطف على قوله: {مالا}.

قوله تعالى: {ومهدت له تمهيدا} التمهيد التهيئة ويتجوز به عن بسطة المال والجاه وانتظام الأمور.

قوله تعالى: {ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} أي ثم يطمع أن أزيد فيما جعلت له من المال والبنين ومهدت له من التمهيد.

وقوله: {كلا} ردع له، وقوله: {إنه كان} إلخ تعليل المردع، والعنيد المعاند المباهي بما عنده، قيل، ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك.

قوله تعالى: {سأرهقه صعودا} الإرهاق الغشيان بالعنف، والصعود عقبة الجبل التي يشق مصعدها شبه ما سيناله من سوء الجزاء ومر العذاب بغشيانه عقبة وعر صعبة الصعود.

قوله تعالى: {إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر} التفكير معروف، والتقدير عن تفكير نظم معان وأوصاف في الذهن بالتقديم والتأخير والوضع والرفع لاستنتاج غرض مطلوب، وقد كان الرجل يهوى أن يقول في أمر القرآن شيئا يبطل به دعوته ويرضي به قومه المعاندين ففكر فيه أ يقول: شعر أو كهانة أو هذرة جنون أو أسطورة فقدر أن يقول: سحر من كلام البشر لأنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه.

وقوله: {فقتل كيف قدر} دعا عليه على ما يعطيه السياق نظير قوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [التوبة: 30].

وقوله: {ثم قتل كيف قدر} تكرار للدعاء تأكيدا.

قوله تعالى: {ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر} تمثيل لحاله بعد التكفير والتقدير وهومن ألطف التمثيل وأبلغه.

فقوله: {ثم نظر} أي ثم نظر بعد التفكير والتقدير نظرة من يريد أن يقضي في أمر سئل أن ينظر فيه - على ما يعطيه سياق التمثيل -.

وقوله: {ثم عبس وبسر} العبوس تقطيب الوجه، قال في المجمع،: وعبس يعبس عبوسا إذا قبض وجهه والعبوس والتكليح والتقطيب نظائر وضدها الطلاقة والبشاشة، وقال: والبسور بدء التكره في الوجه انتهى، فالمعنى ثم قبض وجهه وأبدا التكره في وجهه بعد ما نظر.

وقوله: {ثم أدبر واستكبر} الإدبار عن شيء الإعراض عنه، والاستكبار الامتناع كبرا وعتوا، والأمران أعني الإدبار والاستكبار من الأحوال الروحية، وإنما رتبا في التمثيل على النظر والعبوس والبسور وهي أحوال صورية محسوسة لظهورهما بقوله: {إن هذا إلا سحر} إلخ، ولذا عطف قوله: {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر بالفاء دون {ثم}.

وقوله: {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} أي أظهر إدباره واستكباره بقوله مفرعا عليه: {إن هذا - أي القرآن - إلا سحر يؤثر} أي يروي ويتعلم من السحرة.

وقوله: {إن هذا إلا قول البشر} أي ليس بكلام الله كما يدعيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

قيل: إن هذه الآية كالتأكيد للآية السابقة وإن اختلفتا معنى لأن المقصود منهما نفي كونه قرآنا من كلام الله، وباعتبار الاتحاد في المقصود لم تعطف الجملة على الجملة.

قوله تعالى: {سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر} أي سأدخله سقر وسقر من أسماء جهنم في القرآن أو دركة من دركاتها، وجملة {سأصليه سقر} بيان أو بدل من قوله: {سأرهقه صعودا}.

وقوله: {وما أدراك ما سقر} تفخيم لأمرها وتهويل.

وقوله: {لا تبقي ولا تذر} قضية إطلاق النفي أن يكون المراد أنها لا تبقي شيئا ممن نالته إلا أحرقته، ولا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته بخلاف نار الدنيا التي ربما تركت بعض ما ألقي فيها ولم تحرقه، وإذا نالت إنسانا مثلا نالت جسمه وصفاته الجسمية ولم تنل شيئا من روحه وصفاته الروحية، وأما سقر فلا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته قال تعالى: { تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} [المعارج: 17] ، وإذا نالته لم تبق منه شيئا من روح أو جسم إلا أحرقته قال تعالى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 6، 7] .

ويمكن أن يراد أنها لا تبقيهم أحياء ولا تتركهم يموتون فيكون في معنى قوله تعالى: { الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [الأعلى: 12، 13].

وقيل: المعنى لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد فيعذب ثانيا.

وقيل: المراد أنها لا تبقي لهم لحما ولا تذر عظما، وقيل غير ذلك.

قوله تعالى: {لواحة للبشر} اللواحة من التلويح بمعنى تغيير اللون إلى السواد وقيل: إلى الحمرة، والبشر جمع بشرة بمعنى ظاهر الجلد.

قوله تعالى: {عليها تسعة عشر} يتولون أمر عذاب المجرمين وقد أبهم ولم يصرح أنهم من الملائكة أو غيرهم غير أن المستفاد من آيات القيامة - وتصرح به الآية التالية - أنهم من الملائكة.

وقد استظهر بعضهم أن مميز قوله: {تسعة عشر} ملكا ثم قال: أ لا ترى العرب وهم الفصحاء كيف فهموا منه ذلك فقد روي عن ابن عباس: أنها لما نزلت {عليها تسعة عشر} قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أ سمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أ يعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال أبو الأسد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين انتهى، وأنت ترى أن لا دليل في كلامه على ما يدعيه.

على أنه سمي الواحد من الخزنة رجلا ولا يطلق الرجل على الملك البتة ولا سيما عند المشركين الذين قال تعالى فيهم: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19].

قوله تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} إلى آخر الآية.

سياق الآية يشهد على أنهم تكلموا فيما ذكر في الآية من عدد خزان النار فنزلت هذه الآية، ويتأيد بذلك ما ورد من سبب النزول وسيوافيك في البحث الروائي التالي.

فقوله: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} المراد بأصحاب النار خزنتها الموكلون عليها المتولون لتعذيب المجرمين فيها كما يفيده قوله: {عليها تسعة عشر} ويشهد بذلك قوله بعد: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة} إلخ.

ومحصل المعنى: أنا جعلناهم ملائكة يقدرون على ما أمروا به كما قال: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]

فليسوا من البشر حتى يرجوا المجرمون أن يقاوموهم ويطيقوهم.

وقوله: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} الفتنة المحنة والاختبار.

ذكروا أن المراد بالجعل الجعل بحسب الإخبار دون الجعل بحسب التكوين فالمعنى وما أخبرنا عن عدتهم أنها تسعة عشر إلا ليكون فتنة للذين كفروا، ويؤيده ذيل الكلام: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} إلخ.

وقوله: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} الاستيقان وجدان اليقين في النفس أي ليوقن أهل الكتاب بأن القرآن النازل عليك حق حيث يجدون ما أخبرنا به من عدة أصحاب النار موافقا لما ذكر فيما عندهم من الكتاب.

وقوله: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} أي بسبب ما يجدون من تصديق أهل الكتاب ذلك.

وقوله: {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا} اللام في {ليقول} للعاقبة بخلاف اللام في {ليستيقن} فللتعليل بالغاية، والفرق أن قولهم: {ما ذا أراد الله بهذا مثلا} تحقير وتهكم وهو كفر لا يعد غاية لفعله سبحانه إلا بالعرض بخلاف الاستيقان الذي هومن الإيمان، ولعل اختلاف المعنيين هو الموجب لإعادة اللام في قوله: {وليقول}.

وقد فسروا {الذين في قلوبهم مرض} بالشك والجحود بالمنافقين وفسروا الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين وغيرهم.

وقولهم: ما ذا أراد الله بهذا مثلا} أرادوا به التحقير والتهكم يشيرون بهذا إلى قوله تعالى: {عليها تسعة عشر} والمثل الوصف، والمعنى ما الذي يعنيه من وصف الخزنة بأنهم تسعة عشر؟ فهذه العدة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس.

ذنابة لما تقدم من الكلام في النفاق

ذكر بعضهم أن قوله تعالى: {وليقول الذين في قلوبهم مرض} الآية - بناء على أن السورة بتمامها مكية، وأن النفاق إنما حدث بالمدينة - إخبار عما سيحدث من المغيبات بعد الهجرة انتهى.

أما كون السورة بتمامها مكية فهو المتعين من طريق النقل وقد ادعي عليه إجماع المفسرين، وما نقل عن مقاتل أن قوله: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} الآية مدني لم يثبت من طريق النقل، وعلى فرض الثبوت هو قول نظري مبني على حدوث النفاق بالمدينة والآية تخبر عنه.

وأما حديث حدوث النفاق بالمدينة فقد أصر عليه بعضهم محتجا عليه بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين لم يكونوا قبل الهجرة من القوة ونفوذ الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس أو يرجى منهم خير حتى يتقوهم ويظهروا لهم الإيمان ويلحقوا بجمعهم مع إبطان الكفر وهذا بخلاف حالهم بالمدينة بعد الهجرة.

والحجة غير تامة - كما أشرنا إليه في تفسير سورة المنافقون في كلام حول النفاق فإن علل النفاق ليست تنحصر في المخافة والاتقاء أو الاستدرار من خير معجل فمن علله الطمع ولوفي نفع مؤجل ومنها العصبية والحمية ومنها استقرار العادة ومنها غير ذلك.

ولا دليل على انتفاء جميع هذه العلل عن جميع من آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم أنه آمن ثم رجع أو آمن عن ريب ثم صلح.

على أنه تعالى يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 10، 11].

والآيتان في سورة مكية وهي سورة العنكبوت، وهما ناطقتان بوجود النفاق فيها ومع الغض عن كون السورة مكية فاشتمال الآية على حديث الإيذاء في الله والفتنة أصدق شاهد على نزول الآيتين بمكة فلم يكن بالمدينة إيذاء في الله وفتنة، واشتمال الآية على قوله: {ولئن جاء نصر من ربك} إلخ لا يدل على النزول بالمدينة فللنصر مصاديق أخرى غير الفتح المعجل.

واحتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقعت بمكة بعد الهجرة غير ضائر فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة وإن أوذوا بعدها.

وعلى مثل ذلك ينبغي أن يحمل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11] إن كان المراد بالفتنة العذاب وإن كانت السورة مدنية.

وقوله: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} الإشارة بذلك إلى مضمون قوله: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة} إلخ.

وقوله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} علق تعالى العلم المنفي بالجنود - وهي الجموع الغليظة التي خلقهم وسائط لإجراء أوامره - لا بخصوص عدتهم فأفاد بإطلاقه أن العلم بحقيقتهم وخصوصيات خلقتهم وعدتهم وما يعملونه من عمل ودقائق الحكمة في جميع ذلك يختص به تعالى لا يشاركه فيه أحد، فليس لأحد أن يستقل عدتهم أو يستكثر أو يطعن في شيء مما يرجع إلى صفاتهم وهو جاهل بها.

وقوله: {وما هي إلا ذكرى للبشر} الضمير راجع إلى ما تقدم من قوله: {عليها تسعة عشر} وتأنيثه لتأنيث الخبر، والمعنى أن البشر لا سبيل لهم إلى العلم بجنود ربك وإنما أخبرنا عن خزنة النار أن عدتهم تسعة عشر ليكون ذكرى لهم يتعظون بها.

وقيل: الضمير للجنود، وقيل: لسقر، وقيل للسورة، وقيل: لنار الدنيا وهو أسخف الأقوال.

وفي الآية دلالة على أن الخطابات القرآنية لعامة البشر.

_________________________

1- الميزان ، الطباطبائي ، ج20 ، ص75-81.

 

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

الوليد بن المغيرة ...الثري المغرور:

تواصل هذه الآيات انذار الكفّار والمشركين كما في الآيات السابقة مع فارق، وهو أنّ الآيات السابقة كانت تنذر الكافرين بشكل عام، وهذه تنذر أفراداً معينين بتعابير قوية وبليغة بأشدّ الإنذارات، فيقول تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً)والآيات الآتية نزلت في الوليد بن المغيرة كما قلنا، وهومن أقطاب قريش المشهورين و(وحيداً) يمكن أن يكون وصفاً للخالق جلّ شأنه، ويمكن أن يكون للمخلوق، وهناك احتمالان للمعنى الأوّل للوحيد.

الأوّل: ذرني وحيداً مع هذا الكافر لاُعذّبه عذاباً شديداً.

والآخر: دعني ومن خلقته حال كوني وحيداً لا يشاركني في خلقه أحد، ثمّ دبّرت أمره أحسن التدبير، ولا تحلّ بيني وبينه لكونه منكراً لنعمائي.

وأمّا المعنى الثّاني فهناك احتمالات أيضاً، فقد يكون المعنى: دعني ومن خلقته حال كونه وحيداً في بطن اُمّه وعند ولادته لا أموال عنده ولا أولاد، ثمّ وهبته من نعمائي.

أو أنّه سمّي نفسه بذلك كما في المقولة المشهورة: «أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي نظير(2)»! وذكر المعنى في الآية استهزاء بقوله وأحسن الوجوه الأربعة أوّلها.

ثمّ يضيف تعالى: {وجعلت له مالاً ممدوداً}.

«الممدود»: يعني في الأصل المبسوط، ويشير إلى كثرة أمواله وحجمها.

وقيل: إنّ أمواله بلغت حدّاً من الكثرة بحيث ملك الإبل والخيول والأراضي الشاسعة ما بين مكّة والطائف، وقيل إنّه يملك ضياع ومزارع دائمة الحصاد، وله مائة ألف دينار ذهب، وكل هذه المعاني تجتمع في كلمة «الممدود».

ثمّ أشار تعالى إلى قوته في قوله: {وبنين شهوداً}.

إذا كانوا يعينونه على حياته، وحضورهم إنس وراحة له، وما كانوا مضطرين لأن يضربوا في الأرض طلباً للعيش، ويتركوا أباهم وحيداً، إذ كان له عشرة بنين كما في الرّوايات.

ثمّ يستطرد بذكر النعم التي وهبها له، يقول تعالى: {ومهدت له تمهيداً} ولم يهبه ما ينفع من المال والأولاد فحسب، بل أغدق عليه ما يريد من جاه وقوّة.

«التمهيد»: من (المهد) وهوما يستخدم لنوم الطفل، ويطلق على ما يتهيأ من وسائل الراحة والمقام وانتظام الاُمور. وفي المجموع له معان واسعة تشمل المواهب الحياتية والوسائل الحديثة والتوفيق.

ولكنّه كفر بما أنعم اللّه عليه وهو بذلك يريد المزيد: {ثمّ يطمع أن أزيد}، وليس هذا منحصراً بالوليد، بل إنّ عبيد الدنيا على هذه الشاكلة أيضاً، فلن يروى عطشهم مطلقاً، ولو أعطوا الأقاليم السبعة لما اكتفوا بذلك.

والآية الأُخرى تردع الوليد بشدّة، يقول تعالى: {كلا إنّه كان لآياتنا عنيداً} ومع أنّه كان يعلم أنّ هذا القرآن ليس من كلام الجن أو الإنس، بل متجذر في الفطرة، وله جاذبية خاصّة وأغصان مثمرة. فكان يعاند ويعتبر ذلك سحراً ومظهره ساحراً.

«العنيد»: من (العناد) وقيل هو المخالفة والعناد مع المعرفة، أي أنّه يعلم بأحقّية الشيء ثمّ يخالفه عناداً، والوليد مصداق واضح لهذا المعنى.

والتعبير بـ (كان) يشير إلى مخالفته المستمرة والدائمة.

وأشار في آخر آية إلى مصيره المؤلم بعبارات قصيرة وغنية في المعنى، فيقول تعالى: (سأرهقه صعوداً).

«ساُرهقه»: من (الإرهاف) وهو غشيان الشيء بالعنف، وتعني أيضاً فرض العقوبات الصعبة، جاء بمعنى الإبتلاء بأنواع العذاب، والصعود، إشارة إلى ما سيناله من سوء العذاب، ويستعمل في العمل الشاق، إذا يشق صعود الجبل، ولذا فسّر البعض ذلك بالعذاب الإلهي، وقيل هو جبل في النار يصعد فيه الكافر عنفاً ثمّ يهوي، وهو كذلك فيه أبداً.

ويحتمل أن يراد به العذاب الدنيوي للوليد بن المغيرة، فقد ذكر التاريخ عنه أنّه بلغ ذروة الجاه والرفاه في حياته، ثمّ عاقبه اللّه تعالى بنقصان ماله وولده حتى هلك(3).

وقوله تعالى :{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20) ثُمَّ نَظَرَ(21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24) إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر}

فقتل كيف قدر:

في هذه الآيات توضيحات كثيرة عمّن أعطاه اللّه المال والبنين وخالف بذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي الوليد بن المغيرة، يقول تعالى: {إنّه فكر وقدّر}.

لا بأس بالتفكير، وهو حسن، ولكن يشترط أن يكون في طريق الحق، وتفكر ساعة أفضل من عبادة أو عمرٌ بكامله، لما يمكن أن يتغير مصير الإنسان فيها، وأمّا إذا كان التفكر في طريق الكفر والفساد فهو مذموم، وتفكر «الوليد» كان من هذه النوع.

«قدّر»: من التقدير، وهو التهيؤ لنظم أمر في الذهن والتصميم على تطبيقه، ثمّ يضيف في مذمته: {فقتل كيف قدّر} بعدئذ يؤكّد ذلك فيضيف: {ثمّ قتل كيف قدّر} وهذا إشارة لما قيل في سبب النّزول حيث كان يرى توحيد الأقوال فيما يقذف به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندما سمّوه بالشاعر لم يقبل بذلك، فقالوا: كاهن فلم يقبل، قالوا: مجنون فرفض، فقالوا: ساحر، قال: بلى، وذلك لمخالفتهم فكرة السحر الذي كان يفرق بين المرء وأهله، أو يجمع الواحد والآخر، وإنّما ظهر ذلك في عصر الإسلام، قد عبّر القرآن عن هذه الحالة التي حدثت عند الوليد بتعبير مختصر وبليغ لمطالعته للأمر وتفكره، ثمّ تقديره لذلك وإن كان أصل الاقتراح من قريش، وعلى كل حال فإنّ تكرار المعنى في الآيتين دليل على دهاء الوليد في تفكره الشيطاني، ولذا كانت شدّة تفكره سبباً للتعجب.

بعدئذ يضيف اللّه تعالى: {ثمّ نظر}، أي نظر بعد التفكر والتقدير نظرة من يريد أن يقضي في أمر مهمّ ليطمئن من استحكامه وانسجامه: {ثمّ عبس وبسر ثمّ أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر، إن هذا إلاّ قول البشر}، بهذه الأقوال يظهر عداءه للقرآن المجيد، وذلك بعد تفكره الشيطاني، وبقوله هذا صار يمدح القرآن من حيث لا يدري، وإذا أشار إلى جاذبية القرآن الخارقة وتسخيره للقلوب، وسحر القرآن الذي يسحر القلوب كما في قولته، وما كان للقرآن من شبه بسحر الساحرين، بل إنّه كلام منطقي وموزون، وهذا هو دليل على نزول الوحي به، وليس هو بكلام البشر، بل صدر من عالم ما وراء الطبيعة من علم اللّه اللامتناهي، الذي جمع في انسجامه واستحكامه كلّ المحاسن.

«عبس»: يعبس عبوساً، والعبوس الذي يقبض وجهه.

«بَسَر»: من (البسور) وتعني أحياناً العجلة في إتمام العمل الذي لو يحن حان وقته، وأحياناً بمعنى قبض الوجه وتغيره، والمعنى الثّاني يناسب العبس، وعلى المعنى الأوّل يكون إشارة إلى اتّخاذ القرار العاجل في الصاق ما لا يليق بالقرآن المجيد.

«يؤثر»: من (الأثر)، وهوما يروى عن الماضين ممّا بقي من الآثار، وقيل من «الإيثار» بمعنى الترجيح والتقديم.

وممّا يؤيد المعنى الأوّل أنّ الوليد يقول: إنّه سحر يروى ويتعلم من السحرة.

وعلى المعنى الثّاني فإنّه يقول: سحر تؤثر حلاوته في قلوب الناس وبالتالي فإنّ الناس يرجحونه على غيره.

على كلّ حال هو إقرار ضمني بإعجاز القرآن. وليس للقرآن أي علاقة وتشبيه بأعمال السحرة، فهو كلامٌ رصين عميق المعاني وجذاب لا نظير له كما يقول الوليد، فإنّه ليس من كلام البشر، وإن كان كذلك لكانوا قد أتوا بمثله، وهذا ما دعا إليه القرآن كراراً، فلم يستطع أحدٌ من بلغاء العرب أن يأتي بمثله، بل سورة من مثله، وهذه هي معجزة.

وقوله تعالى : {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26) وَمَآ أَدْراكَ مَا سَقَرُ(27) لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ(28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ(29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}.

المصير المشؤوم:

في هذه الآيات بيان للعقوبات المؤلمة لمن أنكر القرآن والرسالة، وكذب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهوما أشارت إليه الآيات السابقة فيقول اللّه تعالى: {سأُصليه سقر}.

«سقر»: في الأصل من «سقر» على وزن فقر، بمعنى التغير والذوبان من أثر حرارة الشمس، هومن أحد أسماء جهنم، كثير ما ذكر في القرآن، واختيار هذا الإسم يشير إلى العذاب المهول لجهنّم الذي يلتهم أهلها، وقيل هي درك من دركاتها المهولة، ثمّ يبيّن عظمة وشدّة عذاب النّار فيقول: {وما أدراك ما سقر}.

أي إنّ العذاب يكون شديداً إلى حدّ يخرج عن دائرة التصور، ولا يخطر على بال أحد، كما هو الحال في عدم إدراك عظمة النعم الإلهية في الجنان.

{لا تبقي ولا تذر}.

قد تكون هذه الآية إشارة إلى أنّ نار جهنّم بخلاف نار الدنيا التي ربّما تركت بعض ما ألقي فيها ولم تحرقه، وإذا نالت إنساناً مثلاً نالت جسمه وصفاته الجسمية وتبقى روحه وصفاته الروحية في أمان منها، وأمّا «سقر» فلا تدع أحداً ممن ألقي فيها إلاّ نالته واحتوئه بجميع وجوده، فهي نار شاملة تستوعب جميع من اُلقي فيها، وقيل: إنّ المعنى لا يموتون فيها ولا يحيون، أي يبقون بين الموت والحياة، كما جاء في الآية (13) من سورة الأعلى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [طه: 74].

أو أنّها لا تبقي على جسد شيئاً من العظام أو اللحم، فيتّضح أنّ مفهوم الآية أنّها لا تحرقهم تماماً، لأنّ هذا المعنى لا يتفق والآية (56) من سورة النساء حيث يقول تعالى: {ا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56]

ثمّ ينتقل إلى بيان وصف آخر للنّار المحرقة فيضيف: {لواحة للبشر}(4).

إنّها تجعل الوجه مظلماً أسود أشدّ سواداً من الليل.

«بشر»: جمع بشرة، وتعني الجلد الظاهر للجسد.

«لوّاحة»: من مادة (لوح) وتعني أحياناً الظاهر، وأحياناً بمعنى التغيير، ويكون المعنى بمقتضى التّفسير الأوّل: (أنّ جهنم ظاهرة للعيان).

كما جاء في الآية (36) من سورة النّازعات: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} [النازعات: 36]  وبمقتضى التّفسير الثّاني يكون المعنى: أنّها تغير لون الجلود.

وفي آخر آية من آيات مورد البحث يقول تعالى: {عليها تسعة عشر}.(5)

إنّهم ليسوا مأمورين بالرحم والشفقة، بل إنّهم مأمورين بالعذاب والغلظة، وأمّا الآية الأُخرى التي تليها فإنّها تشير إلى أنّ هذا العدد هم ملائكة العذاب، وقيل إنّها تشير إلى تسع عشرة مجموعة من الملائكة، وليس تسعة عشر نفراً، ودليل ذلك قوله تعالى: {وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو}.

وأمّا عن سبب اختيار هذا العدد من ملائكة العذاب، فلا يدري أحد عن ذلك شيئاً، ولكن احتمل البعض أنّ المراد من ذلك هو لكونُ أكبر عدد للأحاد وأقل عدد للعشرات، وقيل لكون اُصول الأخلاق الرذيلة ترجع إلى 19 أصل ظاهرة وباطنة،

فلذا تكون كلّ رذيلة من الرّذائل عاملاً للعذاب الإلهي، وإنّ طبقات جهنّم هي تسع عشرة طبقة أي بعددها، ولكل طبقة ملك أو مجموعة من الملائكة مأمورين بالعذاب.

ومن المؤكّد أنّ الأُمور المرابطة بالقيامة والجنان والجحيم وجزئياتها وخصوصياتها غير واضحة لدينا تمام الوضوح، ونحن نعيش في هذا المحيط المحدود، والذي نعرفه إنّما يتعلق بكلياتها، لذا نجد في الرّوايات أنّ لهذه الملائكة قدرات عظيمة بحيث يمكن لكل ملك أت يقذف قبيلة كبيرة في جهنّم بسهولة، ومن هنا يتّضح ضعف وعجز أفكار اناس من قبيل أبي جهل، إذ أنّه لما سمع بالآية جاء مستهزئاً إلى قريش، وقال: ثكلتكم اُمهاتكم ألم تسمعوا ما يقوله ابن أبي كبشة (يعني بذلك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم))(6) يقول إنّ خزنة النّار تسعة عشر وأنتم الدّهم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟!

فقال أبو الأسد الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين(7) لقد أراد السفهاء أن يطفئوا بهذه السخرية نور الحق، وأن يتخلصوا بذلك من الفناء المحتم.

وقوله تعالى : {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ }[المدثر: 31]

 لِمَ هذا العدد من أصحاب النّار؟

ذكر اللّه سبحانه وتعالى كما قرأنا في الآيات السابقة عدد خزنة جهنم ومأموريها وهم تسعة عشر نفراً (أو مجموعة)، وكذا قرأنا أنّ ذكر هذا العدد صار سبباً للحديث بين أوساط المشركين والكفّار، واتّخذ بعضهم ذلك سخرية، وظنّ القليل منهم أنّ الغلبة على اُولئك ليس أمراً صعباً، الآية أعلاه والتي هي أطول آيات هذه السورة تجيب عليهم وتوضح حقائق كثيرة في هذا الصدد.

فيقول تعالى أوّلاً: {وما جعلنا أصحاب النّار إلاّ ملائكة}(8).

ملائكة أقوياء مقتدرون وكما يعبّر القرآن غلاظ شداد قساة، في مقابل المذنبين بجمعهم الغفير وهم ضعفاء عاجزون.

ثمّ يضيف تعالى: {وما جعلنا عدّتهم إلاّ فتنة للذين كفروا}.

وهذا الإختبار من وجهين:

أوّلاً: لأنّهم كانوا يستهزئون بالعدد تسعة عشر، ويتساءلون عن سبب اختيار هذا العدد، في حين لو وضع عدد آخر لكانوا قد سألوا السؤال نفسه.

والوجه الثّاني: أنّهم كانوا يستقلون هذا العدد ويسخرون من ذلك بقولهم: لكل واحد منهم عشرةٌ منّا، لتكسر شوكتهم.

في حين أنّ ملائكة اللّه وصفوا في القرآن بأنّ نفراً منهم يؤمرون بإهلاك قوم لوط (عليه السلام) ويقلبون عليهم مدينتهم، مضافاً إلى ما اُشير إليه سابقاً حول اختيار عدد تسعة عشر لأصحاب النّار.

ثمّ يضيف تعالى أيضاً: {ليستيقن الذين اُوتوا الكتاب}.

ورد في رواية أنّ جماعة من اليهود سألوا أحد أصحاب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن عدد خزنة النّار فقال: «اللّه ورسوله أعلم» فهبط جبرائيل(عليه السلام) على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالآية {عليها تسعة عشر}.(9)

وسكوت هؤلاء اليهود وعدم اعتراضهم على هذا الجواب يدلّ على أنّه موافقاً لما هو مذكور في كتبهم، وهذا مدعاة لازدياد يقينهم بنبوة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وصار قبولهم هذا سبباً في تمسك المؤمنين بإيمانهم وعقائدهم.

لذا تضيف الآية في الفقرة الأُخرى: {ولا يزداد الذين آمنوا إيماناً}.

ثمّ تعود مباشرة بعد ذكر هذه الآية إلى التأكيد على تلك الأهداف الثلاثة، إذ يعتمد مجدداً على إيمان أهل الكتاب، ثمّ المؤمنين، ثمّ على اختبار الكفّار والمشركين، فيقول: {ولا يرتاب الذين اُتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً}(10).

وأمّا من يقصد به في قوله: (الذين في قلوبهم مرض) فقيل المراد منهم المنافقون، لأنّ هذا التعبير كثيراً ما ورد فيهم في آيات القرآن كما هو في الآية (10) من سورة البقرة التي تتحدث حول المنافقين بقرينة الآيات السابقة لها واللاحقة حيث نقرأ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10] وبهذا الدليل تمسكوا بمدنية الآية السابقة، لأنّ المنافقين نشؤوا في المدينة عند اقتدار الإسلام وليس بمكة، ولكن تحقيق موارد ذكر هذه العبارة في القرآن الكريم يشير إلى أنّ هذه العبارة غير منحصرة بالمنافقين، بل اُطلقت على جميع الكفّار والمعاندين والمحاربين لآيات الحقّ، وعطفت أحياناً على المنافقين حيث يمكن أن يكون دليلاً على ثنائيتهم، فمثلاً نقرأ في الآية (49) من سورة الأنفال: { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ } [الأنفال: 49] وكذا في الآيات الأُخرى، لذا ليس هناك دليل على نفي مكية الآية، خصوصاً لما من توافق وإرتباط كامل من الآيات السابقة لها والتي تشير بوضوح إلى مكيّتها.

ثمّ يضيف حول كيفية استفادة المؤمنين والكفّار الذين في قلوبهم مرض من كلام اللّه تعالى: فيقول تعالى: (كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء).

إنّ الجمل السابقة تشير بوضوح إلى أنّ المشيئة والإرادة الإلهية لهداية البعض واضلال البعض الأخر ليس اعتباطاً، فإنّ المعاندين والذين في قلوبهم مرض لا يستحقون إلاّ الضلال، والمؤمنون والمسلّمون لأمر اللّه هم المستحقون للهدى.

ويقول في نهاية الآية: (وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو وما هي إلاّ ذكرى للبشر}.

فالحديث عن التسعة عشر من خزنة النّار، ليس لتحديد ملائكة اللّه تعالى، بل إنّهم كثيرون جدّاً أنّ الرّوايات تصفهم أنّهم يملؤون السموات والأرض، وليس هناك موضع قدم في العالم إلاّ وفيه ملك يسبح للّه!

واحتمل المفسّرون احتمالات عديدة في مَن يعود الضمير «هي»، فقيل: يعود على الجنود ومنهم خزنة النّار، وقيل: على سقر، وقيل: على آيات القرآن (السورة)، والقول الأوّل أنسب وأوجه، وإن كانت بقية الأقوال مدعاة للتذكر والإيقاظ والمعرفة، ولأنّ الأوّل يبيّن حقيقة أنّ اللّه تعالى إنّما اختار لنفسه ملائكة وأخبر عن عددهم ليكون ذكرى لمن يتعظ بها، لا لكونه غير قادر على معاقبة كل المذنبين والمعاندين.

____________________

1- الامثل ، ناصر مكارم الشيرازي ، ج14، ص552-562.

2 ـ تفسير ذيل الآيات المذكورة للفخر الرازي، والكشاف والمراغي والقرطبي، ويستفاد من بين

الرّوايات الواردة في معنى الوحيد أنّه ولد الزنا الذي ليس له أب، ولا قرينة للرّواية في تفسير

الآية وليس لمعنى الرواية تناسب مع الآية.

3 ـ تفسير المراغي، ج29، ص131.

4 ـ لواحة: خبر مبتدأ محذوفة تقديره (هي لواحة).

5 ـ (عليها) خبر مقدم، وتسعة عشر مبتدأ مؤخر، وهي مبنية على الفتح، ولذا لم ترفع في الظاهر، وقيل إنّ سببه يتضمّن معنى واو العاطفة.

6 ـ قال البعض في علّة تسمية قريش النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الإسم، فقد قيل لوجود رجل يدعي أبو كبشة، وهومن خزاعة قد تنحى عن عبادة الأصنام في عصر الجاهلية، وكان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ يعارض عبادة الأصنام بشدّة فنسبوا الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي كبشة، وقيل إنّ أبي كبشة أحد أجداد اُمّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن على كلّ حال لا شك في أنّهم أرادوا بذلك السخرية لأنّ الكبش في لغة العرب تستخدم في المدح ويسمّى بذلك الأبطال والقواد.

7 ـ مجمع البيان، ج10، ص388، وتفاسير اُخرى.

8 ـ أصحاب النّار: ذكرت هذه العبارة في كثير من آيات القرآن وكلّها تعني الجهنميين، إلاّ في هذا الموضع فإنّها بمعنى خزنة جهنم، وذكر هذه العبارة يشير إلى أنّ كلمة «سقر» في الآيات السابقة تعني جهنّم بكاملها وليس قسماً خاصّاً منها.

9 ـ نقل هذا الحديث البيهقي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (تفسير المراغي، ج29، ص134).

10 ـ يجب الإلتفات إلى أنّ اللام في (ليستيقن) هي لام التعليل وفي (ليقول) لام العاقبة ويمكن أن يكون قد تكرر لهذا الدليل في حين لوكان بمعنى واحد لما كان هناك ضرورة للتكرار، وبعبارة اُخرى أن تيقن المؤمنين هو لإرادة وأمره، وأمّا حديث الكفّار فليس من إرادته وأمره تعالى شأنه، بل هو عاقبة هذا الأمر.

 

 

سؤال وجواب

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2986
التاريخ: 8 / 12 / 2015 2879
التاريخ: 8 / 12 / 2015 3117
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2639
التاريخ: 8 / 12 / 2015 2676
هل تعلم

التاريخ: 23 / تشرين الاول / 2014 م 1303
التاريخ: 27 / 11 / 2015 1180
التاريخ: 23 / تشرين الاول / 2014 م 1263
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 1228

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .