جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله قواعد اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في القسم ( 11488) موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
مقالات عقائدية

التاريخ: 30 / 11 / 2015 729
التاريخ: 26 / أيلول / 2014 م 597
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 657
التاريخ: 21 / 12 / 2015 505
الرازق - الرزّاق - الكريم - الحميد - الفتّاح‏.  
  
573   10:56 مساءاً   التاريخ: 17 / 12 / 2015
المؤلف : الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الكتاب أو المصدر : نفحات القران
الجزء والصفحة : ج4 , ص 243- 241.


أقرأ أيضاً
التاريخ: 30 / 11 / 2015 726
التاريخ: 8 / تشرين الاول / 2014 م 622
التاريخ: 9 / حزيران / 2015 م 637
التاريخ: 3 / 12 / 2015 577

إنّ لهذه الصفات الخمس- المذكورة أعلاه- مفاهيم متقاربة ومتلازمة مع بعضها، وتحكي جميعها عن تأمين أرزاق بني البشر، بل حتى جميع الكائنات الحية، وتدل على أنّ المتولي لأمر خلق الموجودات يلتزم تأمين ما يديم حياتها أيضاً، وأنّ آثار نعمته الوفيرة وسعت كل شي‏ء، ورحمته اللامتناهية شملت الجميع.

وعلى‏ ضوء تلك المفاهيم نُمعن خاشعين في الآيات التالية :

1- {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} (الحج/ 58).

2- {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ}. (الذاريات/ 58)

3- {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ} (1). (الإنفطار/ 6)

4- {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ} (2). (البقرة/ 267)

5- {وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِيمُ}. (سبأ/ 26)

توضيح وبلاغ :

جاءت كلمة (رزّاق) و (رازق) من مادّة (رزق)، وفي الأصل بمعنى العطاء المستمر وفي أوقات معيّنة، سواءً كان دنيوياً أم أخروياً ومعنوياً، وقد يطلق الرزق أحياناً على (النصيب والربح).

وقال البعض أيضاً : إنّ‏ (الرزق) في الأصل بمعنى (الإنعام والعطاء) الخاص المناسب لحال الفرد وحاجته، لتستمر حياته ومعيشته، وهنا يفترق مفهوم الرزق عن مفهوم (الإحسان) و (الإنعام) و (العطاء) و (الربح والنصيب) و (الإنفاق) (3).

والجدير بالذكر أنّ التعبير الفارسي المقابل لكلمة (رزق) وهو (روزي) يعطي مفهوم الإنعام والعطاء اليومي وفي أوقات معينة ليشمل جميع الأشخاص.

ولا يخفى أنّ الرزق الحقيقي هو الأشياء التي يحصل عليها الإنسان بالطرق المحللة، وأمّا ما يحصل عليه من الطرق المحرّمة فهو بالحقيقة رزقٌ كاذب.

يُستنتج ممّا ذكرناه أنّ الرزق يأتي بالمرحلة التي تلي الخلق وإيجاد الإنسان، ويرتبط باستمرار حياته الماديّة والمعنوية، ولذا اعتبر البعض أنّ أصل وجود الإنسان أو قواه وامكانياته جزء من الرزق (كالمرحوم الكفعمي في المصباح حيث يقول : إن رزق اللَّه يعني بانّه خلق الأرزاق والمرتزقين)، وهذا في الحقيقة نوعٌ من المجاز والاتساع في المعنى الحقيقي.

وعلى أيّة حال فإنّ وصف الباري في الآيات المذكورة بصفة : (خير الرازقين) يشير إلى الأبعاد المختلفة التالية :

فالبعد الأول : إنّ أي شي‏ء يعطيه الباري إنّما هو من عنده، وكل ما يمنحه الآخرون فهو ليس منهم، بل هم واسطة لانتقال الأرزاق.

البعد الثاني : إنّه سبحانه يُعطي كُلّ شي‏ء من أنواع النعم الماديّة والمعنوية والروحية، الدنيوية والأخرويّة، الظاهريّة والباطنية، العلنية والخفيّة و ....، في حين أنّ كل شي‏ء يعطيه الآخرون محدودٌ من جميع النواحي.

والبعد الثالث : إنّه تعالى يأخذ بنظر الاعتبار حاجة العباد عند تقدير أرزاقهم ويرزقهم بما يُناسب حالهم، لأنّه عليم بأسرار المرتزقين الظاهريّة والباطنيّة، ونعلمُ أنّ الآخرين ليسوا كذلك.

والبعد الرابع : إنّه الرّزاق الذي لا تنفد خزائنه أبداً لأنّ خزائن كل الأشياء بيده : {وَإِنْ مِّن شَي‏ءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ}. (الحجر/ 21)

وفي حين يتصف الآخرون بالمحدوديّة التّامّة من هذه الجهة.

أمّا البعد الخامس : إنّه الرازق الذي يتناول من مائدته الصديق والعدو، وجميعهم يتزوّدون من نعمته بمقتضى كونه الرحمن والرحيم.

لكن الآخرين لا يفكرون سوى بأصدقائهم وأقربائهم.

والبعد السادس : إنّه لا ينتظر لقاء عطائه وإنعامه جزاءاً ولا شكوراً، لأنّه غني من كل ناحية، لكن الآخرين ينتظرون ألف لونٍ من قبيل ذلك.

أمّا البعد السابع : فهو أنّ رزقه بدرجة من السعة والشمول بحيث يبدأ منذ لحظة انعقاد النطفة في عالم الرحم، ويستمر طيلة مرحلة وجود الجنين في بطن أُمّه، وبعد الولادة من خلال حليبها وحنانها أيضاً، حتّى لحظات الموت الأخيرة، فهل من رازقٍ يُناظره؟ أجَلْ هذا سر قوله سبحانه (خير الرازقين).

واللطيف هو ما ورد في روايات عديدة منقولة عن أهل البيت عليهم السلام حول تفسير الآية الشريفة التالية : «{ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. (التكاثر/ 8)

(إنّ اللَّه أجلّ من أن يسأل الناس يوم القيامة عن مأكلهم ومشربهم، فهذا فضله على عباده ولن يسألهم عنه بل عن (العقائد الحقّة) ومن جملتها (نعمة الولاية) (4).

وعليه فقد عكست لنا هذه الرواية معنىً آخر من معاني (خير الرازقين) لأنّه سبحانه- طبق ما جاء في الحديث- لايسأل عن هذه الأرزاق!

أمّا السّر من اطلاق كلمة (الرزاق) على الباري تعالى، ثم (ذو القوة المتين) فهو لأنّ كلمة (الرزّاق) صيغة من صيغ المبالغة، وترمز إلى أنواع الأرزاق التي يهبها اللَّه المنان لجميع المرتزقين، لذا لا تليق هذه الكلمة إلّا بشأنه، بل وكما أشرنا سابقاً من أنّ سواه لا يُمكن أن يكون‏ (رازقاً) ناهيك عن أن يكون رزّاقاً.

لأنّ اولئك لا يملكون شيئاً ليمنحوه للغير، بل يمكنهم أن يكونوا واسطةً لإيصال الأرزاق إلى الآخرين.

وكلمةُ (متين) تعني المحكم، وأخذت من مادّة (مَتْن) التي هي في الأصل تعني العضلتين‏ القويتين الموجودتين على جانبي العمود الفقري اللتين تقويّان ظَهر الإنسان وتجعلانه مستعداً لممارسة الأعمال الثقيلة، لذا فقد وردت بمعنى منتهى‏ القدرة والقوّة.

ووصفُ الباري بهاتين الصفتين يرمز إلى قدرته التامّة على إيصال الرزق إلى عباده أينما وحيثما كانوا، ولا يحتاج إلى شي‏ء.

إنّ التمعُّن في هذه الصفات الإلهيّة الخاصّة يمنح المؤمنين السكينة، ويُغنيهم عن السير في الطرق المحّرمة لتحصيل أرزاقهم، بل يحثهم على طلب الرزق الحلال، إيماناً بلطفه سبحانه.

كلمة (كريم) مأخوذة من مادّة (كَرَم) والتي تعني : الشرف والقيمة الذاتية أو الأخلاقية- حسب رأي مقاييس اللغة- لذا يطلق على الغيوم الممطرة (كريمة) وعلى الأرض المنتجة الخصبة (مكرمة).

ويقول الراغب أيضاً : إذا كانت كلمة (كرم) صفة للإنسان فإنّها تعني الأخلاق والأفعال الحميدة التي تبدر منه، وإذا كانت صفة للَّه ‏فإنّها تعني الإحسان والإنعام العلني الواضح.

وللمفسّرين تعابير مختلفة حول تفسير كلمة (كريم) عندما تأتي كصفة للَّه ‏سبحانه وتعالى.

فقد قال جماعة : إنّ كلمة (كريم) تعني الواهب الذي لا يفعل إلّا الإحسان، ولا يقصد من وراء ذلك الحصول على أي ربح.

وقال جماعة آخرون : (الكريم) هو من يقبل القليل ويجزي إزاءه بالكثير.

وقال بعضهم : (الكريم) هو الذي لا ينفذُ عطائه أبداً.

وقال آخرون أيضاً : (الكريم) هو من يعطي ما يجب عليه وما لا يجب.

ولا يوجد دليل خاص حول ترجيح أيّ من هذه التفاسير، ولكن بما أنّ كرم اللَّه أكملُ أنواع الكرم، فإنّه يشتمل على جميع هذه المفاهيم وغيرها.

ويجدُر الإنتباه إلى هذه المسألة أيضاً وهي أنّ هذه الكلمة قد وردت في القرآن الكريم على عدّة وجوه، فأحياناً كصفة للرزق مثل : {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. (الأنفال/ 4)

وأحيانا كصفة للملائكة مثل : {مَلَكٌ كَرِيمٌ}. (يوسف/ 31)

وأحياناً كصفة للعرش مثل‏ {رَبُّ العَرشِ الكَرِيمِ}. (المؤمنون/ 116)

وأحياناً كصفة للقرآن مثل : {إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ}. (الواقعة/ 77)

ولكل واحدة من هذه الأمور نوع من‏ (الكرامة) والقيمة السامية.

واشتقت كلمة (حميد) من مادّة (حمد) وتعني الثناء، وبعكسها الذم والتوبيخ، لذا (فالحميد) هنا يأتي بمعنى‏ (المحمود)، ويرمز إلى استحقاق اللَّه لكل أنواع الثناء، الثناء على ذاته المقدّسة المنقطعة النظير، الثناء على صفاته وأسمائه، الثناء على أفعاله وأعماله الحميدة، وبالنهاية الثناء على كل تلك المواهب والأرزاق المادية والمعنوية المتنوعة التي وهبها لجميع عباده.

قال المرحوم الكفعمي في مصباحه : (الحميد) هو من يستحق الثناء على أفعاله في السراء والضرّاء والأفراح والأحزان‏ (5).

وقال ابن الأثير في النهاية : (الحميد) كصفة من صفات الخالق تعني المستحق للحمد والثناء في جميع الأحوال وأضاف قائلًا :

مفهوما (الحمد) و (الشكر) متقاربان من بعضهما، ولو أنّ الحمد أكثر عموماً، لأنّ الحمد يشمل كُلًّا من الصفات الذاتية والعطايا والمواهب، في حين أنّ الشكر يشمل المواهب والعطايا فقط لا الصفات.

وعلى أيّة حال، فإنّ تعبير (الحمد) كما قلنا : ذو مفهومٍ واسعٍ يشمل الثناء على كل من الذات والصفات والأفعال.

ويجدر الإنتباه إلى أنّ كلمة (حميد) قد تكررت في ستة عشر موضعاً من القرآن، وغالباً مارافقتها صفة (الغني) أو (العزيز)، ولعل السبب في ذلك هو كون الأثرياء والأقوياء يقودهم غرورهم في الغالب إلى ممارسة الأفعال غير المتّزنة والذميمة التي هي محل للمذمّة والتوبيخ، أمّا اللَّه سبحانه ففي نفس الوقت الذي نجده غنيّاً وعزيزاً، لا يصدر منه سوى‏ الأفعال المحمودة، ولا يوجد من بين صفات جماله وكماله أي صفةٍ ذميمة، إذن فهو (حميد) من كل ناحية ويستحق الثناء.

وجاءت كلمة (الفتاح) من مادّة (فتح)، كما قال الراغب في المفردات وابن فارس في مقاييس اللغة : إنّها تعني بالأصل فتح كلِّ مغلقٍ سواء فتح بابٍ أم حل مشاكل اخرى.

لذلك يُطلق مصطلح‏ (الفتح) على النصر، لأنّه يحل مشكلة الحرب، ويُطلق على الحكم أيضاً، لأنّه يحل النزاع.

ولهذا التعبير معنىً واسعٌ جدّاً عندما يُعبَّر به عن الخالق جلَّ وعلا، فهو يشمل كل من فتح الأبواب المسدودة، وحل جميع معضلات العباد المعنويّة والماديّة، والحكم بالحق، والحكم الفصل.

قال المرحوم الكفعمي في مصباحه : (الفتّاح) معناه الحاكم بين عباده، وفتح الحاكم بين خصمين إذا قضى بينهما، وأيضاً، الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، وهو الذي بعنايته ينفتح كل مغلق‏ (6).

والأثر التربوي الناجم عن التمعُّن بهذه الصفة الإلهيّة واضحٌ جدّاً، فمن يعتقد بأنّ اللَّه وحده هو الحاكم، ويعتقد بأنّ حل المشاكل وفتح الأبواب المغلقة يسير عليه سبحانه، لا يهاب حجم المشاكل وصعوبتها أبداً، ولا تتراكم على قلبه ذرات غبار اليأس والقنوط، ولا يكف عن الجدّ والاجتهاد المصحوبين بالإيمان بالنصر بلطفه سبحانه.

و يجدر الانتباه إلى أنّ كلمة (الفتّاح) لم تتكرر أكثر من مرّة في القرآن وقد رافقتها صفة (العليم) وهذا يوضح صلتها بصفة (الفتّاح)، وذلك لأنّ حل المشاكل وفتح عُقَد المعضلات يحتاج إلى علم وفير، فالعليم بكل شي‏ء هو الذي يستطيع حل جميع المشاكل، وإذا ما أردت- أيّها الإنسان- أن تحل مشكلة في حياتك أو حياة الآخرين فعليك أن تحيط بها علماً بالمستوى المطلوب!

ولعل وصف الباري بصفة (خير الفاتحين)، في الآية الشريفة عن لسان قوم شُعيب : {رَبَّنَا افتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالحَقِّ وَأَنتَ خَيرُ الفَاتحينَ}. (الأعراف/ 89)

يعود إلى التأكيد على هذا المفهوم أيضاً، لأنّ الفاتحين الجهلاء لا يمكنهم دائماً أداء أفعالهم بشكل لائق، لذا فخير الفاتحين هو الفتّاح العليم بكل شي‏ء وفي جميع الأحوال.

______________________________
(1) يجدر الانتباه إلى أنّ كلمة «كريم» قد وردت في سبعةٍ وعشرين موضعاً من القرآن الكريم، لكنها ذُكرت كصفة للباري في موارد محدودة جدّاً.

(2) وردت كلمة حميد في سبعين موضعاً من القرآن، مصحوبة غالباً بكلمة غني وذكرتا كصفتين من الصفات الإلهيّة.

(3) مفردات الراغب، مقاييس اللغة، والتحقيق في كلمات القرآن الكريم.

(4) واليك نماذج من تلك الاحاديث :

أ) عن أبي خالد الكابلي قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام فدعا بالغداء فأكلت منه طعاماً ما اكلت طعاماً قط اطيب منه ولا الطف فلما فرغنا من الطعام قال : يا ابا خالد كيف رأيت طعامك او قال طعامنا؟ قلت : جعلت فداك ما اكلت طعاماً أطيب منه قط ولا أنظف ولكن ذكرت الآية في كتاب اللَّه عزّ وجل {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ} فقال أبو جعفر عليه السلام : «إنّما يسئلكم عمّا أنتم عليه من الحق».

ب) عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام أنّه قال : {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} واللَّه ما هو الطعام والشراب ولكن ولايتنا أهل البيت.

تفسير البرهان، ج 4، ص 502، ح 4، 5، 6، 7، 8، 9، 11، 12، 13.

(5) مصباح الكفعمي، ص 327.

(6) مصباح الكفعمي، ص 321.


المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .